دعوة

الحج وإرث إبراهيم عليه السلام

الحج ليس شعائر مجرّدة، بل امتدادٌ حيٌّ لنداء التوحيد الذي أطلقه إبراهيم عليه السلام، وتجديدٌ لميثاقٍ قديمٍ يشدّ الإنسان إلى أصل عبوديته، تتجسد المناسك كمسارٍ زمني ومكانيٍ يربط الحاج بإرث الأنبياء وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فتتحول الحركة فيه من أداءٍ شكلي إلى وعيٍ ممتد بالاتباع والتسليم، وحين يُدرك الحاجّ هذه المعاني، يصبح الحج تجربةً تعيد بناء النفس، وتوحّد الأمة على معنى العبودية الواحدة.

عبادة الحج إعلان للتوحيد الخالص الذي دعا إليه إبراهيم عليه السلام {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 128]، وبراءة من الشرك الذي كانت عليه قريش في الجاهلية {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26]، وقد أمرَنا الله باتباع ملة التوحيد ملة إبراهيم عليه السلام {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95].

وللحج أبعاد كثيرة ودروس لا تنقضي مع مرور الزمان، والحديث عن جانب منها فيه ترسيخٌ لبعض المعاني المستوحاة من المناسك والشعائر التي أمرنا بتعظيمها؛ ولكي تثمر عبادة الحج في نفس الحاج وحتى تظهر آثار هذه العبادة على الأمة في كل عام، لا بد من إدراك هذه الأبعاد.

ومن أبرز أبعاد الحج -وهي كثيرة- البعد الزماني والبعد المكاني لشعائره، حيث تمتد عبادة الحج زمانًا ومكانًا منذ الميثاق الذي أخذه الله من بني آدم إلى قيام الساعة مرورًا بحج الأنبياء، وما شرعه الله لنا من شعائر في ملة إبراهيم عليه السلام، وما فعله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الحج حيث قال: (لتَأخُذوا مَناسِكَكُم؛ فإنِّي لا أدري لَعَلِّي لا أحُجُّ بَعدَ حَجَّتي هذه)[1].

البعد الزماني والمكاني لبعض أعمال الحج:

1- تجديد الميثاق الإلهي:

اجتماع الحجيج في عرفات يوم عرفة هو تجديد للميثاق الذي أخذه الله من بني آدم في يوم عرفة.

عن عبد الله بن عباس مرفوعًا: (إنَّ اللهَ أخذَ الميثاقَ مِن ظهرِ آدمَ بِـنَعمانَ -يعني عرفةَ- وأخرجَ من صُلبِه كلَّ ذريةٍ ذرأها فنثرَهمْ بينَ يديهِ كالذَّرِّ، ثمَّ كلَّمَهُم قِبَلاً قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى}”[2].

فمن حكمة الله في اجتماع الحجيج في عرفات يوم عرفة: التذكير بالامتداد الزماني للإنسان منذ كان في عالم الذر يشهد لله بالوحدانية، وهذا ما يظهر في حديث: (خيرُ الدُّعاءِ دُعاءُ يومِ عَرَفةَ، وخَيرُ ما قُلْتُ أنا والنبيونَ من قَبْلي: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ، وله الحَمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ)[3]، فهذا الدعاء المتضمن لكلمة التوحيد التي كان الميثاق عليها في يوم عرفة وعلى صعيد عرفات تجديدٌ وتأكيدٌ للميثاق منذ أن كان الإنسان في عالم الذر.

والحجُّ واجبٌ في العمر مرّة لمن استطاع إليه سبيلاً ليتمكّن كل مسلم من الوصول إلى هذا المكان ليتّصل بذلك الزمان حقيقة.

اجتماع الحجيج في عرفات يوم عرفة هو تجديد للميثاق الذي أخذه الله من بني آدم في يوم عرفة وعلى صعيد عرفة في عالم الذرّ

2- الامتداد الزماني والمكاني لأعمال الحج:

شعائر الحج تمثّل الامتداد الزماني والمكاني لأعمال الحج منذ إبراهيم عليه السلام، فإبراهيم عليه السلام لما رفع القواعد من البيت وإسماعيل قالا: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} فأرسل الله جبريل ليعلّم إبراهيم عليه السلام أعمال الحج، فعن مجاهد قال: قال إبراهيم: “أرنا مناسكنا” فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد؛ فرفع القواعد وأتم البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منى فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبر وارمه؛ فكبر ورماه، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه؛ فكبر ورماه، فذهب إبليس، وكان الخبيث أراد أن يُدخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرار. قال: نعم[4].

والحجّاج اليوم في حجّهم على إرث إبراهيم عليه السلام كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن خالٍ له يقال له يزيد بن شيبان قال: كنَّا وقوفًا في مَكانٍ تباعدُهُ منَ الموقفِ، فأتانا ابنُ مِربعٍ فقال: إنِّي رسولُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إليكم يقول: (كونوا على مَشاعرِكُم، فإنَّكمُ اليومَ على إِرثٍ من إرثِ إبراهيمَ)[5].

إن قيام الناس بشعائر الحج ينبغي أن يكون فيه استحضارٌ للمعاني التي شُرع الحج لأجلها، واستشعار أنّ كل خطوة فيه تنطوي على حكمة، من لدن إبراهيم عليه السلام عندما أمره الله تعالى بالحج {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].

فالحاج يطوف ويسعى وينحر الهدي أو يذبح امتثالاً لأمر الله، واقتداءً بما فعله إبراهيم عليه السلام حين امتثل أمر الله في ولده {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ 103 وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ 104 قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 103-105].

وتُمثّل قصة هجرة إبراهيم عليه السلام بأم إسماعيل (هاجر) وبإسماعيل عليه السلام لمـّا كان رضيعًا -بتفاصيلها- الصلةَ بين أعمال الحج التي شرعها لنا نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم وبين الاقتداء بإرث إبراهيم عليه السلام[6].

إن اقتداء الناس بشعائر الحج وسيرهم عليها ينبغي أن يكون فيه استحضارٌ للمعاني التي شُرع الحج لأجلها

3- السير على خطى الأنبياء عليهم السلام:

فالتوحيد الذي هو أساس دعوة الأنبياء هو المعنى الذي تجتمع عليه هذه الشعيرة، وقد لبّى كل الأنبياء بالحج منذ القدم؛ فقد ذكر جمع من العلماء أنّه ما من نبي إلا وقد حج، واستثنى بعضهم من الأنبياء عددًا، حتى إن عيسى عليه السلام سيحج البيت، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده ليُهِلَّنَ ‌ابنُ ‌مريم ‌بفَجِّ ‌الرَّوحاء حاجًّا، أو معتمرًا، أو ليُثَنِّيَنَّهما)[7].

والتفكر بهذا الأمر يجعل كل حاج مستشعرًا أنه يسير على خطى الأنبياء في حجهم لبيت الله الحرام، وهو امتثال لدعوة التوحيد التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (الأنبياء إخوة ‌لعَلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد)[8].

4- الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم:

وهو الذي قال: (خُذوا عني مناسككُم)[9]، إنَّ كل أعمال الحج تمتدُّ من حجّة الوداع التي حجّها النبي صلى الله عليه وسلم، وكلُّ حاجٍّ مطلوبٌ منه أن يأخذ بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، وهو امتدادٌ لتشريعات الإسلام في المناسك وشعائر الحج على ما ورد في كتاب الله عز وجل وما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر الزمان.

والحاجُّ يَستشعر في كل خطوة كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في الحج، فيحثُّه ذلك على الاتباع وترك الابتداع؛ إيمانًا وتصديقًا وحبًا لدين الله وللرسول صلى الله عليه وسلم.

5- البعد المكاني للحج:

تتضاءل المسافات في نظر الحاج حيث كانَ، ويشتدّ شوقه إلى مهوى الأفئدة في مكة {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27].

واللفظ القرآني المعجز {مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أي: من كل طريقٍ بعيد، قال ابن كثير في التفسير: “فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحنُّ إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار”[10].

وختامًا:

فإنَّ من صور تعظيم شعائر الله في الحج التي أمرنا بها: تحقيق العبودية الخالصة لله في كل حركة، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، ومن ذلك الالتزام بهدي إبراهيم والنبي عليهما الصلاة والسلام، وإدراك البعد التربوي والقيمي على المستوى الفردي: تهذيب النفس، والصبر، والبذل والتضحية، ونحوها، وعلى مستوى الأمة: الاجتماع على هيئة واحدة وشعيرة واحدة، وتحقيق العدالة… إلخ. بالإضافة إلى استحضار الإرث الزماني والمكاني لشعائر الحج وأعماله ومناسكه.

لكل شعيرةٍ من شعائر الحج معنى يتّصل بعقيدة المسلم ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم زمانًا ومكانًا


د. جمال الفرا

دكتور في الفقه وأصوله، داعية وخطيب


[1] أخرجه مسلم عن جابر رضي الله عنه (1297).

[2] أخرجه أحمد (2455)، والنسائي (11127).

[3] أخرجه الترمذي (3585).

[4] تفسير ابن كثير (1/443).

[5] أخرجه الترمذي (883)، وابن ماجه (3011).

[6] القصة رواها البخاري (3364) وغيره.

[7] أخرجه مسلم (1252).

[8] أخرجه البخاري (3443).

[9] أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9796)، وأصله في صحيح مسلم بلفظ: (لِتَأْخذُوا مناسكَكُم) كما تقدّم.

[10] تفسير ابن كثير (3/108).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *