ليست المشكلة في الاستبداد أنه يُفرَض من طاغيةٍ متسلّط فحسب، بل في قابليةٍ قد تتشكل داخل المجتمع فتُمهّد له وتُعيد إنتاجه. فكم من طغاةٍ سقطوا، وبقيت البنية التي صنعتهم كامنةً تنتظر صورةً جديدة. من هنا تنطلق هذه المقالة لتبحث في جذور هذه القابلية: نفسيًا واجتماعيًا، محاولةً فهم كيف يُصنع الاستبداد قبل أن يُمارَس، وكيف يمكن الوقاية منه قبل مقاومته.
في لحظة الانتصار على الطغاة تعلو الهتافات ويعمُّ الفرح وتنتشي النفوس بنشوة التحرر، لكنَّ ثمة سؤالاً يظل كامنًا مُقلقًا لا نُحبُّ مواجهته: كيف استطاع هذا الطاغية -وهو فردٌ- أن يستعبد ملايين البشر عقودًا طويلة؟ من أين جاء بكل هذه العيون التي تُراقب، والآذان التي تتجسس، والأيدي التي تبطش، والألسنة التي تُزيِّف؟ أليست كلها من أبناء الشعب ذاته الذي كان يرزح تحت نير الظلم؟
هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا ولا جلدًا للذات، بل هو ضرورةٌ ملحَّة لمن يُريد ألا تتكرر المأساة، فالتاريخ يشهد أن كثيرًا من الثورات التي أسقطت طغاةً أنتجت طغاةً جُددًا، وأن شعوبًا ذاقت مرارة الاستبداد عادت لتقبله بصورةٍ أخرى، والسبب -في الغالب- أن هذه الشعوب أسقطت الطاغية ولم تُسقط البنية التي أنتجته، حطَّمت الصنم ولم تُحطِّم المصنع الذي يُنتج الأصنام، فقد كان لديها قابلية للاستبداد.
ويقصد بهذه القابلية: تلك الحالة التي يَبلغها مجتمعٌ ما فيغدو مستعدًّا نفسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا لاحتضان الطاغية وحمايته، بل وإعادة إنتاجه في كلِّ موقع من مواقع السلطة الصغيرة؛ فهي أرضٌ رخوة يستنبت فيها الطغيان كما تستنبت التربة الموبوءة جراثيمَها، مهما تبدَّلت الوجوه والأسماء.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك قصَّة فرعون؛ إذ لم يكن طغيانه قائمًا على شخصه وحده، بل على بناء متكامل من الأعوان والأدوات، فهامان يُدير الجهاز البيروقراطي، وقارون يُمثِّل التحالف المالي الذي يشتري الذمم، والسحرة يُمثِّلون المنظومة الإعلامية والثقافية التي تُزيِّف الوعي، والملأ من القوم يُصفِّقون ويُطبِّلون، والعامَّة يُستَخَفُّون فيُطيعون. وحين قامت دعوةُ موسى عليه السلام لم تواجه فرعون وحده، بل واجهت منظومةً متكاملة من القابلية للطغيان. والتاريخ الحديث يُقدِّم نماذجَ شبيهة لا تخفى: من ألمانيا النازية التي انتخبت جلَّادها قبل أن تُسلِّمه البلاد، إلى أنظمةٍ عربيةٍ عديدة انهارت بعد أن ظنَّ الناس أنها راسخة كالجبال، فتبيَّن أنَّ رُسوخها كان في نفوس المحكومين قبل أن يكون في سلطان الحاكمين.
معنى الاستبداد وجذوره:
الاستبداد في جوهره مصادرةٌ لحريات الناس وسلبٌ لكرامتهم، وفي صورته السياسية انفرادٌ بالسلطة دون رقيب أو حسيب، لكنه لا يقتصر على الحكم السياسي، بل يمتد ليشمل كل علاقةٍ يحتكر فيها طرفٌ القرار ويُلغي الآخر، فثمة استبدادٌ في الأسرة حين يُصادر الأب حق أبنائه في الرأي، واستبدادٌ في المدرسة حين يُلقِّن المعلم دون أن يسمح بالسؤال، واستبدادٌ في المؤسسة حين يتحول المدير إلى آمرٍ ناهٍ لا يُراجَع، والاستبداد السياسي هو الطابق الأخير في هذا البناء المتكامل، ثمرةٌ تنضج في تربةٍ أعدَّها المجتمع أولاً دون أن يدري.
عبد الرحمن الكواكبي -ذلك المفكر الحلبي الذي سبق عصره- شخَّص الداء بدقةٍ مذهلة في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، فرأى أن الاستبداد “أصلُ كل فساد”[1]، وأنه يُفسد الدين فيُحوِّله من دعوةٍ للحرية إلى أداةٍ للإخضاع، ويُفسد العلم فيُحوِّله من بحثٍ عن الحقيقة إلى تزييفٍ لها، ويُفسد الأخلاق والمال والمجتمع برمته، لكنَّ الكواكبي لم يكتفِ بتشريح الطاغية، بل وجَّه أصبع الاتهام أيضًا إلى الشعوب التي تقبل الطغيان، مُحمِّلاً إياها جزءًا من المسؤولية.
والسؤال: هل القابلية للاستبداد فطرةٌ في الإنسان يبحث من خلالها عن الأمان والاستقرار؟ أم هي اكتسابٌ يُصنع بالقهر والتربية والهندسة الاجتماعية؟ أم أنها مزيجٌ من الاثنين؟
التأصيل القرآني – الاستخفاف والطاعة / معادلة فرعون:
يُقدِّم القرآن الكريم منظومةً متكاملة في مواجهة الاستبداد تقوم على ثلاثة محاور متلازمة: كشف معادلة الاستخفاف والطاعة التي يقوم عليها الطغيان، وبناء التوحيد مشروعًا تحرريًا يُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وفرض الرقابة الشعبية الدائمة عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالقرآن لا يكتفي بإدانة الطاغية، بل يكشف عن البنية النفسية والاجتماعية التي تُمكِّنه، في آيةٍ بالغة الدلالة يقول الله تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} [الزخرف: 54]. والمعنى: “فاستجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم وقلة عقولهم”[2]، وجاء في التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جُزيّ: “{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ} أي: طلب خفتهم بهذه المقالة واستهوى عقولهم”[3].
وقال صاحب الظلال في هذه الآية: “استخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه؛ فهم يعزلون الجماهير أولاً عن كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها؛ ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين! ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق، ولا يمسكون بحبل الله، ولا يزنون بميزان الإيمان. فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح. ومن هنا يعلل القرآن استجابة الجماهير لفرعون فيقول: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}”[4].
ففي الآية قانون نفسي اجتماعي: “استخفَّ”: جعلهم خفافًا، فارغين من المعنى والقيمة، سهلي القياد، و”فأطاعوه”: الطاعة جاءت نتيجةً للاستخفاف، فحين تُستخَفُّ العقول تسهل الطاعة، و”إنهم كانوا قومًا فاسقين”: الفسق سابقٌ للاستخفاف والطاعة، الانحراف عن الجادَّة مُمهِّدٌ للاستعباد.
القوم الذين خرجوا عن طاعة الله صاروا مُهيَّئين للدخول في طاعة فرعون، هذا قانونٌ اجتماعي يكشفه القرآن: من لم يمتلئ قلبه بالله امتلأ بتعظيم غيره، ومن لم يخضع للحق خضع للباطل، الفراغ الروحي يُملأ حتمًا، فإما بالإيمان الذي يُحرِّر، وإما بالأوهام التي تستعبد.
يُقدِّم القرآن الكريم منظومةً متكاملة في مواجهة الاستبداد تقوم على ثلاثة محاور متلازمة: كشف معادلة الاستخفاف والطاعة التي يقوم عليها الطغيان، وبناء التوحيد مشروعًا تحرريًا يُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وفرض الرقابة الشعبية الدائمة عبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
التوحيد مشروعًا تحرريًا:
حين سُئل ربعي بن عامر رضي الله عنه في إيوان كسرى: ما الذي جاء بكم؟ أجاب بكلماتٍ تختزل جوهر الرسالة: “الله ابتعثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام”[5].
“من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد”: هذا هو التوحيد بُعدًا تحرريًا، “لا إله إلا الله” ليست مجرد عقيدةٍ تُحفظ، بل هي إعلان استقلالٍ عن كل طاغوت، من قالها بصدقٍ وفهم لا يخضع لمخلوقٍ خضوعًا مطلقًا؛ لأن الخضوع المطلق لله وحده.
والقرآن حين يُؤسِّس للحرية يبدأ من أول سورةٍ نزلت بتشخيص آفة الطغيان في النفس البشرية: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى 6 أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6-7]، فالاستغناءُ بابٌ للطغيان. ثمَّ جاء في السورة نفسها -في سياق الردِّ على من يَصُدُّ عن العبادة- أمرٌ للمؤمن بألا يُذعن للطاغية، قال تعالى: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، وهو وإن نزل في سياقٍ خاصٍّ يُؤسِّس أصلاً عامًّا في برنامج التحرر القرآني: رفضُ الإذعان للطاغوت، والخضوعُ لله وحده، والتقربُ إليه بالعمل.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام الأمان:
جعل الإسلام “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” فريضةً على الأمة، لا تطوعًا يُثاب فاعله فحسب، هذه الفريضة هي صمام الأمان ضد الاستبداد، الرقابة الشعبية الدائمة على السلطة.
(أفضل الجهاد كلمة حقٍّ عند سلطانٍ جائر)[6] ، وعمر رضي الله عنه كان يقول للناس: “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها”، الشعب الذي يسكت عن الظلم خوفًا أو طمعًا شريكٌ فيه، والحاكم الذي لا يسمع النصيحة ساقطٌ عن أهلية الحكم.
التشريح النفسي – لماذا يهرب الإنسان من حريته؟
في كتابه الشهير “الهروب من الحرية” طرح عالم النفس الألماني إريك فروم سؤالاً صادمًا: لماذا تتخلى شعوبٌ بأكملها عن حريتها وتستسلم للطغاة؟
يُجيب فروم بأن الحرية -رغم جاذبيتها- تحمل عبئًا ثقيلاً، الإنسان الحر مسؤولٌ عن قراراته ومصيره، وهذه المسؤولية تُولِّد قلقًا وجوديًا قد لا يُطيقه كثيرون، في المجتمعات التقليدية كان الإنسان مُقيَّدًا لكنه آمن، يعرف مكانه ودوره، لا يحتاج للاختيار لأن التقاليد تختار له، أما في المجتمعات الحديثة فقد تحرر من القيود القديمة، لكنه وجد نفسه وحيدًا قلقًا، حرًا لكنه تائه[7].
أمام هذا القلق يلجأ بعض الناس إلى ما يُسميه فروم “آليات الهروب”: الخضوع للسلطة الاستبدادية (شخصًا أو حزبًا أو أيديولوجيا) طلبًا لمن يحمل عنهم عبء القرار، أو الذوبان في القطيع والتفكير كما يُفكر الآخرون، أو التدمير والعنف تجاه من يُذكِّرهم بحريتهم المفقودة.
وأضاف تيودور أدورنو بُعدًا آخر في بحثه عن “الشخصية السلطوية” (أي البنية النفسية التي تُميِّز من يعشق السلطة خضوعًا لمن فوقه واستكبارًا على من دونه)، هذه الشخصية تتشكل في طفولةٍ قمعية: أبٌ متسلط لا يسمح بالنقاش، وأمٌّ خاضعة، وتربيةٌ قائمة على العقاب أكثر من الحوار، الطفل الذي نشأ في هذا المناخ يتعلم أن القوة هي مصدر الشرعية، وأن العلاقات الإنسانية إما سيطرة أو خضوع، لا مكان فيها للشراكة والاحترام المتبادل.
هذا الطفل حين يكبر يصير مُهيَّأً نفسيًا للخضوع للقوي واحتقار الضعيف، يُطيع رؤساءه بلا مساءلة ويتسلط على مرؤوسيه بلا رحمة، إنه ضحيةٌ وجلادٌ في آنٍ واحد، يُعيد إنتاج القهر الذي عاشه.
الحرية -رغم جاذبيتها- تحمل عبئًا ثقيلاً، الإنسان الحر مسؤولٌ عن قراراته ومصيره، وهذه المسؤولية تُولِّد قلقًا وجوديًا قد لا يُطيقه كثيرون، فبينما كان الإنسان في المجتمعات التقليدية مُقيَّدًا لكنه آمن، صار في الحديثة حرًا لكنه قلقٌ وتائه
الإنسان المقهور/ تجلٍّ لظاهرة الهروب من الحرية:
وأرى أن مِن أعمق مَن شرَّح نفسية المقهور: المفكر اللبناني مصطفى حجازي في كتابه “التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”[8]، حيث رصد آليات الدفاع التي يلجأ إليها المقهور، وذكر منها:
» إعادة توجيه العدوان: فالغضب على القاهر لا يُعبَّر عنه خوفًا، فيُوجَّه إلى أهدافٍ بديلة أضعف: الزوجة، الأطفال، الجيران، الأقليات، هكذا يصير المجتمع المقهور مجتمعًا عنيفًا يأكل بعضه بعضًا.
» التماهي مع القاهر: حين يعجز المقهور عن المقاومة قد يتوحد نفسيًا مع قاهره، يتبنى قيمه وأساليبه، بل قد يصير أداةً في يده، هذا يُفسر كيف يتحول بعض المظلومين إلى ظالمين حين تُتاح لهم الفرصة.
» الهروب إلى الخرافة: العاجز عن تغيير واقعه يهرب إلى عالم الغيب، لكن ليس إيمانًا صحيحًا بالله يدفع للعمل، بل تواكلاً يُبرِّر السلبية، ينتظر معجزةً أو منقذًا بدلاً من أن يتحرك.
التشريح الاجتماعي – كيف تُصنع القابلية؟
يعجبني تحليل البنية الاجتماعية للاستبداد عند المفكر الفلسطيني هشام شرابي، حيث يصف مجتمعاتنا بأنها تجمع بين قشرة الحداثة ولُبِّ الأبوية[9]: “مؤسساتٌ حديثة الشكل تقليدية المضمون، قوانين مكتوبة وعلاقاتٌ قائمة على الولاء الشخصي، تعليمٌ نظامي وتفكيرٌ تلقيني”.
وفي هذا النموذج: الأسرة تُعيد إنتاج الاستبداد على المستوى المصغَّر، الأب هو السلطة المطلقة، يُقرِّر ولا يُشاوِر، والأبناء يُطيعون لا لأنهم اقتنعوا، بل لأنهم خافوا، ثم يخرج الابن إلى المدرسة فيجد المعلم “أبًا” آخر، وإلى العمل فيجد المدير “أبًا” ثالثًا، وفي قمة الهرم يجلس الرئيس “أبو الأمة” الذي يعرف مصلحتها أفضل منها.
وهذا التسلسل ليس مصادفة، بل هو إعادة إنتاجٍ ممنهجة لنموذج السلطة المطلقة (مع التنبيه إلى أنَّ هذا النموذج يصف المجتمعات التي ترسَّخت فيها بنية السلطة الأبوية عبر مؤسساتها الاجتماعية، ولا يُعمَّم بصورة مطلقة على كلِّ المجتمعات البشرية)، الإنسان الذي لم يعتد على المراجعة والمشاورة في بيته لن يعتاد على محاسبة حاكمه. وليس المقصود هدمَ أدب الولد مع والده الذي أمر به الشرع، بل غيابَ فضاء الحوار والمراجعة؛ فقد ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابةَ رضي الله عنهم على الجرأة في الحق والمراجعة المؤدَّبة، حتى كان الشبابُ يُبدي رأيَه في مجلس عمر فيُنصَت إليه ويُؤخذ به.
» التذرر الاجتماعي:
وتُضيف المفكرة الألمانية حنة أرندت بُعدًا آخر في تحليلها لـ”أصول الشمولية”[10]، حيث ترى أن الأنظمة الشمولية لا تنجح في مجتمعاتٍ متماسكة، بل تحتاج إلى “تذرير” المجتمع (أي تفتيته إلى أفرادٍ معزولين كالذرات)، من خلال تفكيك الروابط الأسرية والاجتماعية والمدنية؛ حتى يصير كل فردٍ ذرةً معزولة أمام آلة الدولة الجبارة.
الإنسان المنتمي إلى أسرةٍ قوية وجماعةٍ متضامنة ومجتمعٍ مدني فاعل يملك حصانةً ضد الاستبداد، أما الإنسان المعزول -الذي تفككت روابطه ولا ينتمي إلى أحد- فهو فريسةٌ سهلة، يبحث عن أي انتماءٍ يملأ الفراغ، ولو كان الانتماء إلى حركةٍ شمولية تسحقه.
لهذا تحرص الأنظمة الاستبدادية على تفكيك المجتمع المدني: تُضعف النقابات المستقلة، وتُخترق الجمعيات الأهلية، وتُزرع الشكوك بين الناس حتى لا يثق أحدٌ بأحد.
» العصبية والذل:
في تراثنا الإسلامي سبق ابن خلدون كثيرًا من هذه التحليلات، وفي مقدمته الشهيرة يربط بين ضعف “العصبية” -رابطة التضامن والنصرة- وبين الخضوع للاستبداد، حين تضعف العصبية يحتاج الحاكم إلى القوة الغاشمة لتثبيت ملكه، والرعية التي فقدت تضامنها لا تستطيع المقاومة.
ويُلاحظ ابن خلدون أن “المغلوب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالغالب”[11]، فالنفس تُقنع صاحبها بأن غالبه أفضل منه لتُبرِّر الهزيمة، هذا الاستبطان للدونية يُديم الخضوع عبر الأجيال.
البُعد الحضاري – القابلية الداخلية:
من أجرأ المفاهيم التي طرحها المفكر الجزائري مالك بن نبي مفهوم “القابلية للاستعمار”[12]، فبدلاً من التركيز على قوة المستعمِر وخبثه يُركِّز ابن نبي على ضعف المستعمَر وهشاشته، “إننا لا نستطيع أن نُستعمَر إلا إذا كنا قابلين للاستعمار”، عبارةٌ قلبت المعادلة رأسًا على عقب.
والأمر ذاته ينطبق على الاستبداد الداخلي، الطاغية لا يُفرض على شعبٍ يقظٍ متماسك، بل يجد طريقه حين يكون المجتمع مُهيَّأً لاستقباله، من علامات هذه القابلية: انهيار منظومة القيم الفعَّالة حين تتحول إلى شعاراتٍ جوفاء، وتفكُّك الروابط الاجتماعية، والهزيمة النفسية التي تجعل الإنسان يستبطن الدونية.
ومما يُعمِّق القابلية للاستبداد: شبكات الزبائنية والمحسوبية التي تُحوِّل جزءًا من المجتمع إلى شركاء في المنظومة، الطاغية لا يحكم وحده، بل يُنشئ شبكات «الزبائنية» (وهي العلاقة التي يُوزَّع فيها النفع والوظائف مقابل الولاء لا مقابل الكفاءة)، فتتكوَّن دوائر متتالية من المستفيدين: حلقةٌ ضيقة من المقرَّبين، ثم رجال الأمن، ثم رجال الأعمال الموالين، ثم الإعلاميين المُستأنَسين، ثم البيروقراطية الوسطى، ثم قاعدة عريضة من صغار المستفيدين والمُخبرين.
كل دائرةٍ تخدم ما فوقها وتستعبد ما تحتها، الجميع شركاء في المنظومة، الجميع يخافون سقوطها لأن سقوطها يعني سقوط امتيازاتهم، هذا ما وصفه إتيان دو لا بواسيه قبل خمسة قرون: الطاغية لا يملك إلا يدَين، لكن الناس يُقرضونه آلاف الأيدي[13].
آليات السيطرة المعاصرة:
من أخطر ما يُعمِّق القابلية للاستبداد: اعتمادُ الدولة على مصدرٍ واحدٍ للدخل، فالدولة التي لا يأتي دخلها من جيوب مواطنيها لا تحتاج إليهم اقتصاديًا، لا تجمع منهم ضرائب فلا تحتاج إلى إرضائهم، تستطيع أن تشتري الولاء بالعطايا وتُعاقب المعارضة بالحرمان، دون سجنٍ أو تعذيب.
المواطن في الدولة الريعية يتحول من شريكٍ في صنع الثروة إلى متلقٍّ للصدقات، يفقد استقلاليته وقدرته على المساومة، وحين يرتبط رزقُه بالسلطة يصعب عليه مراجعتُها ومحاسبتُها.
والاستبداد الحديث لا يكتفي بتدجين المجال السياسي، بل يسعى إلى تأميم القطاعات المؤثِّرة كلِّها: الإعلامِ والتعليمِ والثقافةِ والمجالِ الديني، فيضع كلّاً منها تحت سيطرته، ويُعيِّن من يتحدث ويكتب ويمنح التراخيص. والنتيجةُ في المجال الديني خاصَّةً لخطره ومكانته: خطابٌ رسميٌّ مُستأنَس يُبرِّر للسلطة ويدعو للصبر والخنوع، بدل أن يكون دينًا يُحرِّر ويُقوِّم.
هذا ما حذَّر منه الكواكبي بشدة: تلازم الاستبداد السياسي والاستبداد الديني[14]، الأول يحتاج الثاني ليُضفي عليه القداسة، والثاني يحتاج الأول ليحميه، ومن شروط التحرر: استقلالُ المؤسسة العلمائية في وظيفتها الشرعية كاستقلال القضاء، وتحقيقُ توازنٍ حقيقيٍّ بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والعلمائية؛ إذ إنَّ العلمائية في الأمة المسلمة مؤسسةُ سلطة بحكم وظيفتها، وهي تتطلَّب استقلالاً وتوازنًا مع السلطات الأخرى، وبخاصَّة التنفيذية.
واليوم أُضيفت أداةٌ جديدة: التكنولوجيا، المراقبة الشاملة عبر الهواتف والكاميرات، وتحليل البيانات الضخمة، و”الذباب الإلكتروني” الذي يُغرق الفضاء بالدعاية والتضليل؛ حتى صار المواطن يعيش في سجنٍ رقمي مفتوح، يُراقَب دون أن يرى مُراقبه، ويُوجَّه دون أن يشعر بالتوجيه.
الاستبداد الحديث لا يكتفي بالسيطرة السياسية، بل يُؤمِّم القطاعات المؤثرة كلّها، وعلى رأسها المجال الديني؛ فيتحول الدين إلى خطابٍ رسميٍّ مُستأنس يُبرِّر للسلطة ويدعو للخضوع بدل أن يكون دينًا يحرِّر ويقوِّم
بين التشخيص والحلول- في نقد خرافة السلبية والمقاومة الخفية:
لكن هل الشعوب سلبيةٌ حقًا كما تبدو؟ عالم الأنثروبولوجيا جيمس سكوت يُقدِّم إجابةً مختلفة في كتابه “أسلحة الضعفاء”، ما يبدو خضوعًا ظاهريًا قد يُخفي مقاومةً يومية صامتة: تباطؤٌ في العمل، وإهمالٌ “غير مقصود”، وسرقاتٌ صغيرة، وسخريةٌ في الخفاء، وعنادٌ مُقنَّع بغلاف الغباء. غير أنَّ هذه المقاومة الخفيَّة -على أهميتها في حفظ البقاء وتراكم الطاقة- تأتي بتبعاتٍ ثقيلة حين تتحوَّل من استراتيجية مرحلية إلى نمطٍ مستقر: إضعافُ الانتماء إلى المشروع الجمعي، وتعطيلُ البناء المرجوّ، وإشاعةُ التنافر بين الفرد والمؤسسة، وترسُّخُ ثقافةٍ من التحايل والازدواجية تُفسد العلاقات وتُهلك ثمار العمل.
يُميِّز سكوت بين “النص العلني”: ما يُقال في حضور السلطة، و”النص الخفي”: ما يُقال بعيدًا عنها، في النص الخفي تظهر الحقيقة: الغضب والسخرية والتمرد المؤجَّل، هذا النص الخفي يحفظ الكرامة ويُراكم الطاقة للحظة الانفجار حين تحين الفرصة.
ويُضيف عالم الاجتماع آصف بيات مفهوم “الزحف الهادئ”[15]: الطريقة التي ينتزع بها الفقراء والمهمَّشون حقوقهم في الحياة اليومية دون صدامٍ مباشر، البناء على أرضٍ غير مملوكة، واستخدام الكهرباء دون ترخيص، والعمل في الاقتصاد غير الرسمي، كل هذه أشكالٌ من المقاومة الصامتة التي تفرض حقائق على الأرض.
هذه المقاومة ليست ثورة، لكنها تحفظ البقاء وتُراكم القدرة، وحين تأتي لحظة التغيير -كما حدث في الربيع العربي- تظهر الطاقة التي كانت كامنة.
نحو مناعةٍ مجتمعية:
الخلاصة الأولى من هذه الرحلة: الاستبداد ليس قدرًا محتومًا ولا طبيعةً بشرية ثابتة، بل هو نتاج ظروفٍ يمكن تغييرها، وبنى يمكن تفكيكها، وثقافةٍ يمكن إصلاحها. وإن الشعوب التي رزحت تحت الطغيان قرونًا استطاعت -حين توفرت الشروط- أن تتحرر، والشعوب التي عاشت في حرية انزلقت -حين غفلت- إلى الاستبداد، المسألة ليست جينات ولا جغرافيا، بل وعيٌ وعمل وإرادة.
{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، هذه الآية تضع المسؤولية على الشعوب لا على الأقدار، التغيير الخارجي -إسقاط الطاغية- لا يكفي إن لم يُصاحبه تغييرٌ داخلي: في العقائد والقيم والعلاقات والبنى، “ما بأنفسهم” يشمل: تصحيح العقيدة حتى لا يُعظَّم غيرُ الله، وإصلاح التربية حتى لا تُنتج خاضعين، وبناء المجتمع المدني حتى لا يبقى الفرد وحيدًا، وتطوير الاقتصاد حتى لا يُشترى الناس بأرزاقهم.
» على مستوى الفرد :حرِّر قلبك من الخوف من غير الله، وراجع علاقاتك بمن حولك، هل تُمارس استبدادًا مُصغَّرًا في بيتك أو عملك؟ التغيير يبدأ منك.
» على مستوى الأسرة: اجعل بيتك مدرسةً للحرية والحوار، طفلٌ تربَّى على احترام رأيه لن يكبر ليقبل من يحتقر رأيه.
» على مستوى المجتمع: ابنِ شبكات التضامن الأفقي، المجتمع المتماسك صعب الإخضاع، انخرط في العمل المدني والتطوعي وكل ما يُقوِّي الروابط.
» على مستوى الفكر: تعلَّم وعلِّم، اقرأ تاريخك ودينك الحقيقي، الجاهل سهل الخداع، والواعي صعب الاستغفال.
» على مستوى المشاريع التربوية والدعوية:
القائمون على المدارس والمساجد ومراكز التحفيظ والمخيمات والأعمال الدعوية يحملون أمانةً مُضاعَفة؛ فالطفل الذي يتربَّى على السمع والطاعة المطلقين دون فهمٍ ولا مراجعة، يُعدُّ إعدادًا صامتًا لقبول كلِّ طاغٍ يقرع بابه لاحقًا. والعلاج يبدأ من تربيةِ الحوار بدل التلقين، وتعليم الناشئة أدبَ الاختلاف مع احترام المرجعيَّة، وتنميةِ ملكة التفكير النقدي حتى في تلقِّي النصِّ الشرعيِّ (فرقٌ بين تعظيم النصِّ ومراجعة الفهم البشري له)، وترسيخِ ثقافة الشورى في الأنشطة الطلابية والمجالس التربوية، بحيث يختبر الطفل معنى الرأي والمسؤولية مبكرًا.
وعلى القائمين بالمشاريع الدعوية أن يُعيدوا تقديم الإسلام بوصفه مشروعًا تحرريًّا لا مشروعَ إذعان، وأن يُبرِزوا من السيرة والسنة نماذجَ الجرأة في الحق: مراجعةَ الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كبدر والحديبية، ومجادلةَ المرأة لعمر في المسجد، ومواقفَ العلماء مع الخلفاء. وأن يُحذَر من صناعة «أتباع» يُقدِّسون أشخاصًا بدل أن نُخرِّج «أحرارًا» يتَّبعون الدليل.
على القائمين بالمشاريع الدعوية أن يُعيدوا تقديم الإسلام بوصفه مشروعًا تحرريًّا لا مشروعَ إذعان، وأن يُبرِزوا من السيرة والسنة نماذج الجرأة في الحق
معزِّزات المناعة المسبقة ضدَّ الاستعباد:
المناعة المسبقة خيرٌ من العلاج بعد المرض. وأهم معزِّزاتها:
» أولاً/ بناءُ عقيدة الولاء والبراء الصحيحة التي تُحرِّر القلب من تعظيم المخلوق؛ فمن استشعر أنَّه لا يَرفع ولا يَخفض ولا يُعزُّ ولا يُذلُّ إلا الله، لم يُذلَّ نفسه لبشرٍ مهما علا منصبه.
» ثانيًا/ الاستمساكُ بالفطرة السليمة ورفضُ الخضوع لثقافة الاستهلاك التي تُحوِّل الإنسان إلى كائنٍ يُدار برغباته.
» ثالثًا/ صيانةُ الأسرة الممتدَّة وشبكات القرابة والجيرة، فهي الحصن الأول ضدَّ العزلة التي تصنع الفريسة.
» رابعًا/ تنويعُ مصادر الرزق حتى لا يصير المرء رهينةَ جهةٍ واحدة تملك قوتَه فتملك قرارَه.
» خامسًا/ قراءةُ التاريخ قراءةَ عبرة لا قراءةَ تسلية، فمن عرف كيف سقطت الشعوب قبله احتاط لنفسه.
» سادسًا/ الانخراطُ الفاعل في العمل الخيري والمدني المستقل، فالمتطوِّعُ صاحبُ قضيَّة يصعب ترويضه.
» سابعًا/ تربيةُ اللسان على قول الحق في الصغائر قبل الكبائر؛ فمن اعتاد مجاملةَ الظلم في بيته وعمله لن يجد في نفسه جرأةً حين يُطلب منه ذلك في قضايا الأمَّة.
وفوق ذلك كلِّه: تعاهُدُ الإيمان بالصلاة والذكر والقرآن؛ فإنَّ القلب الذي يَعمُرُه الله لا يَجد فيه الطغاةُ موضعَ قدم، وصاحبُه يَستروح قول الحق ويستعذبه، ويَرى عزَّه في عبوديته لله وحده.
كلمة أخيرة:
إن ما مرَّت به بلادنا من طغيانٍ طويل، ثم من انعتاقٍ جاء بفضل الله ثم بتضحيات الأحرار؛ يضع علينا مسؤوليةً عظيمة: أن نفهم كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وأن نعمل بجدٍّ حتى لا نتراجع للوراء.
الطاغية سقط، لكنَّ البنية التي أنتجته ما تزال قائمة: في عقولٍ تربَّت على الخضوع، وعلاقاتٍ قائمة على الاستتباع، ومؤسساتٍ رخوة، وثقافةٍ لم تتشرَّب الحرية بعد، هذه معركةٌ طويلة، لكنها المعركة الحقيقية.
فلنبدأ من أنفسنا، من بيوتنا، من مدارسنا، من أحيائنا، ولنتذكر دائمًا أن الله الذي وعد المستضعفين بالتمكين لم يَعِد الكسالى ولا القاعدين، بل وعد من يسعى ويعمل ويُغيِّر ما بنفسه.
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} [النور: 55].
اللهم حرِّرنا من كل عبوديةٍ لغيرك، وأعِنَّا على بناء مجتمعٍ يليق برسالتك، إنك على كل شيء قدير.
د. مصطفى يعقوب
باحث متخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والدراسات القرآنية
[1] قال في طبائع الاستبداد، ص (163): “والاستبداد جرثومة كلِّ فساد”. والجرثومة: الأصل. ينظر: لسان العرب (12/95).
[2] نقله القرطبي في تفسيره (16/101) من قول ابن الأعرابي.
[3] (2/261).
[4] في ظلال القرآن، لسيد قطب (5/3194).
[5] البداية والنهاية، لابن كثير (9/622).
[6] أخرجه بهذا اللفظ النسائي (4209)، وأخرجه أبو داود (4344) والترمذي (2174) وابن ماجه (4011) بلفظ: (كلمة عدلٍ …).
[7] الهروب من الحرية، لإريك فروم، ص (172).
[8] التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، مصطفى حجازي، ص (127-139).
[9] النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، للدكتور هشام شرابي، ص (21) وما بعدها.
[10] أسس التوتاليتارية، لحنة أرندت، ص (50).
[11] ينظر: مقدمة ابن خلدون، ص (184).
[12] ينظر: شروط النهضة، لمالك بن نبي، ص (152-155).
[13] ينظر: مقالة في العبودية الطوعية، إيتان دو لا بواسيه، ص (153).
[14] ينظر: طبائع الاستبداد، ص (27).
[15] ينظر: الحياة السياسية – كيف يغير بسطاء الناس الشرق الأوسط، لآصف بيات، ص (95).



