في كل مرة تشتدُّ فيها الأزمات الإقليمية ويتصاعد فيها صخب الصراعات؛ يجد المسلم نفسه أمام مشهدٍ متكرر: أحداثٌ جسام تهزّ المنطقة، وقلوبٌ تغلي، وألسنةٌ تلهج، لكن الأثر في ميزان الفعل لا يكاد يُرى، كما أنه من الواضح أننا على أعتاب تشكل نظامٍ عالميٍّ جديد.. والسؤال ليس: ماذا يحدث في العالم؟ بل: ماذا حدث فينا حتى أصبحنا نرى ولا نؤثر، ونتابع ولا نغيّر؟
لقد اعتدنا أن نفسّر ما نحن فيه بلغة القوة المختلّة، وموازين السياسة، وتقلّبات المصالح الدولية، ولا شك أن لهذا كله أثره الواضح، لكن التفسير الذي يقف عند هذا الحد يظل قاصرًا عن ملامسة الجذر الأعمق: أزمة المعنى قبل أزمة القدرة.
إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس ضعف القدرة، بل الرضا بالعجز، أو ما يمكن تسميته بـ”العجز المستراح إليه”: أن يتحول التفرّج من حالة اضطرار إلى نمطٍ مستقر، وأن تُغَلَّف السلبية بتبريراتٍ عقلانية، حتى يفقد الإنسان إحساسه بواجب الفعل أصلاً.
وليس هذا الحديث دعوةً إلى اندفاعٍ غير محسوب، ولا إلى تجاهل سنن الواقع، بل على العكس: هو دعوة إلى استعادتها، فالسنن الإلهية لا تحابي أحدًا، وقد جعل الله للتغيير شروطًا، وللنهوض مقدمات، فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].
إنَّ أخطر ما نعيشه اليوم ليس ضعف القدرة، بل الرضا بالعجز، أو ما يمكن تسميته بـ”العجز المستراح إليه”: أن يتحول التفرّج من حالة اضطرار إلى نمطٍ مستقر، وأن تُغَلَّف السلبية بتبريراتٍ عقلانية، حتى يفقد الإنسان إحساسه بواجب الفعل أصلاً
نقطة البداية:
إنَّ العالم الإسلامي اليوم لا يعاني من فراغٍ في الإمكانات، بقدر ما يعاني من اضطرابٍ في الرؤية، وترددٍ في الإرادة، وفقدانٍ للثقة بقدرته على أن يكون فاعلاً لا مجرد متلقٍ، ومن هنا فإن أي حديثٍ عن استعادة الدور لا يمكن أن يبدأ من الخارج، بل لا بدَّ أن يبدأ من إعادة بناء الإنسان: وعيًا، وإيمانًا، ومسؤولية.
وإذا كان مشهد الصراعات الكبرى يوحي بأننا على هامش التاريخ، فإنَّ سنن التاريخ نفسها تخبرنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا من موازين القوة الظاهرة، بل من تحولات المعنى في النفوس؛ من لحظةٍ يستعيد فيها الإنسان إدراكه لدوره، ويخرج من موقع المتلقي إلى موقع الشاهد الفاعل.
امتلاك القوة/ سنة إلهية ووصفة شرعية:
كان الأمر بكفِّ اليد في العهد المكي نابعًا من حالة الاستضعاف التي عانى منها المسلمون في مكة، وهذا مُفسَّر بقلة العدد، وضعف الشوكة، وإمكانية الاستئصال عند حدوث اشتباك، ومن حِكَمه الكثيرة: حاجة الدعوة إلى استخراج مكامن قوّتها المعنوية بعلوّ الحجة والبيان، ورسوخ الإيمان في القلوب، وتربية الرجال على معاني التوحيد والعبودية لله تعالى، والصبر على البأساء والضراء ومختَلَف صنوف العذاب.
ثم لما أذن الله بالهجرة إلى المدينة، ووجدت الحاضنة المناصِرة؛ جاء أمرُ الله تعالى بالإعداد وامتلاك القوة، فقال جل شأنه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60]، والخطاب لجماعة المسلمين وولاة الأمر منهم؛ لأنَّ ما يُراد من الجماعة إنما يقوم بتنفيذه وُلاة الأمور الذين هم وكلاء الأمة على مصالحها.
وإعداد القوة لفظ عام يشمل كل قوة للمسلمين، فاتخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتخاذ الدبابات والمدافع والطيارات والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا. ولا تقتصر القوّة على الجانب العسكري، بل تشمل قوة الإيمان، وقوة العلم، وقوة العمل، وقوة الصناعة، وقوة المال، وقوة الإعلام، وقوة الصف الداخلي، وغيرها من أنواع القوة بمفهومها الشامل مما يقوي المسلمين مقابل أعدائهم، ولا يكون التمكين إلا به.
وهكذا حرصت أمة الإسلام منذ الدولة النبوية ثم دولة الخلفاء الراشدين والدولة الأموية ومن بعدهم على امتلاك القوة المادية إلى جانب القوة المعنوية؛ لأنهم علموا أن السنة القدرية في إعزاز القيم والأفكار والأوطان لا يكون إلا بحمايتها بالشوكة والمنعة، وفعلوا ذلك اتباعًا للأمر الإلهي والتوجيه النبوي الذي يهدف لحماية بيضة المسلمين وزرع الهيبة والرهبة في قلوب أعدائهم.
إذا كان مشهد الصراعات الكبرى يوحي بأننا على هامش التاريخ، فإنَّ سُنَن التاريخ نفسها تخبرنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ دائمًا من موازين القوة الظاهرة، بل من تحولات المعنى في النفوس؛ من لحظةٍ يستعيد فيها الإنسان إدراكه لدوره، ويخرج من موقع المتلقي إلى موقع الشاهد الفاعل
الاعتماد على الحماية الخارجية وَصْفة للخذلان المستمر:
الانحدار الذي أصاب المسلمين في قرونهم الأخيرة في السياسة والقوة العسكرية والاقتصادية لم يكن إلا نتيجة طبيعيةً لابتعادهم عن النهج النبوي الصافي وركونهم إلى الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تبايعتُم بالعِينةِ وأخذتم أذنابَ البقرِ، ورضيتُم بالزرعِ وترَكتمُ الجِهادَ سلَّطَ اللهُ عليكم ذلّاً لا ينزعُهُ حتى ترجعوا إلى دينِكُم)[1]، فتسلط عليهم أعداؤهم وقسموهم إلى دول متناحرة، وزرعوا الفتنة بينهم، وصارت هذه الدول تابعة للقوى الكبرى معتمدة عليها في السياسة والاقتصاد والدفاع وغير ذلك.
ورغم الخذلان المتكرر من القوى الخارجية (أمريكية أو أوروبية أو حتى إقليمية)، ما تزال كثير من الدول العربية والإسلامية تعتمد بشكل أساس على تحالفات ومظلات أمنية خارجية لحماية سيادتها ومواردها، مع إهمالٍ واضحٍ لبناء القدرات الدفاعية الذاتية، ولتعزيز الثقة والتلاحم مع الحاضنة الشعبية.
وبالنظر إلى لتاريخ القديم والحديث نجد أن الاعتماد على الضمانات الخارجية من قواعد عسكرية، أو مبيعات أسلحة، أو دعم قانوي في المحافل الدولية، لم يصمُد أمام الهجمات والاعتداءات المختلفة، ولعل آخرها ما وقع للعديد من الدول العربية من الهجمات الإيرانية، والتي كشفت حدود هذه الضمانات وحقيقتها، بل أدت في العديد من الحالات إلى تعقيد الصراعات بدلاً من حلها.
ولعل من أبرز ما يُفسّر هذا النمط من الاعتماد على الخارج اختلال العلاقة بين بعض الأنظمة ومجتمعاتها؛ إذ تنظر بعض الحكومات إلى شعوبها بوصفها مصدر تهديد محتمل لاستقرار الحكم، مما يدفعها إمّا إلى تبنّي مقاربات أمنية صارمة تُغَلِّب السيطرة على بناء الثقة، أو إلى الاتكاء على الحماية الخارجية لضمان بقاء النظام في مواجهة أي ضغط داخلي.
ويضاف إلى ذلك اعتبارات سياسية تتعلق بإدارة التوازنات الإقليمية أو إدارة التهديدات المتقابلة، كالتعامل مع التهديدات الواردة من إيران وإسرائيل؛ مما يدفع في المحصلة إلى استمرار الاعتماد على “الحامي الخارجي”. ومن ذلك غياب تفعيل الاتفاقات البينية المشتركة وتجميدها، اقتصاديةً كانت أو دفاعيةً أو غيرها، مع اتهامات متبادَلة بالخِذلان؛ الأمر الذي يؤدي إلى زيادةٍ في الاعتماد على الخارج الأجنبي وعدم الثقة بالجار القريب.
كما تسهم بعض السياسات الاقتصادية والاجتماعية في ترسيخ هذا المسار، حيث يُلجأ أحيانًا إلى شراء السلاح كحلٍّ سريع بَدَلَ الاستثمار في بناء قدراتٍ محليةٍ مُستدامة، إلى جانب أنماط من السياسات القائمة على كسب الولاءات وتسكين الأوضاع مرحليًا، وهو ما يؤخر الإصلاحات الحقيقية ويُبقي الحاجة إلى الدعم الخارجي قائمة.
ما أشبه حالنا اليوم بما قرّره أهل النظر في التاريخ، حين بيّنوا أن سقوط الأمم لا يبدأ من حُدودها، بل من داخلها؛ من تآكل المعاني التي كانت تجمعها، وتضبط حركتها، وتمنحها القدرة على التضحية والبناء. فإذا ضعفت هذه المعاني، لم تعد كثرة العدد ولا وفرة الموارد كافيةً لبعث الفعل
أمثلة على آثار الاعتماد الخارجي:
في سوريا رأينا كيف أنَّ النظام البائد رهن قراره وسيادته واقتصاده للخارج، وأدى اعتمادُه على روسيا وإيران في قمع الثورة إلى دمارٍ كبيرٍ للبلاد، وملايين الضحايا، في حين بقيت هذه القوى بعيدةً عن كلفة هذا الدمار.
وفي الخليج أدى الاعتماد على الضمانة والحماية العسكرية الغربية إلى الكشف عن هشاشة هذا الاعتماد حين هاجمت إيران المنشآت الاقتصادية والمدنية والعسكرية في ظل خذلانٍ أمريكي مكشوف، وجعل الخليج “رهينة” لمصالح واشنطن، بل يمكن القول إن الاعتماد على الحماية الأمريكية جعل دول الخليج هدفًا مشروعًا للنيران الإيرانية التي فاقت في العدد ما وجه منها إلى الأهداف الأمريكية والإسرائيلية مباشرة.
والأمر لم يقتصر على الدول العربية والإسلامية، فقد وجدت الدول الأوروبية نفسها مكشوفة أمام الخطر الروسي الداهم، بعد أن ركنوا إلى الحماية الأمريكية عن طريق قواعدها المنتشرة في القارة ضمن ترتيبات حلف شمال الأطلسي، وبعد أن أعلن زعيم البيت الأبيض تخليه عن حمايتهم شرعوا يتراكضون نحو التسلح وزيادة النفقات العسكرية وإنشاء الجيوش والاستعداد للحروب. ووضعُ اليابان وكوريا الجنوبية ليس بعيدًا عنهم في مواجهة القوة الصينية.
وهذا كله كشف عن تعقيد هذا الاعتماد للصراعات أكثر من تبسيطها وحلها، وجعل الدول رهينة لمصالح الآخرين.
إهمال “الحاضنة الشعبية”:
بالإضافة للاعتماد الخارجي أهملت معظم الدول العربية بناء “حاضنة شعبية” حقيقية تتلاحم فيها السلطة والشعب اعتمادًا على الثقة والمشاركة، وحلّ محلّها نمطٌ من العلاقة المتوترة بين السلطة والمجتمع، غلب فيه منطق الضبط الأمني، إضافة إلى كثير من الظلم والمصادمة الصريحة لهوية الشعوب، وتطبيق سياسات النهب والتنفع الشخصي من خيرات البلاد، وإهمال بناء اقتصاد قويّ منتج وجيش وطني متماسك؛ مما أدى إلى أزمةِ شرعية، تجلّت في احتجاجات “الربيع العربي” 2011م، التي تحولت إلى ثورات؛ لأنّ الشعوب لم تشعر يومًا بالانتماء للدولة، وكانت النتيجة أن فقدت السلطةُ شرعيتها الشعبية وانعزلت عنها، وصارت عرضةً للضغوط والتدخلات الخارجية أو الانهيار الداخلي.
وما أشبه حالنا اليوم بما قرّره أهل النظر في التاريخ، حين بيّنوا أن سقوط الأمم لا يبدأ من الخطر القادم عبر الحدود، بل من داخلها؛ حين تضعف المعاني الجامعة التي تقوم عليها، فلا تعود كثرة العدد ولا وفرة الموارد كافيةً لبعث الفعل.

البدائل والحلول:
المطلوب اليوم ليس خطابًا يضاعف الإحباط، ولا شعاراتٍ تستهلك الغضب، بل رؤيةٌ تعيد ترتيب الأولويات، بالانتقال من ردود الأفعال إلى بناء الأفعال، والخروج من هذا النموذج يتطلب تحولاً استراتيجيًا في مختلف المجالات، ومن أهمها:
الإصلاح السياسي الداخلي:
من أهم الحلول وأولاها: الإصلاح الداخلي الحقيقي، الذي يعزز التلاحم الشعبي من خلال تمكين المجتمع وتقويته وتركه ليتعافى من مشكلاته ذاتيًا دون تدخلات مقيدة أو تحكّم معطّل، وإتاحة مشاركة سياسية حقيقية للشعب، مع عدالة اجتماعية واعية، فإذا شعر الشعب بالانتماء للدولة وبالتقدير فإنه سيبذل جهده في البناء، وسيكون هو خط الدفاع الأهم.
وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم أول ما هاجر إلى المدينة؛ فبدأ بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لتأسيس رابطةٍ تتجاوز عصبيَّات الجاهلية، وتذوب فيها فوارق النسب واللون والوطن، فلا يتقدّم أحدٌ أو يتأخر إلا بمروءته وتقواه. وهذه المؤاخاة نوعٌ من السبق السياسيِّ في تأصيل المودة، وترسيخها في وجدان الجماعة المؤمنة في المدينة، حتى غدت سلوكًا عمليًا يتواصى به الجميع، ويتسابقون إلى تجسيده، ولا سيما الأنصار الذين ضربوا أروع الأمثلة في البذل والإيثار، ولا يجد الكُتَّاب والباحثون في وصفهم -مهما تساموا إلى ذروة البيان- خيرًا من حديث الله عنهم: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9][2].
ثم عقد صلى الله عليه وسلم ميثاقًا ينظم العلاقة بين ساكني المجتمع الجديد عُرف بوثيقة المدينة، وهي صحيفةٌ مكتوبةٌ أرست إطارًا ناظمًا للتعايش بين مكوناته الرئيسة: المهاجرين، والأنصار من الأوس والخزرج، واليهود بطوائفهم. وقد جاءت هذه الوثيقة في سياقِ واقعٍ كان يعاني من توتّرات سابقة، فأسّست لعلاقة تقوم على التعاون المنظَّم، واحترام الخصوصيات، وضبط المصالح المشتركة.
وتضمّنت هذه الوثيقة جملة من المبادئ التي تحكم هذا التعايش، من أبرزها: حفظ الأمن العام، وتحديد المسؤوليات، وضمان الحقوق، والمشاركة في الدفاع، واستقلال كل طائفة في شؤونها المالية، ونصرة المظلوم، مع إتاحة عقد التحالفات بما لا يخل بمصلحة الدولة[3].
الاهتمام ببناء الإنسان، والتنمية الاقتصادية:
فمن أهم الحلول: إصلاحُ التعليم والتدريب المهني وتقليلُ البطالة بين الشباب، وتشجيعُ الريادة للمشاريع الصغيرة، وإيجادُ صيغةٍ مناسبةٍ لبناء اقتصادٍ وطني متنوع وقوي ومستقل، وتعزيزُ الصناعة والإنتاج المحلي.
والناظر في السيرة النبوية يجد أن بناء الإنسان علميًا ومعرفيًا كان جزءًا أصيلاً من مشروع النهوض؛ فقد بدأت المرحلة المكية بتأسيس الوعي وترسيخ العقيدة كما تجلّى في دار الأرقم التي شكّلت نواةً مبكرة للتعليم المنظّم وصناعة الجيل، ثم تواصل هذا البناء في المدينة عبر المسجد الذي لم يكن مجرد موضع عبادة، بل مؤسسة جامعة للتعليم والتوجيه وصناعة الوعي، كما استُثمرت بعض الوقائع -كجعل تعليم القراءة والكتابة مقابل فداء أسرى معركة بدر- في توسيع قاعدة المعرفة داخل المجتمع، بما يعزز قدرته على النهوض والاستقلال.
وإلى جانب ذلك، اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم ببناء قاعدة اقتصادية منضبطة، فعمل على تنظيم السوق، ومنع الغش والاحتكار، وإرساء معايير العدل في المعاملات، بما يحفظ الثقة بين أفراد المجتمع، ويشجع على الإنتاج والكسب المشروع، كما أسهمت تشريعات كالزكاة والوقف في إيجاد موارد مستدامة تدعم التكافل الاجتماعي وتُخفف الفوارق، وهو ما شكّل أساسًا لاقتصاد متماسك يُسهم في الاستقرار الداخلي ويعزز عناصر القوة الشاملة.
في عالمٍ متعدد الأقطاب لا يبدو الاستغناء عن التحالفات الخارجية ممكنًا، لكن الحكمة تقتضي تنويعها وبناءها على أساس التوازن لا الارتهان، بحيث لا تُحسب الدولة على طرفٍ بعينه، وتحافظ على استقلال قرارها ومصالحها
بناء القوة والتدرج في التمكين:
ولا يحصل ذلك إلا ببناء قدرات دفاعية ذاتية بتطوير صناعات عسكرية محلية، وجيوش وطنية محترفة غير مسيسة، تحمل هوية البلاد وتحمي أهلها وتشعرهم بالفخر والاعتزاز.
وقد جاء في وثيقة المدينة بنودٌ تنص على مشاركة جميع ساكني المدينة في الدفاع عنها، ومنع تحالفهم مع أعداء المدينة. وكان من أول أعماله صلى الله عليه وسلم تنظيم صفوف الصحابة وإرسال السرايا لتعقب قوافل قريش، والتي تُوّجت بالنصر الكبير في بدر، ثم استمر العمل العسكري حتى وقّع النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش صلح الحديبية الذي سماه الله تعالى فتحًا؛ فقد كان بمثابة اعترافٍ من قريش بدولة المدينة، ثم تكلل العمل العسكري بفتح مكة والطائف ودخول الناس في دين الله أفواجًا، والذي فتح الطريق إلى بدء المواجهة العسكرية مع أقوى مملكتين في ذلك الوقت (فارس والروم).
لا تسقط الأمم حين تُهزم، بل حين تقبل الهزيمة بوصفها قدرًا.. والقوة لا تبدأ من السلاح، بل من استرداد الإنسان وعيه بأنه قادرٌ على الفعل
الاستقلالية وتنويع التحالفات الخارجية:
في عالم متعدد الأقطاب يبدو أن الاستغناء عن التحالفات الخارجية أمر بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، والحل حينها بإقامة توازنات في التحالفات، وهذا ليس مجرد خيار استراتيجي، بل إن الارتهان لقوةٍ بعينها هو وصفةٌ للضعف المزمن. فالعالم اليوم يشهد حالة من التحوُّل والتغير المستمر، بما في ذلك القوى العظمى التي شكّلت النظام العالمي، وهذا التغير يخلق مساحات وفراغات تمثل فرصًا للدول الساعية إلى النهوض.
وفي ظل هذا التغير يعدُّ من الخطأ الرهانُ على قوّةٍ بعينها، بل الحكمة تقتضي الموازنة بين القوى بحيث لا تحسب على طرف من الأطراف، ولا تنجر إلى حروب ومغامرات غير محمودة العواقب، وتبقى مهابة الجانب محترمة الحمى.
لكن هذا التنويع يتطلب سعيًا للاستقلال والتخلص من التبعية، وتماسكًا داخليًا كما سبقت الإشارة إليه، ووجودَ رؤيةٍ للبلاد ومستقبلها، أما تخلصُ القادة من حظوظهم الشخصية ومآربهم الذاتية فهو من نافلة القول في مثل هذا المقام.
وتتجلى هذه المعاني بوضوح في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يخضع لإملاءات قريش، ولم يُقِرّ اعتداءها على أموال المهاجرين، بل سعى إلى استرداد بعض تلك الحقوق عبر اعتراض قوافلها التجارية، في إطار إدارة الصراع معها بما يحفظ كيان الجماعة الناشئة. كما لم يرضخ لما طُرح عليه في غزوة الخندق من محاولة استرضاء غطفان بالتنازل عن جزء من ثمار المدينة؛ إذ مالَ أول الأمر إلى إعطائهم الثلث دفعًا للخطر، فلما أشار عليه أسيد بن حضير رضي الله عنه بترك ذلك، عَدَلَ عن الفكرة واختار المواجهة، مؤكدًا استقلال قرارهِ وعدم قبوله ابتزازًا يمسّ مصلحة المجتمع[4]، وبعد صُلح الحديبية باشر النبي صلى الله عليه وسلم إرسال الرسل للملوك ودعوتَهم للإسلام، واستقبل الوفود التي جاءت تُعلن إسلامها من مختلف قبائل الجزيرة العربية، وهكذا رُسمت معالمُ الدولة النبوية ومعالمُ استقلالها وقوتها.
أمثلة واقعية للأمل:
في ثنايا الصورة القاتمة الجاثمة على الصدور اليوم بصيصُ من الأملٍ، يتمثل في وجود نماذجَ معاصرة استطاعت نفض الغبار عن أجنحتها وجربت التحليق بعد مُكثٍ طويل، فهناك رواندا التي خرجت من حربٍ مدمرة أهلكت البشر والحجر، وها هي تعد في مقدمة الدول النامية اليوم، وسنغافورة التي استطاعت أن تبني اقتصادًا قويًا بعد أن كان ينهشها الفقر والعوز، وماليزيا وهي دولةٌ متعددة الأعراق والأديان استطاعت دمج الجميع في دولة مستقرةٍ قويةٍ، وتركيا التي تعمل بجدٍّ لتثبيت استقلالها السياسي بين اللاعبين الكبار، واستمرار تقدمها الصناعي العسكري.
وجميع هذه الدول انطلقت من مجتمعها الداخلي بالإصلاح السياسي والتقوية التنموية، وتوفير العدالة، والتلاحم مع الشعب، حتى استطاعت الانتقال للإنجازات المشهودة على المستوى الخارجي، وهي نماذج تثبت أنه إذا توفرت الإرادة والرغبة فإن تحقيق الإنجازات ممكن مهما كانت الظروف والتحديات.
يتبيّن مما سبق أن الخلل لم يكن في ندرة الإمكانات بقدر ما كان في اضطراب الرؤية واختلال العلاقة بين الداخل والخارج، وأن استعادة الفاعلية لا يمكن أن تتحقق إلا بإعادة ترتيب الأولويات؛ بدءًا من بناء التماسك الداخلي، وتعزيز الثقة بين المجتمع والدولة، وتحرير القرار من الارتهان، والانتقال من ردود الأفعال إلى صناعة الفعل.
لا تسقط الأمم حين تُهزم، بل حين تقبل الهزيمة بوصفها قدرًا.. والقوة لا تبدأ من السلاح، بل من استرداد الإنسان وعيه بأنه قادر على الفعل.
جميع تجارب الدول الناهضة انطلقت من مجتمعها الداخلي بالإصلاح السياسي والتقوية التنموية، وتوفير العدالة، والتلاحم مع الشعب، حتى استطاعت الانتقال للإنجازات المشهودة على المستوى الخارجي، وهي تثبت أنه إذا توفرت الإرادة والرغبة فإن تحقيق الإنجازات ممكن مهما كانت الظروف والتحديات
أسرة التحرير
[1] أخرجه أبو داود (3462).
[2] بتصرف من مقالة: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من دعائم دولة الإسلام، للدكتور علي الصلابي، موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين iumsonline.org/ar/ContentDetails.aspx?ID=10174.
[3] بتصرف من مادة: أسس المجتمع الإسلامي الجديد: وثيقة المدينة.. حقوق المواطنة وواجباتها.. درس في السيرة النبوية، موقع وزارة الأوقاف والشؤون المغربية.
[4] السيرة الحلبية (2/245).



