الرجولة ليست صفة تُمنح بالذكورة ولا تُختزل في المال، بل بناءٌ واعٍ يقوم على القوة النفسية والأمانة واتساق السلوك، يبيّن المقال أن خلل العلاقات غالبًا مردّه قصور في فهم القِوامة، حيث يُتقن الرجل الإعالة ويُخفق في الاحتواء والنضج الوجداني، فلا تُملأ القلوب بالإنفاق، بل بالحضور المتزن، ولا تستقيم العلاقة دون احترامٍ صادق وقدرة على الإصغاء وتحمل الأثر، وحين تغيب هذه المعاني، تبقى العلاقة قائمةً في ظاهرها، خاوية في روحها.
علم العلاقات اليوم من أكثر المعارف رواجًا، ولا سيما على المنصات الاجتماعية، حيث يكثر الحديث عن العلاقات ويتشعّب إلى تناول طبائع النساء على وجه خاص، حتى شاعت مصطلحات تختزل هذه الطبيعة وتبتسرها مثل: “درامية” و”هرمونية”. ولا ريب أن بعض الروايات الرومانسية، والخطاب النسوي، والمسلسلات الأجنبية، قد أسهمت في تشكيل تصورات مضطربة لدى النساء عن طبائعهن، إلى جانب ما ترسّب من أعراف تنشئة غير مُمحَّصة. لكنْ ثمة جانبٌ من الاضطراب في العلاقات بين الجنسين لا يعكس طبيعة المرأة بقدر ما يعكس طريقة التعامل معها، ويرتبط بقصور فهم الرجل لمعاني الرجولة وتطبيقات القوامة، وما يترتب على ذلك من اختلال في التفاعل بين الطرفين.
ومن هنا يسعى هذا المقال إلى إعادة النظر في بعض زوايا الرجولة المغفول عنها، وتتبّع تجليات معاني “القوة والأمانة” بوصفهما أساسًا في بنية الرجولة وتطبيقات القِوامة. ولا يعني هذا إغفال دور المرأة في بناء العلاقة؛ فهي طرف فاعل تؤثر بطبيعتها وخطابها في مسارها صعودًا وهبوطًا. غير أن هذا المقال يخصّ الرجل بالحديث، لا لأنه وحده موضع الخلل، بل لأن موقعه في القوامة يحمّله القدر الأكبر من مسؤولية الضبط والتوجيه، فكان أولى بالابتداء في المعالجة.
بُلوغ الرُّشد/ رحلة عُمر وليس مرحلة عمرية:
لا شك أن للتنشئة أثرًا عميقًا في تشكيل التصورات الأولى عن الرجولة، لكنها لا تصلح عذرًا دائمًا، ولا تُفسِّر وحدها حال رجال بلغوا أشُدّهم عمريًّا، ولم يبلغوا رشدهم ونضجهم معنويًّا. فبعد سِنّ معيّنة لا يعود السؤال: كيف تَرَبّى الرجلُ؟ بل: كيف اختارَ أن يكونَ؟ إذ إن الإنسان -بعد اكتمال وعيه- يصبح شريكًا في صياغة نفسه، لا مجرد نتاج لما فُرض عليه.
ومن أبرز منابع الخلل في تصور الرجولة:
1. الخلط بين الذكورة والرجولة: يكثر الظن بأن مجرد جنس الذكورة يمنح صاحبه –تلقائيًا– المكانة أو الاستحقاق في علاقاته، دون حاجة إلى تهذيب نفسه وصقل سلوكه وصياغة هيئة رجولته. والحال أن الذكورة وصف خِلْقي يملؤه باستعدادات ويُملي عليه مسارات؛ أما الرجولة فمقام كسبيّ يُنال بالمجاهدة في تربية تلك الاستعدادات وإنضاجها. وبعبارة موجزة: الذكورة تُعطى، أما الرجولة فتُبنى.
2. حصر الرجولة في الكسب والقدرة المادية: تصديقًا للمثل العامي: “لا يَعيب الرجل إلا جيبُه”، وكأن بقية العيوب لا تمسّ بِنيَة العلاقة! فغدا الجيب هو الشغل الشاغل لكل فتى، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال صار جيبه هو الذي يحمله عِوضًا أن يكون هو الحامل له؛ وهذا قلب لميزان الرجولة: فماذا يبقى إذن إذا خفَّ الجيب أو خلا؟
ثم يأتي الخلل الأعمق: الركون إلى هذه التصورات دون مراجعة، كأنها بداهة لا تُناقش، أو خِلقة مكتوبة يستحيل تقويمها، وهنا تظهر صورة من “المراهقة الوجدانية” التي لا ترتبط بالعمر، بل بطريقة التعامل مع النفس والآخرين: رجل ينجح في إدارة شؤونه العملية، لكنه يعجز عن إدارة ذاته في العلاقة؛ فيضيق بالحوار ويتهرّب من النقاش، ويستثقل التفكّر في الدواخل والمشاعر، ويتبرّم من أي محتوى يكون شخصه هو موضوعه، ويتعامل مع ما يصدر من النساء مما لا يصبّ في هواه بوصفه إزعاجًا ينبغي تقليله لا وصالاً إنسانيًّا ينبغي فهمه، فيَسمع ليُنهي الكلام لا ليعيه، ويجيب ليدفع الطرف الآخر عنه لا ليتواصل معه.
هذه الحال -وإن بدت مريحة لصاحبها- إلا أنها تؤسس لعلاقات سطحية، سرعان ما تتآكل عند أول اختبار حقيقي.
الذكورة وصف خِلْقي يملؤه باستعدادات ويُملي عليه مسارات؛ أما الرجولة فمقام كسبيّ يُنال بالمجاهدة في تربية تلك الاستعدادات وإنضاجها، وبعبارة موجزة: الذكورة تُعطى، أما الرجولة فتُبنى.
القوامة ليست إعالة فحسب:
جعل الله تعالى الرجالَ قوّامين على النساء، أي كلّفهم بالقيام عليهن بما يصلحهن؛ والقيام ليس مجرد أداء وظيفيٍّ، بل هو تحمّلٌ واعٍ لما تقتضيه العلاقة من سَعةَ نفسية وأخلاقية.
ومن هنا كانت القوامة هي تطبيق الرجولة المتكاملة؛ إذ هي -كما دلّت عليها آيتها- تقوم على ركنين بهذا الترتيب:
1. ما فضّل الله تعالى به الرجل من خصائص في الطاقة البدنية والاستعداد النفسي، ليكون بها قيامه بالرعاية.
2. ما كسب وأنفق من ماله، وهو ما تكون به الإعالة.
هذا التقديم في النص ليس عبثًا، بل يدل على أن الأصل هو التأهيل الذاتي، وأن المال تابع له لا قائم مقامه؛ فالمال يُقيم الأَوَدَ لا ريب، لكنه لا يقوم صاحبًا ولا خليلاً. والرجل الذي يملك القدرة المالية دون النضج النفسي كمن يملك آلةً نافعة ولا يحسن استعمالها.
ثم إن هذا التفضيل ليس امتيازًا مجردًا، بل فيه تبعة تكليف كما هو رتبة تشريف: يُسأل صاحبها عن تحقّقه بها وعمله فيها بوصفه رجلاً، لا عن مجرد ادّعائها والانتساب العام إليها بوصفه ذكرًا! والتحقق بالرجولة التي تُستَمَد منها القِوامة يشمل العناية بمَبناها، أي بالهيئة البدنية والفتوّة والقوة، ما دام المرء قادرًا معافى؛ ويشمل كذلك تهذيب معانيها التي حفلت بها مراجع الآداب والمروءة: من القوة والحزم، الصبر والحِلْم، الرفق والأنَاة.
ومن هنا، يبدأ الاختلال غالبًا في ميزان القوامة عندما تنحصر في الركن الثاني، فيبرع الرجل في الإعالة وسدّ حاجات المعيشة، ويخفق في الركن الأول بدرجات.
النظرة الدونية للنساء:
من الجذور الخفية لاضطراب معاملة الرجل للنساء في محيطه أن يطوي صدره على استشعارٍ لدونيتهن؛ فيتخذ ما فضّله الله تعالى به من وفرة في التجرد العقلي والحزم والقوة سبيلاً لازدراء طبيعة النساء الوجدانية والسخرية منها. والحاصل أن الذي يفعل ذلك يختزل الفضل بدل أن يكرمه، ويُهدِر الزيادة التي عنده بشكل يجعله أصغر ممن يزدري. فما يفاخر به مما زاده الله تعالى إنما كان لتهيئته لاستيعاب النساء اللواتي كُلِّف القيام عليهن، ومقتضى تلك الزيادة أن يكون أوسع صدرًا لا أضيق، وأقدر على الاستيعاب لا أسرع إلى النفور، وأملك لزمام نفسه لا أميل للعصبية والفوران.
وهذه النظرة الدّونية -وإن لم يُصرَّح بها- تتسرّب في نبرة الخطاب، وطريقة المعاملة، وسرعة التململ، وحدود الاحتمال؛ فتُفسد المعاملة من أصلها. فمَن لا يرى في المرأة قدرًا معتبرًا لن يُحسن القيام عليها، مهما ادّعى من قوة أو وفّر من نفقة. ولا يقتصر أثر هذه النظرة على العلاقة الزوجية، بل يظهر في مختلف صوره داخل الأسرة: في علاقة الرجل بأمه حيث يقلّ صبره على تكرارها أو قلقها، ومع أخواته حيث يستثقل حواراتهن أو يستخفّ باهتماماتهن.
من الجذور الخفية لاضطراب معاملة الرجل للنساء في محيطه أن يطوي صدره على استشعار لدونيتهن؛ فيتخذ ما فضّله الله تعالى به من وفرة في التجرد العقلي والحزم والقوة سبيلاً لازدراء طبيعة النساء الوجدانية والسخرية منها. والذي يفعل ذلك يختزل الفضل بدل أن يكرمه، ويُهدِر الزيادة التي عنده بشكل يجعله أصغر ممن يزدري.
القَويّ الأمين:
من الأوصاف القرآنية البليغة للرجولة التي تُحسن مسؤوليات القوامة، ما جاء على لسان ابنة شعيب عليه السلام: {الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، وفيما يلي عرض تطبيقي لمعنى القوة والأمانة في سياق هذا المقال:
1) من تطبيقات القوة النفسية:
لا تنحصر القوة الرجولية في القوة البدنية، بل تبدأ بالقوة النفسية والوجدانية التي هي المورد الأساسي للبدنية. ذلك أن القوة البدنية نفسها لا تُكتسب إلا بالمران الدؤوب والصبر الطويل، وهو أصلٌ نفسي قبل أن يكون جسديًّا. ومن القوة النفسية في الرجال: ما يُهيئهم لتحمّل مكابدات المعاش والكسب، كالجَلَد والخشونة والتحمّل والميل إلى الإجمال.
ويندرج في القوة النفسية كذلك: الحضور المعنوي الذي تحتاجه المرأة من الرجل في سياق العلاقة بينهما؛ فإذا وفّى حاجتها من هذا الحضور على ما تريد استطاعت أن تُلبّي له حاجته منها على ما يريد. من ذلك مثلاً: أن يخشوشن الرجل في تحمّل “أثر” فعله أو كلامه على مَن حوله، دون أن يتناثر كبرياؤه أو ينهار دفاعيًّا أو يتخذ من تبرير نيّته أو الهجوم المضاد ملجأ دائمًا.
فإذا قالت المرأة: “عندما قلت لي كذا شعرتُ بكذا” أو “أجد تصرفك هكذا غير لائق منك تجاهي”، فهي تعبّر عن شعورها الذي شعرت به حقيقة إثر موقف بعينه، أو نمط سلوكي أو قولي معين، ولا تُصدِر حكمًا نهائيًّا على شخصه بالجملة.
لكن الرجل يسمعها وذهنه منصبّ على صورة نفسه غير الناضجة عنده، فهي إما متضخّمة الأنا لا تحتمل مراجعة، أو ضامرة هلامية المعالم لا تحتمل مزيد ذبذبة. ومن ثمّ يصله شعورها على أنه إدانة لذاته، فيندفع إلى التبرير: “لم أقصد”، “نيتي طيبة”، “أنت تفهمين خطأ”، “أنت حساسة أو درامية”.
وهكذا يسارع إلى الهروب من الأثر قبل أن يفهمه، ومن الشعور قبل أن يتأمله، ومن الموقف قبل الوقوف عليه؛ فيفوته أن محور حديثها هو معالجة الأثر وإعادة العلاقة -في شعورها وصورتها عنه- إلى صفائها، وليس التفتيش عن النيّة لمحاكمته عليها، وهي إنما تصارحه لأنها لو لم تُفصح عن دواخلها لما أمكنه فهمها، ثم إذا عبّرت بوضوح أُضيف إلى كلامها ما لم تقله، وأُنشئت حوله محكمة لم تَدعُ إليها، فيُغلق باب الحوار قبل أن يُفتح، ثم تُتّهم العلاقة بانعدام الحوار!
واللافت أنه حين تعبّر المرأة عن شعور طيب تجاه فعله أو كلمته، يَقبل ذلك منها بحفاوة وارتياح؛ وذلك لأنه في الحالين يكون مشغولاً بصورة ذاته هو: فما يُغذّي “شعوره” هو عن جمال رجولته مُرَحَّب به، وما عدا ذلك يُقصى أو يُتجاهل، مع أن “شعورها” في الحالتين هو موضوع الحديث ومِحَكّ تصديق أو تكذيب رجولته!
ومن هنا تضطر المرأة التي تتعامل مع هذا النمط من الرجال إلى كتمان أي أثر مؤلم لما يصدر منه تجاهها؛ استبقاءً للهدوء الظاهري، وفي المقابل لا تطيب نفسها بالإفصاح عن الأثر الجميل. والحاصل أن المرأة حين تسكت وتطوي صدرها على دواخلها فإنها لا تتوقف عن الإحساس ولا التأثر، وإنما تبدأ تدريجيًا في الإعراض الوجداني عما يؤذيها ومن يُؤذيها، فتكون المحصّلة فتورًا داخليًّا تجاهه.
من جهته، يرى الرجل سكوتها عن المراجعة أو الشكوى علامة سلام وراحة تصادف هوىً في نفسه فيسعد بها ولا يخطر له أن يسائلها عن سببه؛ لكن سكوتها عن الشكر والعرفان علامة جحود ونكران! ولأنه ليس متبلدًا، بل يشعر ويتأثر، فهو قد يستاء من مسلكها في سِرِّه، أو حتى يحتار، لكنه يخشى التعبير بقدر ما يخشى تلقيه، فلا يحسن إدارة وجدانه أو وجدانها على نحو ناضج.
وهكذا تنشأ الفجوة وتتسع بين الطرفين بحسب ما بينهما من فرق في النضج النفسي والوجداني، ومنها تزداد الجفوة في الصلة، فإما أن تنهار ختامًا وإما أن تستمر صورة بغير روح.
والحق أن القدرة على الإصغاء دون استنفار، وعلى التفريق بين أثر الفعل وجوهر الذات، من علامات الرجولة الناضجة؛ فالرجل الناضج لا يستحي أن يصحّح الأثر الناتج عنه، بغض النظر عن نيّته قبل ذلك الأثر، بل هذا المسلك التصحيحي هو في الحقيقة ما يؤكّد حقيقة طيب نيّته وأصالة رجولته. أما المنشغل بالدفاع الصوري فغالبًا ما يتشتت حضوره بين طبقات مختلفة من الوعي، تتفرع بالكلام بعيدًا عن محوره، فصورته عن نفسه في وادٍ وأفعاله في وادٍ وكلامه في وادٍ ثالث، وغالبًا ما تستشعر المرأة هذا التذبذب بدقة، فتتأثر به حتى إن سكتت عنه، وتهتز صورته عندها وتختلف عما عنده هو.
وإنّ في كل نفس بشرية بذرة اعتداد تفضي إلى العزّة وبذرة كِبْرياء تفضي إلى الكِبر، والفاصل بينهما دقيق جدًا، وأكثر الناس يخطئ موضعه وهو يظن أنه أبعد الناس عنه. ولذلك كان من هدي السلف الصالح رحابة الصدر فيما يقال لهم وفيهم، فيأخذون الحق إن ظهر، ويُعرِضون بسلام عمّا سواه. من ذلك ما رُوِي من أن الخليفة عمر بن عبدالعزيز كان ماشيًا في ليلة مظلمة مع حارسه، فتعثّر في أحد فصرخ به الرجل: “أأعمى أنت؟”، فرد عمر قائلاً: “لا”!. فهَمَّ الحارس بزجر الرجل لأنه لم يُوقّر الخليفة ويعرف قدره، فأمسكه عمر وقال بهدوء: “دعه. إنما سألني فأجبته”[1]. ورُوي أنه كان بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين رجل كلام في شيء، فقال له الرجل: “اتق الله يا أمير المؤمنين!”، فقال له رجل من القوم: “أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟!” فقال له عمر: “دعه فليقلها لي، نِعْم ما قال”، ثم التفت للرجل وقال: “لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم”[2].
ومن القوة النفسية كذلك: اتزان الرجل في هَزله ومزاحه، فقد شاع في طبائع بعض الرجال اتخاذ المزاح ملاذًا دائمًا، فإذا شعر بالحَرج مَزَح، وإذا شعر بالخوف مَزَح، وإذا شعر بالاستياء مَزَح، وإذا شعر بالغضب مَزَح (بمسحة مُسيئة أو تهكمية). ولا يقتصر المزاح على كونه آلة دفاعية يستعملها مع نفسه -وهذا مظهر من مظاهر عدم النضج النفسي- بل يَفرِض طَبعُه نفسَه بالضرورة على الطرف الذي سيعامله، فعليه أن يستقبله ما دام التعامل بينهما قائمًا، وعليه أن يتقبّله إذا شاء أو اضطر إلى أن يظل التعامل بينهما قائمًا. وهكذا في سياق علاقته بالمرأة: إذا كانت مستاءة مَزَح، وإذا كانت غاضبة مَزَح، وإذا كانت باكية مَزَح، وإذا كانت مسرورة مَزَح!

والإشكال هنا عدم التفرقة بين خفة الروح المحمودة، وبين طبع المِهذار الذي لا يُميّز مقامًا ولا مقالاً. فالمزاح حين يُستعمل في غير موضعه ينقلب من وسيلة تلطيف إلى أداة تهوين واستخفاف بصاحبها أولاً، فلا يعود تعبيرًا عن خفة الروح، بل خفة الميزان وهلاميّة الحدود. وقد أدرك السلف منطق الأخلاق وتسلسلها لا في التعبير عن شخصية صاحبها فحسب، بل في تأثير نمط معيّن على تآكل الباطن؛ ولذلك عدّوا هذا الطبع مذمومًا عامة لكنه في الرجال أقبح، حتى صُنِّف ضمن خوارِم المروءة فيهم[3]. وأُثِر عن عمر بن الخطاب قوله للأحنف بن قيس، رضي الله عنهما: “يا أحنفُ، مَن كثُر ضَحِكُه قلَّتْ هيبتُه، ومَن مزَح استُخِفَّ به، ومَن كثُر كلامُه كثُر سَقَطُه، ومَن كثُر سَقَطُه قلَّ حياؤه، ومَن قلَّ حياؤه قلَّ وَرَعُه، ومَن قلَّ وَرَعُه قل خيره”[4].
لا تنحصر القوة الرجولية في القوة البدنية، بل تبدأ بالقوة النفسية والوجدانية التي هي المورد الأساسي للبدنية؛ ذلك أن القوة البدنية نفسها لا تُكتسب إلا بالمران الدؤوب والصبر الطويل، وهو أصلٌ نفسي قبل أن يكون جسديًّا.
2) من تطبيقات الأمانة:
أما الأمانة، فهي أن يأمنه مَن حوله على نفوسهم، لا على أشيائهم فحسب. وقد فُطِر الرجال على الحاجة للسّكون إلى النساء {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا} [الروم: 21]، فالرجل هو محل الفورة والغليان، والمرأة محل السكينة والابتراد، لكن لتقدر المرأة على تسكين الرجل وإسكانه لا بد أن تشعر أولاً أنها في حِماه وتحت جناحه، فهو يدفع عنها ما يؤذيها ويصونها عما يبتذلها. وثانيًا أن تأمنه هو على نفسها؛ أي تأمن فورته وغضبته وإعراضه وسائر أحواله، فمهما بلغت فورته لا يتدنّى ليؤذيها أذى بدنيًّا أو معنويًّا (كما بالإهانة والتجريح والتهكّم).
إن المرأة لا تحتاج رجلاً أمينًا عليها من حيث إنه يحميها فحسب، بل رجلاً لا تحتاج أن تحتمي منه بغيره. فالرجل الأمين هو المالك لزمام نفسه، الذي يجعل لها حدًّا لا تتدنى دونه، بغض النظر عما يكون عليه الطرف الآخر قبالته، أما من يجهل فوق جهل الجاهلين ومن يخوض مع الخائضين ومن يتخذ فورته ذريعة لاستباحة كل حِمى، أنّى يكون أمينًا مأمونًا؟
والخلاصة أن القوة بلا أمانة طغيان، والأمانة بلا قوة عجز؛ والرجولة المتكاملة هي اجتماع الأمرين معًا في توازنٍ يُحسن القيام على النفس أولاً بما يصلحها، ثم تُحسن القيام على غيرها بغير مَنٍّ ولا أذى. وهذا هو ما فقهه أبو سَلَمة المَخزوميّ رضي الله عنه يوم دعا لزوجه أن يخلُفَها الله من بعده، فقال: “اللهمّ ارزق أمّ سلمة بعدى رجلاً خيرًا مني لا يحزنها ولا يؤذيها”[5]؛ فوافقت دعوته حُسنَ العاقبة، وصارت أم سلمة رضي الله عنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمهات المؤمنين.
القوة بلا أمانة طغيان، والأمانة بلا قوة عجز؛ والرجولة المتكاملة هي اجتماع الأمرين معًا في توازنٍ يُحسن القيام على النفس أولاً بما يصلحها، ثم تُحسن القيام على غيرها بغير مَنٍّ ولا أذى.
بين ملء البطن وملء العين:
في السياق الزوجي خاصة، لا يكفي أن يكون الرجل قادرًا على الإعالة ليكون قادرًا على رياسة البيت وأهله، وذلك إذا كان المراد بالرياسة مُلْك القلوب ومَلء العيون، فثمّة فرق دقيق بين سلطة ذكورية تُفرض، ومهابة رجولية تُكتسب؛ الأولى تُخضِع ظاهرًا، والثانية تستميل باطنًا.
والكفاءة الرجولية في أصدق تعبير لها عند المرأة هي أن يملأ الرجل عينها: أن ترى فيه ما يبعث فيها القبول والاحترام والاطمئنان، ويجعلها تستكين إليه دون تكلّف. مهما تنوعت شخصيات النساء وخلفياتهن؛ تظل الفطرة الأنثوية عصيّة على التبديل، فهي تميل فطريًّا وتلين تلقائيًّا لمن يملأ عينها. وفي لسان العرب: “فلان أملأُ لعيني من فلان، أي أتمُّ في كل شيء منظرًا وحسنًا. وهو رجل مالئ العين إذا أعجبك حسنُه وبهجتُه”[6]. ومعلوم أن الرجل قد يثير الإعجاب بمظهره؛ فيأتي كلامه وسلوكه ليُصَدِّق حُسن منظره، أو يُكَذِبه ويُبَدّده حتى يجعله هباء منثورًا.
وملء العين لا يعني الكمال المطلق، بل يعني تكامل رُكني الرجولة في الرجل بقَدْرٍ يجعل حضوره يملأ المرأة رغبة فيه وفيما عنده: في اتزان حضوره ومنطق شخصيته وطريقته في التعامل، ولذلك لا يحتاج الرجل إلى “ترويض” المرأة ذات الشخصية القوية أو كبح عنفوانها بالإكراه، فهي إذا ارتضته أسلمته زمامها طواعية واستكانت له مختارة.
وحين يغيب امتلاء المرأة برجلها، فإن كثيرًا مما يُسمّى “درامية” ليس إلا تعبيرًا عن هذا الفراغ، وهنا يظهر الفرق بين ملء البطن وملء العين: الأول يتصل بالحاجة والقيمة المعيشية، والثاني يتصل بالقبول والقيمة الشخصية، ولا يغني أحدهما عن الآخر، لكن الاقتصار على الأول يُبقي العلاقة ناقصة مهما استوفت ظاهرها؛ فالمرأة قد تتعايش مع رجل يملأ البطن، لكنها لا تسكن له ولا تكون له سكنًا حتى يملأ العين، فتبقى العلاقة قائمةً في ظاهرها، ناقصة في روحها. وما أكثر البيوت التي يُغرق أهلها في ملء بطونهم تعويضًا عن جوع أرواحهم!
الكفاءة الرجولية في أصدق تعبير لها عند المرأة هي أن يملأ الرجل عينها: أن ترى فيه ما يبعث فيها القبول، والاحترام، والاطمئنان، ويجعلها تستكين إليه دون تكلّف.
بين الكمال والاتساق:
من آثار الخلل في موازين الرجولة أن تستبدّ النظرة الأحادية بتقدير العلاقة، فينصرف نظر الرجل إلى ما يريده لنفسه، وما يراه كافيًا لإرضائه، دون أن يقف مع ذاته وقفة مساءلة: هل أنا كفؤ لما أطلب ولمن أطلب؟ وهذا السؤال -على يُسْره- كفيل بأن يعيد ترتيب جملة من التصورات التي تُبنى عليها العلاقات.
فكم ممن يشكو “مبالغة” النساء في مطالبهن من الرجال، أو من توقّع “الكمال” منهم، لكن هذا اعتراض يخفي وراءه تناقضًا دقيقًا؛ إذ يرضى لنفسه أدنى الرجولة، ولا يرضى منها أدنى الأنوثة، فيطلب تفتّحًا لا يقدّم ما يرويه، وينتظر أثرًا لم يضع له سببًا. هذه الازدواجية لا تُنتج إلا علاقة مضطربة، تتآكل فيها الثقة تدريجيًا، ويضعف فيها الإقبال المتبادل.
وتتجلّى هذه الازدواجية في صورٍ متعددة، منها:
» أن يتعامل بـ”براجماتية” يفاخر بها؛ فيُنجز وينفق ويوفّر موارد المعاش، مقتنعًا بأن ذلك كافٍ له ويجب أن يكون كافيًا لها، وأن ما سواه تَرَف أو تعقيد، لكنه حين يكون هو صاحب الحاجة لا يقبل إلا استجابةً تامة تُرضي تَوْقه.
» أن يكون بارد الأعصاب حين تُمسّ مشاعرها، فيستخفّ بانزعاجها أو يستعجل تجاوز حديثها، ثم يغدو بركانيّ الغضب إذا مسّته كلمة أو خالفت ما يَهُمّه.
» أن يضيق صبره عن حاجاتها المعنوية؛ فيطلب الاختصار والإنهاء، لكنه إذا احتاج انتظر حضورًا كاملاً واستجابةً وافرة، وإلا نشب الشقاق.
» أن يطالبها باحترامه، وهو يخاطبها بأسلوب لا يليق بمن يحترم نفسه فضلاً عن غيره.
» أن يختزل الرجولة في طبع غليظ ومزاج سمِج وسوء هِندام؛ ثم ينتظر منها أنوثةً عذبة، رائقة المظهر رقيقة العبارة.
» أن يطلب لنفسه القبول على ما هو عليه، ويضيق بأية دعوة إلى تعديل سلوكه أو أسلوبه، في حين لا يتردد في توجيهها ومحاولة إعادة تشكيلها وفق ما يراه.
» أن يؤاخذها على “ردود” أفعالها، دون أن يلتفت إلى أفعاله التي هي مورد استجابتها؛ إذ المرأة بطبيعتها كائن تجاوبي، تُضاعِف ما يُودَع فيها، محبةً بمحبة، وضغطًا بضغط، وإساءةً بإساءة.
وينعكس هذا الاضطراب كذلك على مطالبه ذاتها: فهو يريد امرأة قوية، لكنه لا يحتمل رأيًا يخالفه؛ ويريدها واعية مثقفة، لكنه لا يجاوز في عمقه حدود مهنته؛ ويريدها مزهرةً بهيجة، وهو ضيق النفس والصدر عن مراضاتها.
إن المسألة ليست مطالبة بالكمال، بل المطالبة بالاتساق: أن يكون ما يطلبه حاضرًا فيه أو أن يكون في طريقه إليه بصدق، فالعلاقات في جوهرها مرايا، يرى فيها الإنسان نفسه كما هي، لا كما يتخيّلها. فأنى يُطلب من نفس لم ترتوِ أن تفيض؟ وكيف يُنتظر من علاقة تُدار بالحد الأدنى أن تُثمر في أعلى درجاتها؟ وكما لا يُجنى العنب من الشوك، ولا العسل من الخل، لا تُنال ثمرة وصال حميم دون بذلٍ يسبقها.
مقترحات عملية:
» أن يُدرّب الرجل نفسه على الإصغاء قبل الجواب، فيفهم قبل أن يردّ.
» وأن يجعل لنفسه وقفة مراجعة بعد كل موقف توتّر: ماذا كان الأثر؟ لا ماذا كانت نيّتي؟
» وأن يضبط لسانه عند الغضب، فلا يتجاوز حدًّا يندم عليه عند سكونه.
هذه المعاني على بساطتها هي مفاتيح عملية لما سبق تقريره من أصول.
ختامًا:
ليس بناء العلاقات أمرًا فطريًّا يُترك للعفوية وحدها؛ فالفطرة قد تُهمَل أو تُشوَّه، ولا تستقيم إلا بالوعي والمِران. والرجولة -كما الأنوثة- لا تنضج تلقائيًّا مع العمر، ولا تستقيم على أساس الجنس وحده، بل تُبنى بوعي متجدّد، وتهذيب صبور، وممارسة صادقة داخل العلاقات.
وبدون التكاملية بين الطرفين في فقه طبائع الأنفس وإدارة العلاقة، سيشكو الرجل من جفاف المرأة وذبولها، وستشكو هي من غلظته وعدم نضج رجولته في سلوكه النفسي والتواصلي. وفي ذلك إشارة إلى سُنَّة أعمق في الاجتماع الإنساني، وهي أن الخلل في العلاقات قد يبدأ أحاديًّا لكنه سرعان ما يصبح تبادليًّا، يتغذّى كلُّ طرف فيه من الآخر؛ وهكذا تتقدّم النفوس في العمر لكنها لا تنضج في الرُّشد.
وإن الرجولة التي تملأ العين ليست صفة طارئة، ولا هيئة شكلية، بل هي أثر تراكمي لصدق مع النفس، وانضباط في السلوك، واتساع في الصدر، وقيام بحقوق العلاقة ظاهرًا وباطنًا. أما من يكتفي بصورة الرجولة دون حقيقتها، فسيبقى -مهما بدا مكتملاً- ناقص الأثر والحضور، لا يملأ العين، وإن ملأ غيرها.
إن الرجولة التي تملأ العين ليست صفة طارئة، ولا هيئة شكلية، بل هي أثر تراكمي لصدق مع النفس، وانضباط في السلوك، واتساع في الصدر، وقيام بحقوق العلاقة ظاهرًا وباطنًا. أما من يكتفي بصورة الرجولة دون حقيقتها، فسيبقى -مهما بدا مكتملاً- ناقص الأثر والحضور، لا يملأ العين.. وإن ملأ غيرها.
أ. هدى عبد الرحمن النمر
كاتبة ومؤلّفة ومتحدِّثة في الفكر والأدب وعُمران الذات
[1] سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز الخليفة الزاهد، لابن الجوزي، ص (208-209).
[2] مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، لابن الجوزي، ص (155).
[3] المروءة وخوارمها، لمشهور آل سلمان، ص (95).
[4] كتاب الحلم، لابن أبي الدنيا، ص (77).
[5] الطبقات الكبرى، لابن سعد (10/86).
[6] لسان العرب، لابن منظور (1/159).



