نظرات نقدية

الحرب على إيران – نظرات في القيم الغربية

تكشف الحرب على إيران اختلالاً بنيويًا في النموذج الغربي، حيث تتعرّى شعاراته أمام واقع تحكمه المصالح والهيمنة، لا القيم والعدالة، فالديموقراطية تبدو عاجزة عن ضبط القرار، والقوة تُسخّر للإخضاع عبر الاقتصاد والتقنية والإعلام، ويعود ذلك إلى غياب مرجعية حاكمة واستبدالها بهوى متقلب، مما يفضي إلى نظام فاقد للتوازن والاستقرار، ويبرز الحاجة إلى نموذج تضبط فيه القيمُ المصالحَ لا العكس.

مقدمة:

تسعى أمريكا منذ أن أعلنت انتصارها في الحرب العالمية الثانية إلى ألا يكون لها في العالم أي منافس على أي صعيد كان، في الاقتصاد ونموذج الحكم والسياسة وقطاع الأعمال والقوة العسكرية والإعلام والقوة الناعمة والمجتمع، لكن الحرب الأخيرة على إيران كشفت أمورًا فكرية وحضارية وقيمية لم تكن ذات أهمية لدى قطاع عريض من الناس حول العالم.

كما كَشَفَت عن ضعف المنظومة الاستراتيجية وصناعة اتخاذ القرار، وأنّ ما يسمى الديموقراطية ليست إلا غطاءً هزيلاً لنظام معقّد من الفساد والابتزاز المالي والسياسي.

الضعف الاستراتيجي الأمريكي:

كتب ريتشارد روميلت في كتابه (استراتيجية جيدة استراتيجية سيئة) (Good Strategy Bad Strategy: The Difference and Why It Matters, Richard Rumelt) ضمن سياق ذكره للحرب على العراق: “سار الغزو سريعًا. وبمجرد توقف القتال بين الجيشين، توقع قادة الإدارة الإشراف على انتقال سريع إلى مجتمع مدني ديمقراطي في العراق. ولكن مع تصاعد حدّة التمرُّد العنيف، لجأت وحدات الجيش الأمريكي إلى تنفيذ عمليات “البحث والتدمير” من قواعد محصّنة، وهو النهج نفسه الذي فشل فشلًا ذريعًا في فيتنام. كانت هناك أهداف عديدة رنانة: الحرية، والديمقراطية، وإعادة الإعمار، والأمن، ولكن لم تكن هناك استراتيجية متماسكة للتعامل مع التمرّد”.

وهذا يظهر أن أمريكا كانت قد دخلت إلى الحرب مع العراق بتخبُّطٍ في التخطيط، كما يؤكّد الكاتب المذكور أن أمريكا لم تستفد كثيرًا من تجاربها السابقة في فيتنام أو العراق أو أفغانستان، ولم تستطع وضع يدها على سبب ذلك.

كما أنَّ أمريكا تبدأ تحرّكاتها بناءً على ما لديها من عناصر القوة متجاهلةً بشكل كبيرٍ عناصرَ الضعف الداخلي الذي لديها، ومن أهمها: عدمُ التمكن من السياق المحيط بالبيئة المرادُ الخوض فيها، على الرغم من كم المعلومات الهائل عنها.

تفكك نموذج الحكم الديموقراطي:

أثبت نموذج الحكم في أمريكا اضطرابه تجاه الفساد السياسي، فقد أكّد ما حدث خلال الحرب على إيران أنَّ قرارات السلم والحرب وما يتخلّلها من مناوراتٍ تكتيكيةٍ وتصريحاتٍ سياسية يمكن أن تخرج من شخصٍ واحدٍ على رأس القوة الكبرى في العالم، دون القدرة على إيقافه عند حدٍّ ما، مع قُدرته على الضغط على جميع المناصب تحته، كما أنَّ للمصالح الشخصية دورًا كبيرًا في النموذج الغربي الأمريكي خصوصًا.

صحيح أنَّ منظومة الديموقراطية لديها وسائل وآليات لحساب المسؤولين، ولكنها طويلة ولا يمكن أن تمنع حصول الضرر، بل هي في محصلتها وسيلةٌ لمتابعة الضرر ووضع اليد على المسؤول وتهدئة الرأي العام، دون تحقيق عقوبةٍ رادعة، وبذلك يمكن أن يُقال: إنَّ الغاية من المنظومة الديموقراطية هي: إدارة الجماهير، وليس تحقيق المنافع والمصالح التي تفيدهم، والدليل على ذلك بعض اللقطات الآتية:

» تقرير Commonwealth Fund  2024م، وفيه: جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الأخيرة (10 من 10) بين الدول ذات الدخل المرتفع التي شملتها المقارنة. هذا يعني أنها متأخّرة بوضوح عن نُظرائها الأغنياء في الوصول للرعاية والعدالة والنتائج الصحية[1].

» وفق بيانات منظمة الصحة العالمية، بلغ معدل الانتحار في الولايات المتحدة 14.1 حالة لكل 100 ألف نسمة في 2021م، مقابل متوسط عالمي 9.1[2].

» وفق بيانات التقرير السنوي لوزارة الإسكان والتطوير العمراني، فقد بلغ عدد من كانوا في حالة تشرّد في ليلة الإحصاء 771,480 شخصًا في يناير 2024م، أي نحو 23 شخصًا لكل 10,000 من السكان وهذا معدلٌ كبير جدًا[3].

» وفق Society at a Glance  2024م، كانت الولايات المتحدة عند 18% في معدل الفقر للأفراد، وهي من أعلى المعدلات في OECD؛ بل إنّ التقرير يذكر أنّ المعدلات الأعلى كانت في كوستاريكا (21%) والولايات المتحدة (18%). أي أنّ الولايات المتحدة كانت ثاني أعلى دولة في OECD في الفقر النسبي في أحدث المقارنات الواردة[4].

فكيف لدولةٍ هذا حالُها الداخلي، وهي أحوج إلى التطوير الصحي والدعم الاجتماعي الداخلي وحماية المجتمع من الانهيار أن تدخل حربًا كانت بالإمكان أن تُصلح تكاليفها كل تلك المشاكل؟ إلا لأنَّ خدمة الجماهير ليست ضمن أولويات المنظومة، بل هي من أولويات ملأ[5] يتحكّم بموارد الدولة، ولهذا نجدها من انهيار إلى آخر.

وكلّ ما سبق يؤكّد أن الديموقراطية لا تضمن تحكمًا عادلاً بموارد الدولة حتى وإن كانت الانتخابات والأكثرية هي الوسيلة لوصول الرئيس إلى منصبه، والسبب الجذري أساسٌ لوصول الديموقراطية لهذا المستوى.

يُظهر نموذج الحكم في الولايات المتحدة اضطرابًا في التعامل مع الفساد السياسي، إذ كشفت الحرب على إيران أنَّ قرارات السلم والحرب قد تصدُر من شخصٍ واحدٍ على رأس القوة الكبرى في العالم دون كوابح كافية، مع قدرته على الضغط على مؤسسات الدولة، وتغلغل المصالح الشخصية في هذا النموذج

الدولار الأمريكي وسيلة الضغط الأقوى على الأمم:

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان وما يزال الدولار الأمريكي رمزًا للغطرسة والهيمنة الأمريكية، على الرغم من مشاكله الكثيرة والمتزايدة، لكن وجود النمط السائد عالميًا أنه الاحتياطي الوحيد للدول جعله يكتسب القوة التي لديه، وهذا أمرٌ جعل أمريكا قادرةً على إسكات أيِ صوتٍ لا يعجبه تصرفها مهما كان جيش هذا الصوت قويًا.

إنَّ كون الدولار هو الاحتياطي القومي الوحيد بين دول العالم جعله عصًا تُرفع على أيِّ أمةٍ تريد الوقوف أمام التجبّر الأمريكي، وهو ما يوضح أنّ الدولار أصبح خطرًا على الأمم أكثر من كونه أمانًا لها، وهو ما يدفع العديد من الدول للبحث عن التخلّص منه وإيجاد البدائل عنه.

سيطرة التقنية الأمريكية:

ظهر للدول الأوروبية أنّ التقنيات الأمريكية التي سيطرت على جميع جوانب الحياة لديهم تقريبًا أصبحت وسيلةً للسيادة الأمريكية عليهم، وفي هذه الحرب اتّضح ذلك بشكلٍ أكبر عندما أمر ترامب بعض الشركات التقنية بإيقاف خدماتها عن بعض الدول، وهذا يعني أنّ أي دولةٍ تعمل بتقنيات أمريكية فهي رهينةٌ لتلك التقنيات وما خلفها من سيطرةٍ أمريكية. وهو ما دفع بدول الاتحاد الأوروبي أن تبدأ بنظام مدفوعاتٍ خاصٍّ بها للخروج من سيطرة شركتي (VISA و MasterCard) على جوانب الحياة الأوروبية، وهذا ينطبق أيضًا على وسائل التواصل الاجتماعي (Facebook و X) وشركات تجارة السلع (Amazon و eBay) وشركات استضافة البيانات (Google و Amazon) وشركات الخدمات المكتبية الاحترافية (Google و Microsoft) وغيرها الكثير من الشركات التي جعلت الهيمنة الكبرى للوبيات المال والأعمال الأمريكيين الذين امتدّت سيطرتهم على أنحاء العالم. بينما تجد دولاً أخرى لم تدخل هذا الخضم، لها استقلالية كبيرة في التقنية وقوة في الحديث عنها مثل روسيا والصين ودول جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية.

لقد اتّضح في هذه الحرب أنّ التقنية الأمريكية لم تُصنع لخدمة أحدٍ سوى السيطرة الأمريكية على موارد العالم المالية والبشرية، وأنها أداةٌ فعّالة للضغط على الشعوب وتوجيهها تجاه مصالح الأفراد المسيطرين على السياسة في أمريكا، وهذا ينطبق على الشعب الأمريكي وكلِّ مستخدمٍ للتقنية الأمريكية حول العالم أيضًا.

إنَّ الخروج من أزمة السيطرة التقنية الأمريكية أصبح أولويةً لدى جميع الدول والأمم التي تتبنّى هذه التقنيات، وبات من الضروري إيجاد البدائل المحلية لها بعد معرفة خطر التقنيات الأمريكية الداهم على الأمة والمجتمع على الصعيد الاستراتيجي وليس فقط على المدى القريب.

أظهرت هذه الحرب أنَّ التقنية الأمريكية مُسخّرةٌ أساسًا لتعزيز هيمنتها على الموارد المالية والبشرية عالميًا، وتُستخدم أداة ضغط لتوجيه الشعوب وفق مصالح النخب السياسية، وهو تأثير يمتد إلى الداخل الأمريكي، ويشمل أيضًا مختلف المستخدمين حول العالم بدرجات متفاوتة

انهيار منظومة القيم الغربية:

قبل عام، أوضح الاقتصادي البروفيسور ريتشارد وولف (Richard Wolff) في مقابلة مطوّلة مع قناة الجزيرة الإنجليزية[6] أنّ القيم الغربية قد تأكّد انهيارُها وأنّ الإمبراطورية الأمريكية قد انتهت (We are done!). وهذا واقعٌ فعلاً؛ فالقُدرة على قتل الناس بأعدادٍ كبيرةٍ دون القُدرة على الإيقاف أو المحاسبة هو أمر ليس له سابقة في تاريخ البشرية، ولكنه يحدث الآن بشكل سافر في حجم الضحايا واستعراض القوة، وفي تجاهل تام للقيم التي يتشدّق بها الغرب.

إنّ الجبروت الأمريكي العسكري حول العالم يؤكّد أنّ القيم الغربية التي يدعو الغرب إليها من مساواةٍ وتسامحٍ وعيشٍ رغيدٍ، والتي يسوّق لها خلال حروبه ليست إلا ادّعاءاتٍ هشة لا يمكن أن تصنع نموذجًا إنسانيًا راقيًا. ومن يستمع إلى مقابلة تاكر كارلسون مع كاري بريجين العضوة السابقة في لجنة الحرية الدينية التي أسّسها ترامب يرى مدى الشر والفساد الخالي من أيّ قيمٍ دينيةٍ أو مرجعية.

انهيار النموذج الغربي في الشرق الأوسط (إسرائيل):

لقد كان ينظر لكيان إسرائيل (كما يشاع في وسائل الإعلام الغربية) أنه الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وهذه السردية بَنَت في عقول الجماهير (الغربية على الأقل) مستوى من التفوُّق والتعالي على المجتمعات العربية المحيطة بها جميعًا، لكن السنوات الأخيرة وخاصةً ما حدث بعد السابع من أكتوبر، فضحت بشكل لا يقبل الجدل مستوى الانحطاط لدى هذا النموذج ومن يسوِّقونه، على النحو الآتي:

1. الاقتصاد: أكّدت هذه الحرب أنّ أرزاق الناس تحت مظلة الدولار في مهب الريح، فلا يمكن له أن يصمد أمام أي هزة، حتى لو كان صانعها هو نفسه من يطبع الدولار. فقد ازداد التضخُّم واضطربت الأسواق واختفت ملياراتٌ من الأسواق في لمح البصر، فتجدُ في الوقت الحالي معظم المستثمرين في الشرق الأوسط يبحثون عن ملاذاتٍ أخرى غير الدولار لحماية رؤوس أموالهم، ومعضلة الذهب التي حدثت كانت دليلاً على ذلك.

2. نموذج الحكم: اتّضح في هذه الحرب أنّ نموذج الحكم بأكمله سواء في أمريكا أو كيان إسرائيل هو نموذجٌ لا يمكن أن يكون قدوةً في أيِّ سياقٍ كان، فالمجتمع الإسرائيلي شديدُ التعصب، ومنظومة الحكم لديه قائمةٌ على الفصل العنصري، وتأسيسُ القوانين الداخلية في الكيان الإسرائيلي مبني على إعدام إثنيةٍ معينةٍ من الجماهير وهذا ليس إلا نسفًا لجميع المواثيق والأعراف الإنسانية (سيأتي ذكرها في السبب الجذري).

3. السياسة: النموذج السياسيُّ القائم على المصالح كان هو الأساس الذي تُعلمه الجامعات الدولية وهو المرجع الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، ولكن عندما بدأت حرب إيران اتضح أنَّ كل ما سبق يخبئ وراءه مصالحَ أفرادٍ ولوبيات مالٍ وأعمالٍ فاسدةً تعملُ على مصالحها هي وليس مصالح الدولة، ودليل ذلك التضخمُ الهائلُ في ثروة السياسيين خلال أحداثٍ معينةٍ صنعوها بأنفسهم، وحربُ إيران أوضحُ مثالٍ على ذلك.

4. قطاع الأعمال: يزعُم النموذج الغربي بأنه الصانع لقطاع الأعمال حول العالم، وأُسِّست الصورة النمطية على أنها الأقوى في ذلك، وقد يكون لذلك رصيدٌ من الصحة، ولكن هذا النموذج اتّضح أن غايتَه صناعة وجمع المال وليس خدمة الإنسان، فتجد الشركات تسعى إلى الاحتكار دون قانونٍ يردعها، وتسعى بشتى الوسائل إلى تحويل الناس إلى عبيدٍ لمنتجاتها دون أن تُقدم لهم المنفعة الحقيقية التي تُفيد الإنسان والمجتمع.

5. القوة العسكرية: هذا هو ما تميز به النموذجُ الغربي، التكبُّر والعلوّ بالقوة العسكرية وإخضاعُ الأمم تحت أقدام التطور التقني العسكري الذي يُخيف كلَّ دولةٍ لا تكون قوتها العسكرية بيدها، فأصبحت القوة العسكرية وسيلةً لإخضاع الأمم وليس لنصرة المظلومين، فلا تجدُها تُستخدم لنصرة شعبٍ أعزل يُقتل (سوريا لمدة 14 عامًا)، ولكنها تُستخدم بكلِّ تأكيد لإخضاع دولٍ بأكملها (إيران وفنزويلا والعراق وفيتنام وغيرها) إخضاعًا مباشرًا، أو من خلال تقديم الأسلحة ثم احتكار استخدامها للدول التي تستخدمها (وهذا يشمل كل دولةٍ تشتري السلاح من أمريكا)، وفي هذه الحرب تأكد أن القوة العسكرية الأمريكية لا تخدم أحدًا إلا صانعها، ولا يمكن أبدًا أن تكون وسيلة لتحقيق سيادةٍ لأي أمةٍ أو دولةٍ مهما كانت، كما أنَّ هذه القوة الهائلة مكلفةٌ جدًا وليس لديها الطاقة للاستمرار على المدى الطويل، وهذا ما ثبت في هذه الحرب، فهي سلاحٌ إرهابٌ وإخضاع، وليست سلاحًا استراتيجيًا يَصنعُ انتصارًا حقيقيًا على الأرض.

6. الإعلام والقوة الناعمة: هو ما كانت تَبرعُ به أمريكا عبر تصديرها للمنصات الإعلامية ثم صناعة الأفلام ثم وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الأغاني والموسيقى ثم منصات الأفلام والمسلسلات وغيرها الكثير، كل هذا واضح أنه يخدم غاياتٍ غربية وليس غاياتٍ إنسانية أو قيمية، ولكن المثير للانتباه أنَّ حرب إيران قد عرّت العَظَمة الأمريكية التي كانت تروج لها تلك المنصات الإعلامية. وتخلي ترامب عن جميع عناصر القوة الناعمة من دعم للمنظمات الدولية والمنظمات غير الربحية أخرج أمريكا من لعبة القوة الناعمة وحصر قوتها في القوة الصلبة التي لا تعتبر قوة استراتيجية أبدًا.

7. المجتمع: اتضح انهيار المجتمع الغربي ونموذجه الإسرائيلي بشكلٍ كبير، فالفصلُ العنصري داخل البلدات الإسرائيلية خلال القصف الإيراني أخرج أعمقَ ما لدى مكنونات الإسرائيليين من عنصريةٍ وعصبيةٍ مريضةٍ تجعل فئةً مختارةً هي من تدخل إلى الملاجئ، ناهيك عن حالات الاغتصاب والتعدّي على النساء في تلك الملاجئ وحالات المرض والقذارة داخلها.

تحليل السبب الجذري:

إنَّ السبب الجذري لكل ما ذُكر آنفًا مقسوم على عنصرين اثنين:

العنصر الأول/ القيادة بناءً على رغبات النفس البشرية (الهوى): لقد حاول العالم كثيرًا سابقًا إرساء قيمٍ مشتركةٍ بين البشر، فكان هناك اتفاقيات كثيرة منها:

كان لتلك الاتفاقيات قبولٌ واسعٌ على صعيدٍ عالمي، ولكن على أرض الواقع لم يكن لها أثرٌ حقيقي، فجميع تلك المعاهدات المذكورة وغيرها قد انتُهكت بشكل صريحٍ صارخٍ دون أيّ محاسبة أو عقوبة لمن خالفها، ذلك أنها مُتعارضة مع رغبات النفس البشرية التي لا يمكن لمن يُمسك بزمام السياسة أن يتخلّى عنها دون رادعٍ قيميٍ، أضف إلى ذلك أنها في أصلها ناقصة؛ فهي غير مدعومةٍ بمنظومة عقابيةٍ أو مساندة لإنفاذها على أرض الواقع.

إنَّ القيادة التي تكون موجَّهةً بناءً على رغبات النفس تؤسِّس لظاهرةٍ واضحةٍ لدى ترامب ونتنياهو، وهي القيادة بالغطرسة، وهذا النوع يجعلهم يركزون كثيرًا على ما لديهم من عوامل قوة، وبسبب الغرور المسيطر عليهم؛ لا يمكنهم وضعُ عوامل قوة خصومهم في عين الاعتبار، كما أنَّ ضمان عدم المحاسبة التي يرون أنهم يستحقونها (شرحها في السبب الجذري) تجعلهم يقومون بما لا يمكن أن يخطر على قلب بشر، فضربُ مدرسةٍ مليئةٍ بالطلبة في ساعة الذروة عن قصد للضغط على حكومةٍ ما.. هو فعلٌ يصعب أن نجده في التاريخ إلا لدى المغول البرابرة والصليبيين السفاحين! وقصفُ جموع المسعفين عند وصولهم إلى مكان ضربةٍ سابقة هو تلبيةٌ لشعور شيطاني مجنون لا يمكن أن يرتبط بهدف استراتيجي حكيم، بل هو تشفٍّ من البشر لدى قلوب مريضة، كل ذلك يُفقد صاحبَه التوجه الاستراتيجي والتفكيرَ السليم بعيد المدى الذي يوصله إلى جنون العظمة أمام الناس، فلا يستقر التفكير ولا يصبح الهدف واضحًا.

لهذا تجد ترامب يريد تارة السيطرة على الحكم في إيران، وتارة أخرى يريد الاستيلاء على جزيرة خرج، وتارة يريد الاستيلاء على نفطها، إن هذا التيه في وضع الأهداف وجعلها مرتبطة بشخصه يؤكد أن المنظومة الديموقراطية سهلة الانهيار وهشة البنيان ولا يمكن لها أن تصنع استقرارًا طويل الأجل للأمة الحاضنة لها وللعالم المحيط، لأنها ليست مقادة بناء على قواسم مشتركة، بل على أهواء أنفس الأقوياء فيها القادرين على تحريك المجتمع والتحكم به.

فخطوات التفكير المكتمل هي: النظر – التأمل – الاعتبار – الاستبصار – التدبر. فمن يكون هواه قائده، لا يمكن له أن يسير على أيٍّ من تلك الخطوات، والعمل بالسياسة وإدارة الموارد والمجتمع يحتاج إلى قدرةٍ على النظر العميق والتأمل الدقيق، والاعتبار من الغير، والاستبصار للرؤية الاستراتيجية وراء ما تراه العين، والتدبُّر لمعرفة عواقب الأمور، وكل هذا غائب تمامًا في المنظومة الديموقراطية القائمة على مصالح الأفراد وليس المجتمع. إنَّ أيَّ منظومةٍ إداريةٍ أو سياسيةٍ يجب أن تتعامل مع النفس البشرية، فهي المحرك الأساسي لها، وقد كان سيدنا يوسف عليه السلام المدير الأرقى والاستراتيجي الأروع الذي ذكره الله تعالى في كتابه، وكان المحرك الأساسي له: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]، فهو حفيظٌ على مصالح الناس، وعليم بأوامر الله تعالى التي عليه الالتزام بها، وهو أيضًا حريصٌ على تفادي ما يريده الناس منه، {قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33]، وهو أيضًا متفادٍ لأي مرجعية مشوهة، {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ} [يوسف: 37]، وفي نفس الوقت لديه مرجعيةٌ راسخةٌ لا يَحيد عنها، {وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} [يوسف: 38]، وفي نفس الوقت لديه تركيزٌ كاملٌ وعميقٌ على ما يجب أن يكون له مرجعية: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39]، وفي نفس الوقت هو حريصٌ على سُمعته أن لا يُساء لها، فعندما تتبنّى مرجعيةً راقية، يجب أن تكون السمعة أيضًا محمية {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 50]… ولا يمكن أبدًا في هذا السياق استعراض جميع المرجعيات الإدارية الاستراتيجية في سورة يوسف، ولكن هذه لمحةٌ منها.

إن هذا النموذج الراقي من الحكم لا تجده في هذه الأرض وفي هذا الزمان أبدًا، فهوى الأنفس هو ما يقود الأممَ الآن، وعندما يتغلب هوى النفس فإنَّ الإنسان يصل إلى المستوى الأكثر انحطاطًا {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40]. وهذا هو الذي يحصل أمامنا حاليًا؛ فقد بدأ عقلاء العالم يصرحون بالحاجة إلى نظام يكرم فيه الإنسان وتحكمه القيم والأخلاق، بل صرح كثير منهم بالحاجة الماسة للإسلام ولرؤيته نموذجًا تطبيقيًا ملهمًا، وبنمط عصريٍّ مُنافس.

إنَّ قيادتك لنفسك أو أسرتك أو مجتمعك أو شركتك أو فريقك بهوى نفسك سيجعلك ضحيةَ نفسك وأمراضها، و(الكيس من دان نفسه)[7].

من يقوده هواه لا يستطيع التفكير بشكل سليم؛ فالعمل السياسي وإدارة الموارد والمجتمع يتطلبان نظرًا عميقًا وتأملاً دقيقًا، والاعتبار بالتجارب، واستبصارًا للرؤية الاستراتيجية، وتدبرًا لعواقب الأمور. وكل ذلك غائب في منظومة ديمقراطية تقوم على مصالح الأفراد لا مصلحة المجتمع

العنصر الثاني/ المرجعية المشوهة: إنَّ قدرة السيناتور الأمريكي تيد كروز والسفير الأمريكي في تل أبيب مايك هاكابي على ذكر آياتٍ مكذوبة عن الكتاب المقدس لديهم (الحالي) وجعلها أساسًا لحراك سياسي وحربي دون خوفٍ من أن يوجد من يقول أنت مخطئ وكلامك كاذب، هو دليل على انعدام المرجعية الراقية المقدّسة لدى النموذج الغربي. فعندما أخبر السيناتور الأمريكي الدافع للحرب على إيران أن (الله بارك من يبارك إسرائيل ويعادي من يعاديها) لم يخطر ببال المحاور له الإعلامي كريس تاكر أن يراجع هذا النص إلا بعد عدة أيام؛ حيث اكتشف أنّ الكتاب المقدس الحالي لديهم (المحرف أصلاً) لا يحتوي على هذا النص بالقصد الذي يدفع به هذا السيناتور الذي يعتبر واجهة إعلامية وسياسية لهذا التوجه (النصارى الصهاينة)، وقد أصبح هذا النص من الأكثر انتشارًا بين الأمريكيين الداعمين للحرب وكثر تكراره! فالنصارى الصهاينة لديهم قدرةٌ على بناء مرجعيةٍ تخيلية، والكذب على أي أحد لأنهم يرون أنفسهم أفضل من غيرهم، وبمجرد أن يدخل إلى النفس البشرية أنها أفضل من غيرها فإن ذلك مباشرة يُخرجها من جميع الأطر الإنسانية الأرضية ناهيك عن الأطر السماوية المرتبطة بخوف الله تعالى وتقواه!

إنَّ تشويه أيّ مرجعية كانت يجعلُ القائم على تشويهها -إن تمكن من تحقيق ما يريد- قادرًا على توجيه الجماهير بسهولة كبيرة، وهذا هو أساس الديموقراطية الغربية التي تسعى لاحتواء الجماهير وليس خدمتها، بل يحوّل الجماهير إلى عبيدٍ تعمل في النهار وتستهلك في الليل لخدمة أعمالهم وزيادة أموالهم، وكلُّ من لا يُحقّق منظومة الإنتاج ثم الاستهلاك (العبودية) فهو محروم من جميع المزايا والخدمات، ويتحول إلى مناضلٍ للعيش أو مشرّد في الشوارع.

إنَّ غياب المرجعية في أيِّ منظومة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية وغيرها، وغياب الترابط بين مكوناتها يجعل تلك المنظومة ضعيفةً هشةً غيرَ قابلة للاستمرار، ومحاولة دول بريكس إيجاد البديل عن الدولار الأمريكي وهم ليس لديهم المرجعية التي يحترمونها جميعًا جعل مهمّتهم أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. كما أنَّ قيام حاكم ولاية فلوريدا بحظر الشريعة الإسلامية بمُجملها يجعل النموذج الديموقراطي كلَّه عبارة عن دكتاتورية لا تحكم إلا بهوى من يسيطر عليها.

إنَّ المرجعية التي تقدِّم لمن يتبنّاها القيم والأخلاقيات وأُطُر العمل الحاكمة والأساس المرجعي الذي يحتكم إليه الجميع عند الخلاف وتقدم له الاطمئنان على أنه في سوية مع غيره وأن حقه مصان غائبة في هذا العصر (من الناحية التطبيقية)، والإسلام هو المرجعية الوحيدة التي تحقق ما ذكر لكنه غير مطبَّق في أي من عناصر نموذج الحكم بالشكل الصحيح.

غياب المرجعية في أي منظومة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية وغيرها وغياب الترابط بين مكوناتها يجعل تلك المنظومة ضعيفة هشة غير قابلة للاستمرار، ومحاولة دول بريكس إيجاد البديل عن الدولار الأمريكي وهم ليس لديهم المرجعية التي يحترمونها جميعًا جعل مهمتهم أقرب إلى الخيال

الاستنتاج الأساسي:

إننا في العالم الإسلامي بقينا بعيدين عن منظومة حكمٍ رشيدٍ لأكثر من قرنٍ من الزمن، ولم تعُد منظومة الحكم السابقة القائمة على مركزية السلطة صالحةً لهذا الزمن، ولكن الله تعالى أعطانا منظومة الحكم الصحيح في كتابه العزيز. في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات: 1].

فهذا هو الأساس المتين والمرجعية التي يحتاجها المجتمع المسلم. إن إيجاد هذه المرجعية التي لا يُقدِّم أحد شيئًا بين يديها غائبةٌ عن منظومة الحكم الدارجة الآن، ويؤكد السياق الواقعي أنَّ الديموقراطية بجميع أشكالها لم ولن تحقِّق أيَّ عدلٍ وأيَّ رشادٍ في منظومةِ حكمٍ وإدارةٍ للموارد والمجتمع. فهل نبدأ سوريا الجديدة بمنظومة ثبت فشلها؟

سيأتي يوم يتحدى فيه النموذج الإسلامي النموذج الغربي بشكل أكثر وضوحًا ومواجهة، والاستعداد لهذه اللحظة واجب على كل أحد أن يستعد لها في نفسه وبيته وأسرته ومجتمعه وأعماله وإنتاجه

الرؤية والغاية:

سيأتي يومٌ يتحدّى فيه النموذج الإسلامي النموذجَ الغربي بشكلٍ أكثر وضوحًا ومواجهة، والاستعداد لهذه اللحظة واجب على كل أحد أن يستعد لها في نفسه وبيته وأسرته ومجتمعه وأعماله وإنتاجه.

إن الوعي بهذا السياق الاستراتيجي الكامل أصبح ضرورة وليس رفاهية وذلك على الصعيد الفردي والجماعي والمؤسسي، وعلى كل امرئٍ أن يعلم الثغور التي عليه أن يكون أمينًا عليها، لكي نقوم بواجبنا تجاه أنفسنا وتجاه أمتنا، وكيف أنَّ على الفرد والمجتمع أن يربط بين حياته اليومية (بل اللحظية) وبين الغاية التي يعيش من أجلها، عبر تغلبه على أهواء نفسه، والالتزام بالعودة إلى المرجعية العليا الأرقى التي لدينا في شريعتنا الإسلامية، وعلى رأسها كتاب ربنا الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولبناء حضارتنا من جديد يجب أن يكون أساس كل ما نقوم به منذ بداية يومنا إلى نهايته قوله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].


م. جهاد بوابيجي

خبير إدارة تقنية معلومات، استشاري تحليل أعمال وإدارة مشاريع


[1] تقرير: مرآة، مرآة 2024م: صورة للنظام الصحي الأمريكي المتعثر، مقارنة الأداء في 10 دول، (Mirror, Mirror 2024: A Portrait of the Failing U.S. Health System, Comparing Performance in 10 Nations)، على موقع: commonwealthfund.org.

[2] تقرير: الانتحار في جميع أنحاء العالم في عام 2021م: التقديرات الصحية العالمية، (Suicide worldwide in 2021: global health estimates)، على موقع منظمة الصحة العالمية.

[3] التقرير السنوي لتقييم التشرد 2024م في الولايات المتحدة – الجزء 1 (2024 AHAR: Part 1 – PIT Estimates of Homelessness in the U.S)، على موقع huduser.gov.

[4] تقرير: لمحة عن المجتمع 2024: المؤشرات الاجتماعية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، (Society at a Glance 2024:OECD Social Indicators)، على موقع: oecd.org.

[5] علية من القوم.

[6]  (https://www.youtube.com/watch?v=7Nc1puvQWJg&list=PLGY-VElfPPkklZDYSiK_3usMZvMacZhlu&index=21)

[7] أخرجه الترمذي (2459).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *