قضايا معاصرة

منطلقات النهضة العلمية في التاريخ الإسلامي

قامت النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية على منهجٍ عقليٍّ مؤسَّسٍ على الوحي، جمع بين التفكّر والتجربة، وربط المعرفة بعبادة الله وعمارة الأرض. وفي ظلّ دعم الخلفاء لحركة البحث والترجمة ازدهرت علوم الشريعة واللغة، وتقدّمت الصيدلة والفلك والرياضيات بإسهامات أصيلة سبقت الغرب ومهّدت له. إنّها حضارة صنعت أدواتها، وأبدعت نظرياتها، وأقامت توازنًا بين العقل والأخلاق.

المسلمون وتقدّمهم المنهجي:

إنّ تطوّر العلوم إجمالاً في ظلّ الحضارة الإسلامية لم يكن ناشئًا عن فراغٍ، بل هو نتيجة منطقية لمناهج اتّبعها علماء الإسلام، وهذه النتيجة ثمرة تفكير علمي عقلاني متميز أسس له الوحي، وساهم برعايته الخلفاء والوزراء الذين شاركوا بجهودهم في دفعِ مسارِ التطور المستمر للعلوم الشرعية والعقلانية والإنسانية.

وتؤكّد المستشرقة الألمانية المعروفة زيجرد هونكه هذا المعنى بقولها: “إن العرب (المسلمين) هم الذين ابتدعوا طريقة البحث العلمي الحق القائم على التجربة، وطريقة البحث العلمي هذه هي التي مهدت أمام الغرب طريقه لمعرفة أسرار الطبيعة”[1]، أما برتراند راسل فيصف المسلمين في العصور الأوربية المظلمة بأنهم: “هم الذين يحملون مقاليد الحضارة ولهم فضل كبير في تحصيل المسيحيين -أمثال روجر بيكون-كل المعارف التي تهيأت للشطر الأخير من العصور الوسطى”[2]، وقد صرّح العالم التركي المجتهد فؤاد سزكين بكلمات معبرة وقال بوضوح: “إن الحضارة الغربية هي ابنة الحضارة الإسلامية، ولقد استفادت العلوم الغربية من مصر القديمة، وبابل، فالإسلام، وإن ما قُدم لنا على أنه غربي ما هو إلا استمرار وامتداد للعلوم الإسلامية”[3].

إنّ هذا التقدّم في العلوم رافقه تقدم في مباحث كثيرة، منها الفلسفة والتفكير العقلاني الأصيل الذي شارك فيه علماء الفقه والأصول مشاركة أساسية لا غنى عنها، وقد أضافوا الكثير من المفاهيم والتصورات؛ فمثلاً نجد أنّ أوّل محاولة لوضع مباحث الأصول كعلم مستقل كانت عند الشافعي، غير أنّ هذه المحاولة كانت تقنينًا لما سبقها مما وصل إليه الفكر الإسلامي؛ فـ “ابن عباس رضي الله عنهما وضع فكرة العام والخاص، وذكر عن بعض الصحابة الآخرين فكرة “المفهوم”، ووُضِع في العصر الأول والثاني قواعد للقياس وشرائط العلّة”[4].

الوحي يؤسس منهجًا للعقل:

ومما أصّل لهذه المنهجية وأسّسَ لها وقدّم لكافة العلوم طريقةً في البحث وبُنى التفكير: وجود الوحي متمثلاً بالقرآنِ والسنّة؛ فقد صدرت الصياغة المنهجية العقلية للمعارف العلمية في لحظة التأسيس من خلال: علوم الوحي (التفسير والأصول والحديث)، وعلوم الآلة (اللغة والنحو)، وعلوم الحال (الرياضيات، الفيزياء)، وانبثقت طرق الاستدلال بالتتبع عن هذه الصياغة المنهجية الخاصة[5].

إنّ وجه التأسيس لمنهجية العقل بواسطة الوحي معتمد بالضرورة على التوجيهات الواردة قي القرآن والسنة النبوية التي تحثّ على التفكّر والتعقّل وإضافة القيم التربوية الأخلاقية؛ إذ إن مدى التفكير العلمي في التربية الإسلامية هو انتفاع الناس بنتائج هذا التفكير الذي هو نشر المعرفة وتعليم الناس وتزكية نفوسهم[6]، وهو يهدف إلى الشمولية وتحقيق الهدف الأسمى في حياة الإنسان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بمعناها الواسع الشامل[7]، ونستطيع أن نقول بوضوح: إن الإسلام وضع الإنسان العربي وجهًا لوجه أمام الطبيعة والكون بكل ما فيهما من ظواهر وحركات وموجودات، وشجعه على طلب المعرفة الصحيحة وفهم الحياة، والاستغناء عن الفكر الخرافي[8].

كما جاءت التوجيهات القرآنية محمّلة بكثرة الحثِّ على التدبّر والتفكّر، وبكلمات الإمام الغزالي: “كثر الحث في كتاب الله على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم … وإنّ الفكر هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها، وهذا هو الذي يكشف لك فضيلة التفكر، وأنه خير من الذكر والتذكر، لأن الفكر ذكر وزيادة”[9].

وتتميز التوجيهات الربانية الحاثة على التفكّر بتنوعها وغزارتها وكثرة مآلاتها وعظيم أهدافها، ومن هذه الأهداف:

1. الاستدلال على وجود الخالق وتعميق الإيمان به[10]، فقد قال تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191].

2. الكشف عن السنن الإلهية في بناء الكون وأحداثه وظواهره، ونرى في القرآن الكريم آيات فيها إشارات في علم الفلك والفضاء، ولعمري هي إشارات يتجلى فيها الإعجاز العلمي بشكلٍ واضح[11]. ومن هذه الآيات: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13]، {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ 6 وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ 7 تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 6-8].

3. الكشف عن السنن الإلهية في حياة البشر والمجتمعات وقيام الحضارات واندثارها[12]، فقال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137].

هذه نماذج من الآيات الداعية إلى التفكّر والتدبّر، وأهدافها أوسع وأعمق؛ إذ في كل آية دعوةٌ لتأمّل الخلق وتدبّر سنن الكون التي تبهر أولي الألباب.

وضع الإسلامُ الإنسانَ العربيَ وجهًا لوجه أمام الطبيعة والكون بكل ما فيهما من ظواهر وحركات وموجودات، وشجعه على طلب المعرفة الصحيحة وفهم الحياة، والاستغناء عن الفكر الخرافي.

الخلفاء والحركة العلمية:

إنّ هذه التوجيهات القرآنية والنبوية تنفع الفرد وتدفعه بواسطة منهاجِها الرباني للتدبر، ولكن للدخول في حيز البحث العلمي والتجربة المستفيضة في ظواهر الأمور لا بد من وجود قوة مادية وظروف ملائمة تدفع هذه التوجيهات لتأخذ دورًا أكبر ومسارًا أوسع وأثرًا أعظم، والقوة المادية هنا تمثّلت بإسهام الخلفاء والوزراء تحت ظل الخلافة الإسلامية في دفع عجلة تطور العلوم، وذلك من خلال وسائل متعددة ولعل أبرزها: الاهتمام الشخصي لولاة الأمرِ بالعلوم سواء كانت تلك العلوم علومًا شرعية أو دنيوية نافعة.

ومن أمثلة هذا الاهتمام الشخصي للخلفاء فيما يخص العلم والعلماء: أن الأمير الأموي خالد بن يزيد كانَ مهتمًا بشغف بالكيمياء، وذكر ابن النديم أنه كان “يُسمّى حكيم آل مروان، وكان فاضلاً في نفسه، له همّة ومحبة للعلوم، خَطَر بباله الصنعة (الكيمياء)، فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين -ممن كان ينزل مدينة مصر وقد تفصَّح بالعربية- وأمرهم بنقل الكتب من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي، وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة”[13] وكانت هذه الترجمة لكتب الكيمياء قد سبقت دار الحكمة في بغداد، ولم يقتصر الدور الأموي في نشر العلم في شخص العميل، بل تعداه إلى مسألة تنظيم وتدوين العلوم وتعريب الدواوين وذلك في عهدي الخليفتين عمر بن عبدالعزيز وعبدالملك بن مروان.

كما عُرِف عن خلفاء بني العباس اهتمامهم الشديد بهذا الجانب؛ إذ أكرموا العلماء وأحسنوا إليهم حيث إن حصيلة بني العباس العلمية دفعتهم إلى تشجيع الحركة العلمية والحث على طلب العلم، وفي سبيل ذلك صرفوا الأموال والأعطيات الباهظة، ومن هؤلاء الخلفاء المحمودين في هذا الميدان الخليفة أبو جعفر الذي كان كَلِفًا بعلم صناعة النجوم، فكان أول خليفة من بني العباس اعتنى بتقديم أهل العلم، وقرب أهل الحكمة… وقدم إليه رجل من الهند في سنة ست وخمسين ومائة، عالم بحساب السندهند في حركات الكواكب… فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى العربية… فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاري[14].

وهو أول من ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية؛ فقد أمر الخليفة أن ينقل كتاب في حركات النجوم والمعروف بكتاب السندهند سنة ١٥٦ه، حيث ترجم إلى العربية، بالإضافة إلى المقالات الأربعة لبطليموس في صناعة أحكام النجوم التي نقلها أبو يحيى البطريق، كما نقلت العديد من الكتب قام المنصور بطلبها من ملك الروم، واقتفى المهدي سيرة والده في التشجيع على التأليف، وكان المهدي أولَ من أمر الجدليين من أهل البحث من المتكلمين بتصنيف الكتب في الرد على الملحدين ممن ذكرنا من الجاحدين وغيرهم، وأقاموا البراهين على المعاندين، وأزالوا شبه الملحدين فأوضحوا الحق للشاكين[15].

وأما الخليفة المأمون فهو عالم خلفاء بني العباس؛ ففي عهده كانت ذروة الحركة العلمية والترجمة، وكان ذلك بالتأكيد نتيجة الدعم الفائق للخليفة العباسي واهتمامه بالعلوم العقلية خصوصًا الفلسفة؛ فهو الذي بعث البعوث إلى “القسطنطينية” و”الإسكندرية” و”أنطاكية” وغيرها من المدن للبحث عن مؤلفات علماء اليونان، وأجرى الأرزاق على طائفة من المترجمين لنقل هذه الكتب إلى اللغة العربية، وأنشأ مجمعًا علميًا في بغداد، ومرصدين أحدهما في بغداد والآخر في “تدمر”، وأمر الفلكيين برصد حركات الكواكب، كما أمر برسم خريطة جغرافية كبيرة للعالم[16].

للدخول في حيز البحث العلمي والتجربة المستفيضة في ظواهر الأمور لا بد من وجود قوة مادية وظروف ملائمة تدفع هذه التوجيهات لتأخذ دورًا أكبر ومسارًا أوسع وأثرًا أعظم.

الصيدلة في ظل الحضارة الإسلامية:

إنّ التقدّم الفريد الذي حصل في العلوم الشرعية رافقه تقدّم هائلٍ في مضمار العلوم العقلية ومن ضمنها الصيدلة التي جعلها المسلمون تخصصًا منفصلاً عن الطب، ويمكننا أن نقول: إن الصيدلة اختراع عربي (إسلامي) أصيل[17]، فالمسلمون أسهموا في الجانب العملي من الصيدلة؛ فقد اكتشَفوا الأشربة والمستحلبات والخلاصات العِطرية، وهم أول من استعمل الحشيش والأفيون والزوان في عملية التخدير، إلا أنه من أهم مآثر المسلمين وإنجازاتهم في ميدان الصيدلة والأدوية: إدخالها (أي: إدخال الصيدلة والأدوية) في نظام المراقبة والحسبة، وبذلك قد نقلوا المهنة من تجارة حرة يعمل فيها من يشاء إلى مهنة خاضعة لمراقبة الدولة[18].

ولنعرف كيف كان يجري نظام المراقبة آنذاك نذكر هنا حادثة حصلت في أيام الخليفة المعتصم بن الرشيد، وخلاصة الحادثة أنه بينما كان الأفشين حيدر بن كاوس أحد قواد جند المعتصم في معسكره وهو في محاربة بابك سنة ٢٢١هـ وكان معه زكريا الطيفوري الطبيب، أمره بإحضار جميع مَن في عسكره مِن التجار وحوانيتهم وصناعة كل رجل منهم. فرفع ذلك إليه، فلما بلغت القراءة بالقارئ إلى موضع الصيادلة قال الأفشين لزكريا الطيفوري: يا زكريا ضبط هؤلاء الصيادلة عندي أولى مما تقدم فيه، فامتحنهم حتى نعرف منهم الناصح من غيره، وكذا استُنَّ امتحان الصيادلة منذ ذلك الوقت؛ أي: منذ عام 221هـ/836م[19].

ومن جملةِ الإسهاماتِ الدقيقة للعلماءِ المسلمين والعرب في الصيدلة: اهتمامهم بالمعايير الصيدلانية التي تسمى الآن “دستور الأدوية”، ولهم في ذلك مؤلفات ضخمة خصوصًا علماء الأندلس، ومنهم على سبيل المثال: أبو الفضل داود بن أبي البيان، الذي وصفه ابن أبي أصيبعة في كتابه “عيون الأنباء في معرفة الأطباء” بأنه “كان شَيخًا محققًا للصناعة الطبية متقنًا لها، متميزًا في علمها وعملها، خبيرًا بالأدوية المفردة والمركبة، وهو أقدر أهل زمانه من الأطباء على تركيب الأدوية ومعرفة مقاديرها وأوزانها على ما ينبغي، حتى إنه كان في أوقات يأتي إليه مِن المستوصفين مَن به أمراض مختلفة أو قليلة الحدوث، فكان يملي صفات أدوية مركبة بحسب ما يحتاج إليه ذلك المريض من الأقراص والسفوفات والأشربة أو غير ذلك في الوقت الحاضر وهي في نهاية الجَودة”[20].

وفي الموسوعة البريطانية تذكر أن كثيرًا من أسماء الأدوية وكثيرًا من مركباتها المعروفة حتى يومنا هذا، وفي الحقيقة المبنى العام للصيدلة الحديثة -فيما عدا التعديلات الكيماوية الحديثة- قد بدأه العرب[21].

إذن وبازدهار صناعة الصيدلة وجد الصيادلة المسلمون مجال خصبًا للإبداع، فقطعوا شوطًا كبيرًا عندما استفادوا من علم الكيمياء في إيجاد أدوية جديدة ذات أثر في شفاء بعض الأمراض، إضافة إلى ذلك قادهم البحث الجاد إلى تصنيف الأدوية استنادًا إلى منشئها وقوتها، كما قادتهم تجاربهم إلى إيجاد أدوية نباتية لم تكن معروفة من قبل؛ كالكافور والحنظل والحناء.

وكذلك من وجوه الاهتمام الإسلامي في مهنة الصيدلة: البراعة في تحضير الأشكال الدوائية المختلفة؛ فلم تقتصر على الأعشاب المفردة، بل شملت المركبات المعقدة مثل الأدهان، والمراهم، والمساحيق، والأكحال، والسفوفات، واللزوق، والشراب المحلى الذي هو ابتكار عربي أصيل انتقل إلى أوروبا بنفس اسمه العربي[22].

من أهم مآثر المسلمين وإنجازاتهم في ميدان الصيدلة والأدوية: إدخالها (أي: إدخال الصيدلة والأدوية) في نظام المراقبة والحسبة، وبذلك قد نقلوا المهنة من تجارة حرة يعمل فيها من يشاء إلى مهنة خاضعة لمراقبة الدولة.

الفلك وأبرز علمائه:

في كتابه المهمّ “الإسلام مبدع العصر الحديث” يتحدث وحيد خان عن وجود ثورة حقيقية شهدها ميدان التفكير العلمي، ارتبطت بالتخلص من الشرك، وقد وصلت الحركة المبنية على أساس التوحيد لمرحلة الثورة بفضل جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ونتيجة لذلك تراجعت النزعة إلى تقديس الطبيعة حتى كادت تزول؛ حيث بدأ الإنسان ينظر إلى الطبيعة بهدف استكشافها واستغلالها. هذه العملية تطورت بطريقة إيجابية على مر القرون[23]، وإن بداية هذه الرؤية الواضحة للكون بأفلاكه وظواهره انطلقت من تلك الإشارات الربانية في القرآن الكريم والتي لها دلالات متنوعة ومنها:

1. ما يدل على استفادة الإنسان من حركة الشمس والقمر في معرفة الوقت، وتمثل هذا بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [الأنبياء: 33].

2. ما يدل على استفادة الإنسان من تقلب الليل والنهار نتيجة حركة الأرض وضياء الشمس، وتمثل بقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190].

3. ما يدل على لزوم التفكر بالظواهر الفلكية والتي تمثّل بحق إشارات إعجازية لم يُعرف كنهها إلا في وقت قريب، ومن هذه الإشارات[24]:

4. مواقع النجوم كما في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ 75 وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75-76].

5. انشقاق القمر، كما في قوله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ 1 وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1-2].

6. البروج، كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16].

هذه الإشارات فيها جانب توجيهي يدفع للتفكّر بآيات الله وعظيم خلقه في الفلك وظواهره، وقد تنبه إليها العلماءُ المسلمون وكتبوا فيها وأسهموا في اكتشافها وتوثيقها على هيئة جداول أو وصفٍ علمي دقيق، ومن هؤلاء: محمد بن جابر بن سنان البتّاني، الذي وضع جداول صحيحة لحركة الشمس والقمر والكواكب الأخرى التي خدمت الإنسانية.

والحسن بن الحسن ابن الهيثم الذي أثار الشكوك على ما جاء به بطلميوس، وهذه اللحظة هي لحظة تحول مهمّة شهدها البحث الفلكي عند قدماء المسلمين؛ إذ يذكر ابن الهيثم أن بطلميوس ناقض نفسه عندما قرر أصولاً لهيئة حركات الكواكب، وجاء بغير ما يتوافق مع هذه الأصول، وذلك سواء في كتابه العمدة “المجسطي” أو في كتابه “الاقتصاص”[25].

وابن الشاطر الذي درس التقاويم القديمة ووضع الفوارق الزمنية فيما بينها، إذ تناول علم التقاويم من الجانب الفلكي الرياضي؛ ووضع التفسيرات العلمية الدقيقة ودعمها بالأمثلة الرياضية والجداول الفلكية[26]، وقد وصلت نماذجه الفلكية مبلغًا من التطور حتى حلت محل النماذج المقترحة، وفي هذا يقول عالم الاجتماع الأمريكي توبي هوف: “واستمر هذا التقدم في علم الفلك حتى منتصف القرن السادس عشر عندما حلت النماذج الفلكية لابن الشاطر ومدرسة المراغة محل النماذج الفلكية الجديدة لكوبرنيكوس[27].

الإسهام في النظريات الرياضية:

في كتابه الماتع والنافع “تاريخ الرياضيات العربية بين الجبر والحساب” يسلط رشدي راشد -العالم المصري والمتخصص في التأريخ العلمي الرياضي الإسلامي- الضوء على الإسهامات الرياضية بتفاصيلها في ظل الحضارة الإسلامية، وينوّه على أصالة الأعمال المنجزة ودقّتها وتطبيقاتها.

ويأخذ أمثلة عديدة على شكل مسائل مُرقّمة ويحللها وفق المنهج الرياضي المعاصر محققًا بذلك أعمال عدد كبير من علماء الرياضيات والفلك ونظرياتهم بشكل علمي أكاديمي، وقد أخذ يبيّن حقيقة كثير من الإنجازات الوهمية التي صارت تُعدُّ حقائق مقبولة في المجتمع العلمي في الغرب.

فهو يذكر أن طريقة روفيني هورنر -وهي خوارزمية في التحليل العددي لتقريب جذور معادلات كثيرة الحدود عن طريق التكرار- قد عَرَفَتْها مدرسة العالم الرياضي غياث الدين الكاشي مبتكر الكسور العشرية، ويقول راشد في ذلك: إن “هذه الطريقة قد عُـمِّمَتْ في بداية القرن الثالث عشر أي قبل الكاشي بقرنين بواسطة رياضي يعرفها بطريقة غير مباشرة على الأقل”، ويذكر راشد مسألة أخرى وهي مسألة تقريب الجذر الأصم لعدد صحيح، والتي نُسبت إلى أصلٍ صيني، وينتقد المؤلف هذه النسبة ويصفها بالترهة[28].

كما ويبيّن راشد أنّ مدرسة محمد بن الحسن الكرجي -وهو مبتكر مثلث باسكال- عملت بدأب على حسبنة الجبر أو “تشكيل الجبر وكأنه حساب للمجهولات”[29]، إذ إن أعمال هذه المدرسة حول العبارات الخاصة (بمعادلات) كثيرة الحدود مهدت السبيل إلى بحث جديد مرتبط بالتوسيع الحاصل (آنفًا) للحساب الجبري كي يستطيع هذا الحساب إيجاد التطبيقات المثمرة في مجال غير مجال الجبر[30].

أما في كتابه المهم “تاريخ الرياضيات التحليلية” ذي الأجزاء الخمسة فيعمل راشد بدقة متناهية في كل جزء على تصنيف وشرح النظريات والإسهامات الرياضية لعدد كبير من علماء المسلمين وأعمالهم والمأثور عن حياتهم وسيرهم. فمثلاً في الجزء الأول من هذا الكتاب يتناول المؤلّف سيرة بني موسى، وهم كل من أحمد ومحمد والحسن، ويذكر أنهم كانوا من الأثرياء والمقربين من السلطة العباسية، وشكلوا فريقًا متماسكًا من الباحثين الطليعيّين في العلوم الرياضية وفي الرياضيات التطبيقية، وذكر لنا عددًا من كتبهم والقضايا التي اهتموا بحلها، مثل مساحة الدائرة والمثلث وتثليث الزاوية وتقريب الجذر التكعيبي[31].

وفي الجزء ذاته يتناول سيرة كل من ابن قرة وابن سنان والخازن والقوهي وابن السني وابن هود، وكل هؤلاء العلماء تناول سيرهم وتاريخهم بإيجاز، ثم أخذ يشرح ما أسهموا فيه، ذاكرًا مسائلهم على هيئة قضايا مرقمة وفيها شرح كافٍ وافٍ، ويحتوي الكتاب على بيانات رياضية وجداول توضح المفاهيم المتناولة لدى كُل عالم.

في كتاب “تاريخ الرياضيات العربية بين الجبر والحساب” يسلط رشدي راشد -العالم المصري والمتخصص في التأريخ العلمي الرياضي الإسلامي- الضوء على الإسهامات الرياضية بتفاصيلها في ظل الحضارة الإسلامية، وينوّه على أصالة الأعمال المنجزة ودقّتها وتطبيقاتها.

كلمة لا بد منها:

لا يخفى على أحد منّا إن العلوم التي ذكرناها آنفاً إنّما هي حصيلة عوامل وأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية، ولكنها في المقام الأول مُؤسسة على نهج علمي فكري أسسَ له الوحي، وإننا حين نركز على هذا الجانب فإنما الباعث على ذلك هو تسليط الضوء على آثاره دون أن نغض النظر عن الأسباب الأخرى، علمًا أن القرآن ليس كتاب طب أو فلك، وهو لا يقدم أدوات بحث تجريبي، وهذا معروف وواضح، لكننا أوضحنا بجلاء أثر التوجيهات الربانية في بناء تفكير علمي ومنطقي وأخلاقي ضمن منظومة متكاملة نستطيع أن نصفها بنقطة الانطلاق الأهم. كما يجب ألّا ننسى أن التقدّم في الغرب كان بوسائل وأسس مختلفة بعضها أصيل وبعضها مقتبس من التراث الإسلامي، في الوقت ذاته لا ننكر ما حصل من تطور هائل في العلوم وفلسفتها هناك بقدر ما ننكر النزوع المادي والتجرد الأخلاقي نتيجة التحرر من الوحي وتعاليم النبوة.

القرآن ليس كتاب طب أو فلك، وهو لا يقدم أدوات بحث تجريبي، وهذا معروف وواضح، لكننا أوضحنا بجلاء أثر التوجيهات الربانية في بناء تفكير علمي ومنطقي وأخلاقي ضمن منظومة متكاملة نستطيع أن نصفها بنقطة الانطلاق الأهم.

أهم النتائج المستخلصة:

١. إنّ للوحي أثرًا توجيهيًا أساسيًا في تطور كثير من العلوم، والوحي متمثلاً بالقرآن والسنة، وذلك بما فيه من إشاراتٍ وأوامر ربانية تدعو للتفكر والتدبر في عظيم الخلق وفي جسم الإنسان وخارجه كالسماوات والكواكب والظواهر الطبية.

٢. لم يكن التطور في العلوم مجردًا عن الظروف السياسية والاقتصادية؛ إذ ساهم الخلفاء بدفع التطور العلمي وذلك بدعمهم المالي للعلماء والباحثين واحترامهم الشديد ومرافقتهم لهم وأخذ نصائحهم والاستفادة من خبراتهم.

٣. إن النهضة الإسلامية كانت هي الدافع الأساسي في تطور الغرب الذين كانوا يترجمون الأعمال العربية، بل وأحيانًا ينسبون بعض المنجزات لأنفسهم بغير حق.

٤. قدّم المسلمون إسهامات عظيمة في مجالات الصيدلة والفلك والعلوم الرياضية، وابتكروا نظريات ووسائل جديدة لم تكن معروفة من قبل، فكانوا أهل أصالة وإبداع لا أصحابَ اقتباس كما يدّعي بعض الواهمين.


أ. كمال أنمار أحمد

كاتب ومهتم بالشأن الحضاري الإسلامي


[1] ماذا قدم المسلمون للعالم، راغب السرجاني (٢/٧٢٥).

[2] العلم ليس إلهًا، لمحمد أمين خلال، ص (٤٣٤).

[3] مكتشف الكنز المفقود، لعرفان يلماز، ص (٨١).

[4] مناهج البحث عند مفكري الإسلام، لعلي سامي النشار، ص (٥٧).

[5] مقال: الحضارة الإسلامية والتكامل في بنية التفكير العلمي، إدريس نغش الجابري.

[6] مقال: التفكير العلمي: مفهومه وأهميته أهدافه وخصائصه، ص (١٩٨)، مجلة الدراسات الإسلامية والفكر.

[7] المرجع السابق، ص (٢٠٠).

[8] العراق في التاريخ، مجموعة مؤلفين، ص (٤٧٤).

[9] ينظر: إحياء علوم الدين، للإمام الغزالي (4/423، 426).

[10] جوانب الفكر والتفكر في القرآن الكريم، لمحمود محمد، ص (٤٤).

[11] المرجع السابق، ص (٤٥).

[12] جوانب الفكر والتفكر في القرآن الكريم، ص (٤٦).

[13] الفهرست، لابن النديم، ص (٤٨١).

[14] ينظر: طبقات الأمم، لابن صاعد الأندلسي، ص (٤٩).

[15] ينظر: ضحى الإسلام، لأحمد أمين، ص (١٣٨-141).

[16] مقال: المأمون وازدهار الحركة العلمية – إسلام أون لاين.

[17] ينظر: قصة العلوم الطبية، لراغب السرجاني، ص (١١١).

[18] مقال: إنجازات علماء المسلمين في الصيدلة، للدكتور عبد الله حجازي، على موقع الألوكة.

[19] تاريخ البيمارستانات في الإسلام، لأحمد عيسى، ص (٤٩).

[20] ينظر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء، لابن أبي أصيبعة، ص (٥٨٤).

[21] الصيدلاني في العصر المملوكي، لورود نوري حسين، ص (٤).

[22] ينظر: تاريخ العلوم عند العرب، لعمر فروخ، ص (٢٤٧).

[23] ينظر: الإسلام مبدع العصر الحديث، لوحيد الدين خان، ص (٧١).

[24] ينظر: تطور علم الفلك عند المسلمين والعرب في العصر الوسيط، رسالة ماجستير، ميسون دنيا وبوسنة أسماء، ص (٢٤-٢٥).

[25] ينظر: علم الفلك عند قدماء المسلمين، لمحمد أبركان، ص (١٥).

[26] علم التقاويم الفلكية في زيج ابن الشاطر الدمشقي، مجلة بحوث جامعة حلب، العدد (14)، لعام 2019م، ص (١٨٩).

[27] العلم ليس إلهًا، محمد أمين خلال، ص (٤٣٤).

[28] تاريخ الرياضيات العربية بين الجبر والحساب، للدكتور رشدي راشد، ص (١٦١).

[29] المرجع السابق نفسه.

[30] المرجع السابق، ص (١٣٢).

[31] تاريخ الرياضيات التحليلية، للدكتور رشدي راشد، (1/29).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *