تشكّل الهوية الإسلامية العربية في سوريا الوعاء الحضاري الجامع، والأصالة التاريخية الراسخة، لجميع أطياف المجتمع وتنوعاته، ويفند هذا المقال دعوات التنازل المتبادل بين هذه الهوية الجامعة والهويات الفرعية العرقية والدينية، لصالح هوية علمانية مدّعاة. عارضًا نماذج دستورية ودولية متعددة تؤكد تكامل الهويات الجامعة مع الهويات الفرعية. كضمانةٍ لاستقرار الدولة وتماسك نسيجها المجتمعي.
تشكّل هوية الدولة إحدى القضايا التأسيسية التي لا تنفصل عن عملية بناء الدولة؛ فهي الوعاء الذي يجمع الرؤى حول المشترك الأكبر. وفي السياق السوري، تصبح هذه المسألة أكثر من مجرد جدل نظري، بل قضيةٌ مصيرية تعبّر عن الحاجة، لا إلى تحديد الهوية وحسب -على ما لهذه المسألة من أهمية- بل وإلى إعادة ترتيب عناصرها، وإعادة إرساء علاقتها بالمحيط[1].
ولطالما قامت الدولة السورية في شكلها الحديث على أساس هوية إسلامية عربية بوصفها الهوية الجامعة الغالبة والأصيلة تاريخيًا، مع اعتراف ضمني بوجود تنوعٍ ضمن إطار “التعايش”[2].
لكن الجدل المحتدم اليوم يتمحور حول مدى صلاحية هذه الهوية الجامعة في استيعاب المطالب المتنامية للمكونات الإثنية[3] والدينية غير الإسلامية وغير العربية. ففي وجه التأكيد على الهوية الإسلامية العربية “هوية للدولة”، تصاعدت الدعوات -خاصةً من بعض الأطراف الداخلية والخارجية- إلى تبني هوية محايدة أو علمانية، مدّعيةً أن هذا التحييد هو السبيل الوحيد لضمان الحقوق والاعتراف بالتنوع، وأنَّ الهوية الإسلامية العربية تُقصي أو تهمّش الآخر.
وهذه المقالة تتبنى فرضيةً مركزيةً تقوم على أنّ الهوية الإسلامية العربية للدولة السورية ليست متناقضةً أو متزاحمةً مع الهويات الفرعية الأخرى، بل يمكن لها أن تكون الإطار الجامع الذي يوفّر الحقوق والعدالة للجميع. إنّ التحدي لا يكمن في التخلي عن الهوية الجامعة، بل في تطويرها، ليكون الاعتراف المتبادل بالهويات –الجامعة والفرعية- هو البديل الحضاري عن التنازل المتبادل الذي تروّج له المشاريع العلمانية.
مفهوم الهوية:
إنَّ مفهوم الهوية على درجةٍ من الأهمية والحساسية؛ لأنّ للهوية أبعادًا شائكة ومتداخلة تتصل بالحقل المعرفي والفلسفي والسياسي والتاريخي، علاوة عن العوامل الأخرى التي تتفاعل مع الهوية، وبالتالي فإنَّ فهم واستيعاب مفهوم الهوية يختلف من حقل معرفي إلى آخر، ومن نموذج لمجتمع بشري إلى آخر، إلا أنها تُجمِل في الإطار العام على أنّ الهوية ليست شيئًا منجزًا منغلقًا على ذاته، وإنما امتداد التاريخ والحضارة[4]. وهذا بدوره يؤكد أهمية ودور فهم هوية الدولة السورية في سياقها التاريخي والحضاري الذي شكّلت فيه الوعاء الحضاري للدولة.
1. تعريف الهوية:
يمكن أن نقدم فهمًا مجملاً للهوية في سياق الدولة والأمة، تتجاوز مجرّد كونها بطاقة تعريف ثقافية. هي منظومةٌ قيميةٌ ومعياريةٌ ومعرفية تمنح الأفراد والجماعات معنى الانتماء المشترك، فالهوية ليست كيانًا جامدًا أو تعريفًا حتميًا يمكن فَرضه من أعلى. إنها بناءٌ ثقافي وحضاري يتطوّر عبر التاريخ، ويُشكل نتاجًا لتفاعل مجموعة من العوامل المشتركة: اللغة، الدين، التاريخ، العادات، التقاليد، والذاكرة الجماعية، وهي التي تُبلور المشروع الوطني الجامع؛ فالدولة الوطنية الحديثة لا يمكن أن تقوم في فراغ هوياتي، بل تحتاج إلى مرجعية كبرى (هوية جامعة) لضمان التماسك والاستمرارية.
تم تقديم العديد من التعريفات للهوية، منها التعريف الذي قدمه “محمود أمين العالم”: أن الهوية ليست أحادية البنية، أي لا تتشكل من عنصر واحد، سواء كان الدين أو اللغة أو العرق أو الثقافة أو الوجدان والأخلاق، أو الخبرة الذاتية أو العلمية وحدها، وإنما هي محصلة تفاعل هذه العناصر كلها.
ويتقارب مفهوم الهوية في الغرب من مفهومها لدى العرب، فقد عرفها بعض الغربيين بأنها “تعبر عن الشعور بمجموعة من السمات الثقافية للجماعة، والميل إلى ربط الشخص بالبيئة الاجتماعية التي ينتمي لها، وبالتالي تميزه عن غيره من الجماعات والمجتمعات الأخرى”[5].
2. التفريق بين الهوية الجامعة والهويات الفرعية:
ينبغي التمييز بين نمطين من الهوية داخل الدولة الواحدة:
أ. الهوية الجامعة: وهي القاسم المشترك الأكبر الذي يمثل أساس الدولة والمجتمع، وغالبًا ما تتشكل حول الثقافة الغالبة تاريخيًا ولغويًا[6]. في الحالة السورية هذا الإطار يتشكّل من الهوية الإسلامية والهوية العربية، ودورها هو توفير إطارٍ للحوار والتفاهم والوحدة. إنَّ غياب هذه الهوية الجامعة يخلق فراغًا هوياتيًا يُملأ بالانقسامات الطائفية والإثنية، وهو ما شهدناه في دولٍ سقطت في صراعاتٍ أهلية بسبب تفكك هوياتها الجامعة، مثل يوغوسلافيا.
ب. الهويات الفرعية: وهي الانتماءات الإثنية، والدينية، والمناطقية التي تميز مجموعات محددة داخل المجتمع.
إنَّ المشكلة لا تنبُع من وجود الهويات الفرعية، بل من محاولة إحلال إحداها مكان الهوية الجامعة، أو محاولة إلغاء الهوية الجامعة لصالحها؛ فالهوية الجامعة -كما في سوريا- هي نتاج تاريخي لآلاف السنين من التفاعل الحضاري، ولا يمكن التنازل عنها إلا بثمن تفتيت الوعي الوطني.
3. تأكيد الهوية حقيقة تاريخية:
إن تأكيد الهوية الإسلامية العربية للدولة السورية لا ينبع من منطقٍ إقصائي، بل من حقيقةٍ تاريخية وجغرافية واجتماعية تشكّلت عبر قرونٍ من الزمن، تجعل الغالبية العظمى من السوريين تتشارك فيها مرجعيةً ثقافيةً ولغويةً تستند إلى القرآن والسنة اللّذين يُشكّلان المرجعية الأساس في الإسلام، دين الغالبية العظمى للسوريين، هذا التأكيد ضروري لاستقرار الدولة الوطنية.
وفي إطار الجدل الدائر حول النص على أنَّ دين رئيس الدولة هو الإسلام، وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، نجد الكثير من الدول تُحدد هويّتها الدينية والثقافية في الدستور تنصيصًا بعبارات وبُنودٍ متنوعة. ويمكن حصر أغلب ذلك التنصيص في أربع أو خمس عبارات تُعنى بتحديد: إما دين الدولة أو المؤسسة الدينية الممثلة عن الدين أو دين الرئيس أو استمداد التشريعات من الدين أو احترام معتقدات غالبية الشعب، أو أي مجموعة من هذه البنود[7].
هذا يُبين بوضوح أنّ تحديد هوية المجتمعات الحديثة -ولا سيما في الدستور- ليس بدعًا من السياسة، وأنّ تكريس الإسلام في ديباجة الدستور لا تمثل خاصية أو بدعة إسلامية أو عربية، حيث يعود تكريس الدين في الدستور إلى بداية الحركة الدستورية في أوروبا، بل هو سبيل الكثير من الدول ومنها دول غربية متقدمة[8]. ورغم أنّ بعض الدساتير قد لا تذكر أي بند من هذه البنود المتعلقة بالدين إلا أنها قد تحتوي على ذكر الله أو تمجيده بطريقة أو أخرى في المقدمات والمبادئ الأساسية[9]. وهناك دولٌ أوروبية أخرى ما يزال فيها الشعور الديني قويًا، سَعَت في دساتيرها إلى الإطناب في ذكر التزام الدولة ببعض دقائق العقائد الدينية، والدفاع عنها؛ فقد نص دستور اليونان وإيرلندا صراحة على عقيدة التثليث؛ إذ يعتبر دستور إيرلندا أن: “عقيدة التثليث الطاهرة جدًا هي مصدر كل سلطة، وإليها يوجه كل عمل، سواء كان عمل الناس أو عمل الدولة”، ويمارس الشعب هذه العقيدة الدينية الدستورية “معترفًا بكل خشوع بكل واجباته تجاه سيدنا يسوع المسيح الذي دعم آباءنا طيلة سنوات المحنة”.
ويتضمن الدستور اليوناني تمسك شعب اليونان بـ “عقيدة التثليث الطاهرة وذات الجوهر الواحد الذي لا يتجزّأ”.
ونصّت دساتير دول أوروبية غربية على المسيحية اللوثرية ديانة رسمية لها، منها الدانمارك وأيسلندا والنرويج، مع نص دستوري الدانمارك وأيسلندا على دعم الدولة وحمايتها للكنيسة التي تمثل هذا المذهب المسيحي تحديدًا. ومن الدول التي نصّ دستورها على أن المسيحية الأرثوذوكسية هي الديانة الرسمية لها: اليونان، وجورجيا، وبلغاريا. ويعترف دستور أرمينيا “بالرسالة الحصرية للكنيسة الرسولية الأرمنية باعتبارها كنيسةً وطنية”. كما تبنّتْ دولٌ آسيويةٌ البوذية ديانةً رسميةً للدولة، ومن هذه الدول: كمبوديا، وسيريلانكا، وبوتان، وميانمار. كما نص دستور الهند على دعم “المؤسسات الدينية الهندوسية ذات الطبيعة العمومية”.
ونذكر في هذا السياق أنّ أحد الألقاب الدستورية لملِكة بريطانيا هو لقب: “حامية العقيدة والقائد الأعلى للكنيسة الأنغليكانية”. وهذه أمثلة لا تحصر هذه الظاهرة العالمية[10].
إنّ غياب الهوية الجامعة يخلق فراغًا هوياتيًا يُملأ بالانقسامات الطائفية والإثنية، وهو ما شهدناه في دول سقطت في صراعات أهلية بسبب تفكك هوياتها الجامعة، مثل يوغوسلافيا
أمثلة دولية على الهوية الجامعة والتنوع:
إنَّ من يجادل بأنَّ الهوية الدينية الجامعة لا تتوافق مع التنوُّع يتجاهل تاريخ وتكوين العديد من الدول الناجحة حول العالم؛ فالدول الغربية -التي غالبًا ما تُقدَّم نموذجًا للدولة العلمانية الناجحة- لديها هويات جامعة قوية لا تتعارض مع التنوع الموجود داخلها. لذلك فإنَّ دراسة النماذج الدولية تُعد ضرورية لتأطير الجدل السوري، خاصةً في سعينا لإثبات أنّ الهوية الجامعة ليست عائقًا أمام الحقوق والعدالة في الدولة لجميع مكوناتها، بل يمكن أن تكون إطارًا لها.
1. النموذج الأوروبي:
فرنسا: تُعد فرنسا مثالاً كلاسيكيًا على الدولة التي تبنّت هويةً جامعةً قويةً قائمةً على اللغة والثقافة الفرنسية. ورغم وُجود تنوُّعٍ إثني وديني كبير، فإنَّ الدولة تُصرُّ على أن يكون الجميع مواطنين فرنسيين، يتحدَّثون الفرنسية، ويتقيّدون بالقانون الفرنسي، مع احترام حُرياتهم الدينية في المجال الخاص. ولم يمنع هذا الأمر وجود الملايين من المهاجرين من شمال أفريقيا والشرق الأوسط، الذين يمثّلون دياناتٍ وثقافاتٍ مختلفة، من الاندماج في المجتمع الفرنسي مع احتفاظهم بهوياتهم الفرعية، كما أثبتت التجربة الفرنسية فَشَل التيارات العلمانية الفرنسية المتشددة التي تسعى إلى التنازل المتبادَل عبر إقصاء الهويات الفرعية (خاصة الدينية) من المجال العام باسم الهوية الجمهورية المحايدة، وكثيرًا ما ولّدت صراعًا هوياتيًا، خاصة مع المكونات الإسلامية الجديدة، ما يثبت أن محاولة “تحييد” الهوية عبر التنازل المتبادل لا تحل المشكلة، بل قد تفاقمها.
ألمانيا: على غرار فرنسا، تمتلك ألمانيا هويةً جامعةً قويةً مبنيةً على اللغة والثقافة الألمانية. وعلى الرغم من استيعابها لملايين المهاجرين -خاصةً من تركيا- فإنها حافظت على هويتها الألمانية، ولم يطالب أحدٌ بمسخ هذه الهوية بحجة وجود تنوعٍ ديني وإثني، بل إنَّ الدولة تشجّع على الاندماج الاجتماعي مع احترام الهويات الفرعية.
2. التجارب الإسلامية:
أ. النموذج التاريخي/ نظام الملل العثماني:
في نهاية القرن التاسع عشر كانت إسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية تضمُّ أغلبيةً من غير المسلمين، جُلُّهم من اليونان والأرمن واليهود، وقد أُقرّ حينها نظام الملل الذي ينظم وجود الأقليات وعلاقتها بالمجتمع المسلم، فهل يسعُنا أن نتصوّر في الفترة نفسها عددًا لا بأس به من غير المسيحيين -مسلمين كانوا أم يهودًا- يعيشون في فيينا أو باريس أو لندن؟[11]، لقد مثّل هذا النموذج الإطار التقليدي للهوية الإسلامية الجامعة التي أقرّت بوجود جماعات دينية مستقلة ومَنَحتها حق إدارة شؤونها الداخلية تحت رعاية الدولة.
وقد كان هذا النظام مُتقدّمًا في سياقه الزماني مقارنةً بغيره، ومع أنه وُوْجه بانتقادات منهجية لاحقًا؛ لكونه مدخلاً لترسيخ “الوعي الأقلوي” وإضعاف التماسك العضوي للدولة أمام التدخلات الاستعمارية[12]، ومع ذلك تظل العبرة التاريخية قائمةً في أنّ الهوية الجامعة للإسلام لم تقُم على التذويب القسري، بل على بروتوكول “قبول الآخر” في حقبةٍ كانت فيها معظم المجتمعات ترفض المخالف في المعتقد. ومن الممكن اليوم تطوير هذا القبول التاريخي ليكون ميثاقًا وطنيًا جامعًا، يحقق مقاصد الشرع في العدل دون المساس بالثوابت.
ب. النموذج القومي المتشدد في تركيا:
تبنَّت الجمهورية التركية هويةً جامعةً قوميةً علمانيةً متشددة، من خلال فَرضها عبر حزمةٍ من القوانين والإجراءات والسياسات، متجاهلةً الهوية التاريخية والثقافية للمجتمع التركي، وسَعَتْ إلى التذويب القسري للهويات الفرعية (الكردية والعربية) والحدِّ من المظاهر الإسلامية التقليدية للدولة. هذا التوجُّه القائم على التنازل القسري وإنكار الهويات أدّى إلى صراعات عميقة طويلة وممتدة زمنيًا، وهي تشهد مراجعةً من الحكومة الحالية، ما يُبرهن على أنّ محاولة بناء هوية محايدة عن طريق الإلغاء القسري للهويات المتجذرة هي صيغةٌ كارثية لا تضمن الاستقرار.
ج. النموذج الدستوري التعددي/ إندونيسيا، ماليزيا:
تُعتبر إندونيسيا -أكبر دولة إسلامية- نموذجًا ناجحًا في إدارة تنوع هائل؛ تتبنى فلسفة “بانشاسيلا” إطارًا جامعًا للهوية الوطنية، مع اعترافٍ دستوري صريح بالتعددية الدينية. هذا النموذج يقوم على اعترافٍ متبادَل عملي؛ حيث تظل الهوية الإندونيسية هي المظلة، ولكن الدستور يكفُل الحماية والمساواة للجميع، مما يُثبت أنَّ بالإمكان بناءَ دولة ذات هوية جامعة ذات طابع ديني بارز، تحترم وتُقرر التعددية بآليات دستورية واضحة. وبالمثل حققت ماليزيا نجاحًا تنمويًا عبر نهجٍ يجمع بين الهوية الإسلامية للدولة وقيم العدل والمساواة للجميع، حيث نصَّ الدستور الماليزي في المادة الثالثة على أنَّ الإسلامَ هو دين الاتحاد، ولا شكّ أن ماليزيا وعبر نهجها السياسي القائم على ثلاثية العدل والمساواة والحريّة المستمدّة من خزانة الفقه الإسلامي قد توصلت إلى إيجاد السرّ الذي يُنجَز به التقدّم، وتُعد عملية التنمية في ماليزيا من أبرز قصص النجاح التي تحققت في كل من آسيا وأفريقيا[13].
إنَّ من يجادل بأنَّ الهوية الدينية الجامعة لا تتوافق مع التنوع يتجاهلُ تاريخ وتكوين العديد من الدول الناجحة حول العالم؛ فالدول الغربية -التي غالبًا ما تُقدم نموذجًا للدولة العلمانية الناجحة- لديها هوياتٌ جامعةٌ قوية لا تتعارض مع التنوُّع الموجود داخلها
أبعاد الهوية ومكانة عناصرها في بناء الدولة السورية:
تستند الهوية السورية إلى أبعادٍ رئيسيةٍ متداخلة (حقوقية، واجتماعية، وسياسية، ودينية)؛ حيث يُشكل كلُّ بُعدٍ منها ركيزةً أساسيةً لضمان استقرار الدولة وتماسُك نسيجها المجتمعي، وهي أبعادٌ اختيرت لتغطية جميع جوانب العلاقة بين الفرد والدولة وبين المكونات ببعضها البعض:
البعد الحقوقي: هذا البعد هو مفتاح الحل؛ يجب أن تنتقل الهوية من كونها أساسًا للتمايز بين “الأغلبية والأقلية” أو بين مكوّن وآخر إلى أساسٍ للمساواة أمام القانون، بغض النظر عن الانتماء الديني أو الإثني. أي أنّ الدستور يجب أن يتبنّى الهوية الجامعة، مع ترسيخ الحقوق لكلِّ السوريين. وهذا ما أقرّه الإعلان الدستوري السوري في المادة الثالثة حيث -وبعد النص على أن دين رئيس الدولة هو الإسلام، وأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع- أكّدت بشكل واضح على احترام جميع الأديان السماوية، وأن تكفل الدولة حرية القيام بجميع الشعائر الدينية.
البعد الاجتماعي: الهوية الإسلامية العربية يجب أن تُفهم إطارًا للتلاحم الاجتماعي والتكامل، لا معيارًا للقبول الاجتماعي أو التفاضل؛ فاللغة العربية هي الجامع الثقافي الأكبر، والتاريخ المشترك هو الأرضية الموحّدة التي صهرت الجميع في بوتقةٍ واحدةٍ على مر العصور. هذا البعد يتطلب الاعتراف الدستوري بأهمية اللغات والثقافات الأخرى (كالكردية والسريانية) جزءًا من التراث السوري في الحالة السورية، كما أنَّ اللغة العربية لعبت جنبًا إلى جنب مع القيم الإسلامية دورًا محوريًا في تشكيل العادات والتقاليد والقيم المشتركة التي تجمع الناس من مختلف الخلفيات.
البعد السياسي: إنَّ فصل الهوية الجامعة عن الشكل القانوني للدولة والنظام السياسي الحاكم يخلُق فجوةً في الممارسة والتطبيق، وعدمَ انسجامٍ بين البعد التنظيري والممارسة العملية؛ فالهوية تترافق مع نُشوء الدولة وترسُم ملامحها، ولا يمكن تغييرها بقرار سياسيٍّ من الأعلى أو نصٍّ دستوري، فالشعوب لا تُنكر هوياتها، بينما النظام السياسي يُمكن تغييره عبر آليات الحكم الرشيد، فلا يمكن أن تكون هوية الدولة إسلاميةً عربيةً تاريخيًا وثقافيًا، ومن ثم يَتمُ تغييره من خلال قرارٍ سياسيٍ بناءً على مطالباتِ فئةٍ معينةٍ من مكونات الشعب.
البعد الديني: يُعتبر البعدُ الديني ركنًا أساسيًا في تكوين الهوية السورية الجامعة وعنصرًا جوهريًا في صياغة ضمير المجتمع. وفي سياق بناء الدولة المعاصرة تبرُز إمكانية تقديم قراءات فقهية ومقاصدية تستوعب مقتضيات المواطنة دون المساس بالثوابت المنصوص عليها؛ فبينما يظل قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] نصًا قرآنيًا محكمًا يؤسِّس لحرية الاعتقاد، فمن الممكن في العصر الراهن، ومن باب الاجتهاد الذي لا يُصادم الأصول، الانتقال نحو صيغة “المواطنة” آليةً معاصرة لتحقيق مقاصد الشريعة في العدل وحفظ الأنفس والأموال. إنّ هذا الطرح لا ينظر إلى الدولة الوطنية الحديثة بوصفها غايةً نهائية للتاريخ، بل يتعامل معها باعتبارها إطارًا واقعيًا لترسيخ قيم المساواة السياسية والقانونية، بما يضمن لجميع السوريين ممارسةَ شعائرهم وصونَ كرامتهم تحت مظلة الهوية الجامعة التي ترى في التنوع مصدرَ غنى وقوة.
الهوية الإسلامية العربية يجب أن تُفهم إطارًا للتلاحم الاجتماعي والتكامل، لا معيارًا للقبول الاجتماعي أو التفاضل
واقع التنوع في المجتمع السوري وعلاقته بجدلية تحديد الهوية:
التنوع العرقي: فالعربُ هم الغالبية، إلى جانب الكرد، والتركمان، والآشوريين وغيرهم، وهي تنوُّعاتٌ ينبغي التعامل معها ضمن إطار دولة وطنية واحدة مع ضمان الحقوق الثقافية.
التنوع الديني: حيث إنَّ الأغلبية سنّية (بين 75-80 %)، إلى جانب العلويين والدروز والمسيحيين بطوائفهم، وقد ابتدأ الانتدابُ الفرنسي ممارسة سياساتِ تقسيمِ المجتمع التي تهدف لإضعاف الأغلبية عبر “تمكين الأقليات”، وتعمَّق هذا الانقسام في عهد النظام البائد، ليتحول التنوع من مصدر غناء وطني إلى أداةٍ للاستقطاب السياسي نتيجةً التدخلات الخارجية والقمع الداخلي[14].
التنوع السياسي: فالانقسامات السياسية ينبغي أن تُحسم عبر العملية السياسية وليس عبر التنازع على الهوية الجامعة. فالهوية يجب أن توحد الدولة، بينما النظام السياسي يمكن أن يتعدد ويتغير.
وبتحليل السياق التاريخي للهوية السورية نجد أن جوهر المشكلة في سوريا هو أنَّ الأنظمة الشمولية السابقة استغلت الهوية الجامعة أداةً للإقصاء السياسي، وفرضت مفهوم الرعاية الأمنية بدلاً من منحها حقوق المواطنة الكاملة.
فمع انقلاب البعث في آذار عام 1963م أُعلنت حالة الطوارئ، وأُلغيت تراخيص الصحف والمطبوعات والمجلات وصودرت المطابع، لتتحوّل إلى الإعلام الحكومي المسيطَر عليه بعثيًا، ولتتمَّ السيطرة تباعًا على مختلف مجالات الفضاء العام السياسي الذي أصبح حكرًا على السلطة، ولتدخُل سوريا مرحلةً حرجةً على صعيد التنوع السياسي؛ إذ حُصر العملُ السياسي من خلال حزب البعث الذي نصّت عليه المادة الثامنة من دستور 1973م قائدًا للدولة والمجتمع، فأصبح الشعب بأكمله مجرّدًا ليس من الحقوق السياسية فحسب، ولكن من الحقوق المدنية التي تنصُّ على المساواة وعدم التمييز بين الأفراد أمام الدولة والقانون أيضًا[15].
بتحليل السياق التاريخي للهوية السورية نجد أن جوهر المشكلة في سوريا هو أن الأنظمة الشمولية السابقة استغلت الهوية الجامعة كأداة للإقصاء السياسي، وفرضت مفهوم الرعاية الأمنية بدلاً من منحها حقوق المواطنة الكاملة
الهوية السورية بين الأصالة والمعاصرة/ الاعتراف المتبادل بديلاً عن التنازل:
يقتضي التحديد المعاصر للهوية السورية إقامة موازنةٍ دقيقةٍ بين الأصالة التاريخية (ببُعديها الإسلامي والعربي) ومتطلبات الدولة الحديثة؛ حيث يُستخلص من القضايا التأسيسية السابقة ما يأتي:
1- تلازم الهوية الإسلامية والعربية وعاءً حضاريًا:
إنّ تأكيد النصوص الدستورية على الهوية العربية من خلال “اللغة” وعاءً ثقافيًا، وعلى الهوية الإسلامية مرجعيةً قيميةً وأخلاقيةً ودستورية، هو تعبيرٌ عن حقائقَ تاريخيةٍ وحضاريةٍ راسخةٍ لا تقبل الإنكار؛ فاللغة العربية لم تُطرح يومًا قوميةً إقصائية، كما أنّ الدين الإسلامي لم يكن نهجًا يستهدف المكونات الأخرى، بل كانا معًا الوعاء الحضاري الذي صاغ قيمَ المجتمع السوري ككل.
إنَّ الممارسة الدستورية في تأكيد هذه الهوية تهدف إلى صَون “ذاتية الدولة” واستقرارِها، مع التشديد على أنَّ هذه المرجعية الإسلامية العربية حاضنةٌ للحقوق وليست أداةً للتهميش؛ إذ تظلُّ المبادئ الأخلاقية والقانونية المستمدَّة من هذا الإرث هي الضمانةَ الأسمى لاحترام إنسانية الأفراد وحقوقهم ضمن إطارٍ وطني جامعٍ يتجاوز التفسيرات الإقصائية الضيقة.
2. نحو نموذج “الاعتراف المتبادل” في سوريا:
إنَّ جوهر المقترح هنا يكمُن في رفض خيارات الإلغاء القسري للهويات الفرعية من جانب، أو التنازل المتبادَل عن الهويات الفرعية لصالح هويةٍ علمانيةٍ يُزعَم أنها محايدة من جانب آخر، لصالح خيار ثالث متوازن هو الاعتراف المتبادل بين الهوية الجامعة التي تشكل هويةَ الغالبية العظمى للمجتمع السوري والتي تُشكّل الوعاءَ الحضاري والثقافي للدولة السورية عبر التاريخ، وبين الهويات الفرعية.
فالمقترح هنا لا ينطلق من افتراض وجود “نظام رعاية” مؤسساتي قائم حاليًا، بل يهدف إلى تحصين الهوية الجامعة من أن تُفهم مستقبلاً بمنطق الرعاية التقليدية، لذا فإنَّ الانتقال المنشود هو نحو “هوية المواطنة” التي تُخرج الهوية الإسلامية العربية من دائرة الجدل السياسي المباشر لتضعها في مكانتها الطبيعية كإطار حضاري جامع، بينما يتكفل الدستور بصياغة الحقوق والواجبات كعلاقة مباشرة بين الفرد والدولة. وهذا الاعتراف المتبادل يضمن دمج الجميع في مشروع وطني واحد، ويؤصل مفهوم الهوية الإسلامية العربية دستوريًا.
3. نحو رؤية عصرية للهوية العربية الإسلامية في سورية:
من وجهة نظرنا نجد أنَّ الرؤية العصرية للهوية السورية يجب أن تتجاوز الجدل وتستقرَّ على المبادئ التالية:
أ- المواطنة الكاملة: فهي الأساس الأوحد للحقوق والواجبات، تضمن حقوق جميع السوريين أفراداً، وتلغي أي شكل من أشكال التمييز على أساس الدين أو العرق أو المذهب.
ب- الاعتراف الدستوري المزدوج: اعتراف الدستور بالهوية الإسلامية العربية مرجعيةً للدولة، مع اعترافه الدستوري بذات الوقت باللغات والثقافات الأخرى جزءًا أصيلاً من التراث الوطني، يكفل حمايتها وتطويرها.
ج- التكامل والشراكة والمواطنة: من خلال تأكيد مفهوم “التكامل والشراكة والمواطنة” الذي يُرسِّخ مبدأ أنَّ الدولة قائمةٌ على شراكةٍ وطنيةٍ متساويةٍ لا تَفاضل فيها بين مكون وآخر.
إنَّ إعادة صياغة الهوية السورية ليست عملية إقصاء أو إلغاء، بل هي عملية تأكيد وتحديث؛ فالهوية الإسلامية العربية هي الأصالة الراسخة التي لا يمكن فصلها عن الجغرافيا والتاريخ السوري، وهي الإطار الثقافي الذي يوحد البلاد
الخاتمة:
إنَّ إعادة صياغة الهوية السورية ليست عملية إقصاء أو إلغاء، بل هي عملية تأكيد وتحديث؛ فالهوية الإسلامية العربية هي الأصالة الراسخة التي لا يمكن فصلها عن الجغرافيا والتاريخ السوري، وهي الإطار الثقافي الذي يوحِّد البلاد. ومُعاصرة هذه الهوية تقتضي استلهام قِيَمها الكبرى في العدل والإنصاف، لتقديمها في صيغٍ قانونية ودستورية معاصرة تُرسخ مفهوم المواطنة والحقوق المتساوية. إنَّ هذا التوجه لا يعني استيراد مفاهيم غريبة أو تقديم متطلبات العصر على الثوابت، بل هو استحضارٌ لروحِ الشريعة السمحة التي تقرر الحقوق وتصون الكرامة الإنسانية في كل زمان ومكان بأفضل من أيِّ تشريعٍ آخر. إنَّ هذا التكامل بين الأصالة والمعاصرة هو الكفيل بضمان أن تظل الهوية الجامعة هي الجسر الذي يعبر بسوريا من ضيق النزاعات الهوياتية إلى رحابة الدولة الوطنية الموحدة؛ حيث تكون قوة سوريا في تنوعها المحمي، ووحدتها في إطارها الجامع الذي يُعلي من شأن المواطنة قيمةً دستوريةً أصيلةً تحفظ للجميع مكانتهم ودورهم في بناء الوطن.
أ. حسين خاروفة
ماجستير في القانون، محاضر في كلية الحقوق جامعة إدلب
[1] واقع إشكالية الهوية العربية بين الأطروحات القومية والإسلامية، رسالة ماجستير محمد عمر أبو عنزة، جامعة الشرق الأوسط، 2011م، ص (1).
[2] نص دستور 1920م في المادة الأولى على دين الملك بأنه الإسلام “دين ملكها الإسلام” كما نص في المادة الرابعة على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية “اللغة الرسمية في جميع المملكة هي اللغة العربية”.
نص دستور 1930م في عهد الانتداب الفرنسي في المادة الثالثة “سورية جمهورية نيابية دين رئيسها الإسلام” كما نص في المادة الرابعة والعشرون “اللغة العربية هي اللغة الرسمية في جميع دوائر الدولة”.
نص دستور 1950م في المادة الأولى “سورية جمهورية عربية” كما نص في المادة الثالثة “دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي المصدر الرئيس للتشريع”.
نص دستور 1973م في المادة الثالثة “دين رئيس الجمهورية الإسلام” كما نص في المادة الرابعة “اللغة العربية هي اللغة الرسمية”.
نص دستور 2012م في المادة الثالثة “دين رئيس الجمهورية الإسلام” كما نص في المادة الرابعة “اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة”.
[3] الإثنية أو المجموعة الإثنية هي مجموعة من الأشخاص المتماثلين بصفات مشتركة متصورة تميزهم عن غيرهم من المجموعات الأخرى. قد تشمل هذه الصفات مجموعات مشتركة من التقاليد أو الأصول أو اللغة أو التاريخ أو المجتمع أو الأمة أو الدين أو المعاملة الاجتماعية داخل المنطقة التي يقطنونها.
[4] واقع إشكالية الهوية العربية بين الأطروحات القومية والإسلامية، ص (42).
[5] الهوية: مقاربة نظرية مفاهيمية، كانون جمال، ص (37)، مقال منشور بتاريخ 30/5/2016م على الرابط: https://asjp.cerist.dz/en/article/113216
[6] يمكن ملاحظة هذا النموذج في دول ديمقراطية مستقرة؛ مثل فرنسا التي تقوم هويتها الجامعة على اللغة والثقافة الفرنسية والارتباط بالجمهورية رغم التنوع العرقي، وألمانيا التي تشكل اللغة والثقافة الألمانية فيها الوعاء الجامع للمواطنين والمهاجرين على حد سواء.
[7] للتوسع أكثر ينظر: المسألة الدينية في دساتير دول العالم، جميلة هادي الرجوي، مجلة الأندلس للعلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد /34/ المجلد /7/ 2020م.
[8] المرجع السابق، ص (191).
[9] تحديد الهوية العربية الإسلامية في سوريا: مصلحة سياسية وتنموية، ورقة بحثية تم إعدادها من قبل مركز الحوار السوري، منشورة على الرابط: https://2u.pw/iEKvx5
[10] المسألة الدينية في دساتير دول العالم، ص (192).
[11] الهويات القاتلة، أمين معلوف، ص (72).
[12] انتقد نظام الملل سياسيًا وشرعيًا بأنه حوّل المكونات الدينية إلى كيانات شبه مستقلة ارتبطت ولائيًا بقوى خارجية في أواخر عمر الدولة العثمانية، مما ساهم في تفكيك النسيج الوطني. لذا فإنّ استحضار هذا النموذج اليوم ليس بغرض استنساخه حرفيًا، بل للاستدلال على مرونة الهوية الجامعة في استيعاب التعددية، مع ضرورة تطويرها لتناسب صيغة “الدولة الوطنية” الحديثة التي تقوم على أساس المواطنة لا المحاصصة الطائفية.
[13] مفهوم المواطنة بين مهاتير بن محمد ونور خالص مجيد، كمال بالهادي، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، العدد السابع 2024م، ص (15).
[14] للتوسع أكثر يراجع: إضاءات على إدارة التنوع في سورية، أحمد قربي ونورس العبد الله، مركز الحوار السوري، 2023م.
[15] المرجع السابق، ص (29).



