يكشف المقالُ أنَّ لسانَ النبوّة أصفى ينابيعِ العربيّة، وأرفعُها في البيان والتأثير بعد كتاب الله تعالى؛ إذ اجتمع فيه صفاءُ العبارة، وجلالُ المعنى، وحرارةُ الهداية. ويبيّن أثرَ الحديث الشريف في تهذيب الذوق، وصناعة الملكة، وإمداد الأدب العربي بصوره وأساليبه. ويخلص إلى أنَّ صلةَ الكاتب بهذا الميراث تورثه إحكامَ السبك، وصدقَ الدلالة، وقربَ الموقع من القلوب، فهو ميزانُ الفصاحة، ومنبعُ البيان الخالد.
تمهيد:
في البيانِ النبويِّ سرٌّ لا تُدركه صناعةُ البلغاءِ، ولا تنالُه موازينُ النقدِ؛ إذ هو كلامٌ خرج من قلبٍ ربَّاه الوحي، وصاغه التنزيلُ على عينِ العناية، فغدا لسانُ النبوة مشكاةَ نورٍ، تتجلّى فيها حقائقُ الرسالة في أبهى صورةٍ من البيان. ومن أمعنَ النظرَ في حديثه صلى الله عليه وسلم رأى كلامًا جمع صفاءَ العبارة، وعمقَ الدلالة، حتى صارَ نصُّه الشريفُ ميدانًا تتلاقى فيه البلاغةُ والهداية، وتأتلفُ فيه روعةُ اللفظِ مع جلالِ المعنى؛ كيف لا وقد أوتي جوامع الكلم، حتى كان “في الذروة من البيان، ولا يرتفع فوقه في مجال الأدب الرفيع إلا كتاب الله بلاغةً وفصاحةً وروعة”[1].
ومن هنا كان الوقوفُ على البيانِ النبويِّ وقوفًا على أحدِ أنقى ينابيعِ العربية، وأرفعِها أثرًا في صناعةِ الذوق، وتكوينِ الملكة، وامتلاكِ ناصيةِ التعبير الفصيح.
في البيانِ النبويِّ سرٌّ لا تُدركه صناعةُ البلغاءِ، ولا تنالُه موازينُ النقدِ؛ فقد جمع صفاءَ العبارة، وعمقَ الدلالة، حتى صارَ نصُّه الشريفُ ميدانًا تتلاقى فيه البلاغةُ والهداية، وتأتلفُ فيه روعةُ اللفظِ مع جلالِ المعنى؛ كيف لا وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم
منابعُ البيانِ الأولى:
ليس مجافيًا للصواب القول: إنَّ الارتقاء بخلَّةِ البيان لدى شُداةِ الأدب وطلابه يرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بمقدارِ التعمُّق في النصوصِ النبوية التي تُستقى منها أسمى قواعد العربية وأبلغ تعابيرها. إنها النصوص البكر التي تهبُ الفكر شرارة الانطلاق، وتحمله إلى معارج السُّمو البياني، فمن تمكّن منها فقد بلغَ الكمال في فهمِ اللغة العربية وتذوق البيان وامتلاك ناصية التعبير الفصيح.
وقد نبَّه العلامة أبو موسى على هذا المعنى في بيان أثر البلاغة النبوية على الصحابة رضي الله عنهم بقوله: “هذا نبعٌ من ينابيعِ الأدب والبيان أغْفَلْنَاه وتوهّمنا أنَّ كلام الصحابة والتابعين كلامٌ في الوعظِ لا غير، ولو أنْصَفْنَا في بحثنا ونظرنا نظر المتثبّت وبرئنا من الهوى وأمراض القلوب لقلنا: إنه أفضل -من حيث هو بيانٌ وأدب- من كثيرٍ من الذي شُغلنا به، وقد قُلْتُ وأنا مقتنع بما أقول: إنَّ كلام كعب ابن مالك في قصة تخلُّفه في غزوة تبوك أفضلُ من شعره، ولا يستطيع أحدٌ أن يقدِّمَ كلام عبد الحميد الكاتب وابن المقفع والجاحظ على كلام عائشةَ رضوان الله عليها ومن ربّتهم في مجلسها من عروة بن الزبير والقاسم بن محمد بن أبي بكر من جهة صفاء اللغة ونقائها ودقّتها وإحكامها، كيف نُغَيِّبُ كلام هذا الجيل ومن تبعهم بإحسانٍ عن الأجيالِ التي نربّيها؟ أيُّ أدبٍ يستطيع منصفٌ أن يقدِّمه على أدب علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر والأحنف بن قيس رضي الله عنهم وغيرهم؟ إنَّ أدبَ هؤلاء بصائرُ يُهتدى بها، وقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضع أصحابَه في الهداية مواضع النجوم، وهو حين يُبَلِّغُنَا ذلك إنما يُبَلِّغُنَا وحي ربه، ولم يبق لنا من أصحابه إلا بيانهم فهو النجم الذي يُهتدى به، والساري إذا ترك المنارات ضل، وقد أوقدوا لنا المنارات، وكانوا كما قال الأول:
خَضَأتُ له نارِي فأبصر ضَوْءَها ** وَما كانَ لَوْلا خَضْأَةُ النارِ يَهْتَدِي“[2].
وهذا الذي قرّره أبو موسى تنبيهٌ يُعيد الأدب إلى منابعه الأولى، ويصحح مسار الذائقة حين تنحرف عن أصولها؛ فإنَّ النصوص الصادرة عن الجيل الأول هي النماذج العليا للبيان العربي في أنقى صوره؛ حيث امتزج صفاء اللغة بحرارة الإيمان، واجتمع صدق التجربة مع سلامة الفطرة، فخرج الكلام مشوبًا بنور المعنى، بريئًا من التكلّف، بعيدًا عن زخرف الصناعة.
إذا اجتمعت في البلاغة النبوية شهاداتُ أقطاب البيان وأساتذة النقد، تبيَّن أنَّ الحديثَ النبويَّ قد استوفى صفاءَ العبارة، وعمقَ الدلالة، وحسنَ الموقع، فاستقرَّ في ذروةِ البيانِ مقامًا، تُقاسُ إليه مراتبُ الفصاحة، ولا تُجاوزُه
شهاداتُ الأدباء لبلاغةِ النبوة:
وقد تنبَّه لبيانه العالي لفيفٌ من الأدباءِ قديمًا وحديثًا، فكتبوا في بلاغته الرفيعة، وأشادوا بإيجازه المدهش، ودقّته المحكمة، وما امتاز به من جزالةٍ ورقّة، وكشفوا عن أسرار ألفاظها العامرة بقلبٍ متصلٍ بجلالِ خالقه، المصقولة بلسانٍ نزَلَ عليه القرآن بحقائقه. ودونكم ما كَتَبَه أرباب البلاغة والبيان من أمثال “الجاحظ وأبي هلال وابن الأثير والشريف الرضي”، عن معاقدِ البيان في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وفي العصرِ الحديث ما سَطَّره الرافعي (1880- 1937م) في إعجازه، وكذا ما عقده من فصلٍ فاتنٍ في “وحي القلم” عن “السُّمو الرُّوحي الأعظم” للإبانة عن مكنون النصِّ النبوي وجماله[3].
يقول الأستاذ محمود محمد شاكر (1909- 1997م): «إنَّ اتساع الفكرة في هذا الزَّمن، ثم بساطتها، ثم خفاء موضع الفلسفة العالية فيها، ثمَّ تغلغل النظرة الفلسفية إلى أعماق الحقيقة الحيَّة في الكون: هو رأس ما يمتاز به كبار الأفذاذ والبلغاء في عصرنا هذا، وهو النوع الذي لم تعرفه العربية إلا في القليل من شعرائها، وفي القليل من شعر هؤلاء الشعراء، وليس في العربية من هذا النوع إلا معجزتان: إحداهما: القرآن، والأخرى: ما صحَّ من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ففيهما وحدهما تبلغ الفكرة في نفسها، ثم بتعبيرها وألفاظها، ثم بشمول معانيها لجميع الحقائق الواشجة بها، ثم بتنسُّمها في ألفاظها وكلماتها نسمة الروح العطر في جو السحر، ثم فوق ذلك كله البساطة واللين والتقارب والتعاطف بين هذه المعاني كلها”[4]. وقد عقَّبَ العلامة أحمد شاكر (1892- 1958م) على كلام أخيه محمود شاكر بقوله: «يبلغ هذا كلُّه مبلغًا يكون منه ما هو كنسيم الجنة في طيبه ونعمته، ويكون منه ما هو كحزّ المواسي في علائق القلوب، ويكون منه ما هو كالنار تستعرُ وتتلذّع، ويكون منه ما ينتظم البنيان الإنساني البليغ المتفهم فيهزّه هزَّ الزلزلة أعصاب الأرض، وبهذا كان القرآن معجزًا، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبمثله كان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ذروة البلاغة البشرية التي تتقطع دونها أعناق الرجال”[5].
ولعلَّ ما سطَّرَه أديب العربية أبو عثمان في وصفِ نور البيان الذي يجري على لسانِ النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم من أهم ما يُستشهَدُ به، يقول الجاحظ (ت: 255هـ) في بيانه: «استعمل المبسوطَ في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب والوحشي… فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلّم إلا بكلامٍ قد حُفَّ بالعصمة…»[6]. ويقول رحمه الله: «ثم لم يسمع الناس بكلامٍ قطّ أعمَّ نفعًا، ولا أقصدَ لفظًا، ولا أعدلَ وزنًا، ولا أجملَ مذهبًا، ولا أكرمَ مطلبًا، ولا أحسنَ موقعًا، ولا أسهلَ مخرجًا، ولا أفصحَ معنى، ولا أبينَ فحوى من كلامه صلى الله عليه وسلم»[7]. وما أورده الجاحظ ليسَ محضَ تكلفٍ في الامتداح والتجويد، ولكنه مستنبطٌ مما عُرِفَ عن النبي صلى الله عليه وسلم “وكل ما صحَّ عنه فهو موصوفٌ بالبلاغةِ العالية”[8]. ولهذا الضربِ من البيانِ موقعٌ عظيمٌ؛ لأنه يعتمدُ على كشفِ المعنى وإيضاحه حتى يصل إلى النفوس على أحسن صورة وأسهلها، وهي إحدى تجليات التلقي التي وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم من أنوارِ الوحيِ الإلهي لأنها جاءت من سبيله.
وقد ضمَّن شوقي في نهج بردته معنى الكمال النبوي في البيان، فقال:
آياتُه كُلَّما طـــــالَ المَدى جُدُدٌ ** يَزينُهنَّ جـــــلالُ العتقِ والقِدَمِ
يكاد في لفـــــظةٍ منه مُشرَّفةٍ ** يُوصِيك بالحق والتقوى وبالرحمِ
يا أفصحَ الناطقين الضّادَ قاطبةً ** حديثُك الشَّهدُ عند الذائقِ الفَهِمِ
حلَّيتَ من عَطَلٍ جِـيدَ البيانِ به ** في كلِّ مُنتثِرٍ في حُــسنِ مُنتــظِمِ
بكلِّ قولٍ كريـــمٍ أنــت قائلُهُ ** تُحيِي القلوبَ وتُحيِي مـيِّتَ الهِمَمِ.
فإذا اجتمعت هذه الشهاداتُ من أقطاب البيان، تبيَّن أنَّ الحديثَ النبويَّ قد استوفى صفاءَ العبارة، وعمقَ الدلالة، وحسنَ الموقع، فاستقرَّ في ذروةِ البيانِ مقامًا، تُقاسُ إليه مراتبُ الفصاحة، ولا تُجاوزُه.
لأسلوب محمد صلى الله عليه وسلم طابع فريد يلوحُ في فنونِ أدبه وتضاعيف حديثه، إنَّه طابع الخلوص والقصد والاستيفاء، ويعنى بالخلوص: النَّفاذ إلى اللباب من طريقٍ سهلٍ يسير، وبالقصد: الإيجاز الذي تحل فيه الكلمة محل جمل مترادفات، وبالاستيفاء: وقوع الكلام تامًّا مبسوطًا لا ينقطع دونَ الغاية
محمد رجب بيومي
أثر النصوص النبوية في الأدب العربي:
لقد تركَ البيان النبوي ظلاله الكثيفة على تاريخِ البيان العربي، فمن تأمل النصوص الأدبية التي أبدعها فحول البلغاء في القديمِ والحديث، أحسَّ بوضوح تأثيره سواء في تأييد فكرة، أو تأكيد عبارة، أو إيضاح رأي. ونراه يترك في مجاله ما يتركه الورد من نفحٍ فواح. وإنكَ لتقرأ المقال ضعيفًا وانيًا، وما تزالُ تحدِّثُ نفسك على إهماله حتى تجد الكاتب يُلمُّ بأثرٍ نبويٍّ جاء به في مكانه، فكأنَّ صبحًا أضاء على غير انتظار فاكتسح الظلمات، ولن يكون ذلك إلا بإبداع ملهم مطبوع [9]. ولا نعلمُ أنَّ هذه الفصاحة المدهشة قد كانت له إلا توفيقًا من الله وتوقيفًا؛ إذ ابتعثه للعرب وهم قومٌ يُقادونَ من ألسنتهم، “وبذلكَ نَزَلَ منهم منزلة الفطرةِ الغالبة التي تستبدُّ بالتكوين العقلي في كلِّ أُمَّة”[10]. ولهم المقامات المشهورة في البيان والفصاحة؛ فناسبَ علوُّ خطابه مقامَ من سمعوا حديثه، ولهذا، يكون النص النبوي من أعلى النصوص العربية أسلوبًا، وحُسنًا، وبيانًا، يزهرُ بفكرٍ صائبٍ، ومنطقٍ متسلسل، وأسلوب مطَّرد.
وقد ساقَ الأستاذ الراحل محمد رجب بيومي (1923- 2011م) تعليقًا متينًا على مجملِ النص النبوي الرفيع، وأثره في إحياء الأدب العربي، فقال: “ألا يرى المنصفُ أنَّ لأسلوب محمد صلى الله عليه وسلم طابعًا فريدًا يلوحُ في فنونِ أدبه وتضاعيف حديثه أنَّه طابع الخلوص والقصد والاستيفاء، ويعنى بالخلوص النَّفاذ إلى اللباب من طريقٍ سهلٍ يسير، وبالقصد الإيجاز الذي تحل فيه الكلمة محل جمل مترادفات، وبالاستيفاء وقوع الكلام تامًّا مبسوطًا لا ينقطع دونَ الغاية”[11].
ومما فطِنَ له أهلُ الصَّنْعة قديمًا هذا الأثر البالغ، فنصّوا على ما تسلَّلَ من أنوار البيان النبوي إلى كلام الكتَّاب والشعراء، وعدّوه من محاسنِ الاقتباس، ودلائل الفهم، وشواهد التلقي الرفيع. وقد أفاض ابنُ الأثير (ت: 637هـ) في المثل السائر في ذكر طائفةٍ من ذلك، فذكر من دعاء الكتَّاب قولهم: “ومنحه من فضله ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهذا المعنى مأخوذٌ من الحديث الشريف في وصفِ نعيم الجنة”[12]، فانتقل من مقام الخبر إلى مقام الدعاء انتقالاً بديعًا.
وذُكر من كلامهم في ميادين الحرب قولُ بعضهم: “نبذنا في وجه العدو كفًّا من التراب، وقلنا: شاهت الوجوه، فثبت الله ما تزلزل من أقدامنا، وأقدم حيزوم فأغنى عن إقدامنا”. وهذان المعنيان مستمدّان من معين السِّيرة النبوية؛ فأولهما من خبر حُنين، حين أخذ النبي صلى الله عليه وسلم قبضةً من تراب، فرمى بها وجوه المشركين، وقال: (شاهت الوجوه)[13]. والثاني من خبر بدر، إذ لقي رجلٌ من المسلمين رجلاً من المشركين يريد ضربه، فخرَّ المشرك صريعًا قبل أن تبلغه يدُ خصمه، وسمع المسلم صوتًا من فوقه يقول: أقدم حيزوم، فلما رفع الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ذلك مددٌ من السماء الثالثة)[14]، فصار هذا اللفظ عنوانًا على النصرة الغيبية، ومثالاً لما يمدّ الله به أولياءه إذا صدقوا وثبتوا.
ونبّه أبو هلال العسكري (ت: 395هـ) في ديوان المعاني إلى نظائر كثيرة في الشعر، فمن ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
فو الله ما أدري أحسنًا رزقته ** أم الحب يعمي مثل ما قيل في الحب
وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم: (حبك الشيء يعمي ويصم)[15].
ومنه قولهم:
وأغببتُ الزيارة لا ملالاً ** ولكن من محاذرة الملال
وهو من معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (زُر غبًّا تزدد حبًّا)[16].
ومنه قول المرار الفقعي:
نقطع بالنزول الأرض عنا ** وبعض الأرض يقطعه النزول
قال أبو هلال تعليقًا عليه، وهذا مأخوذٌ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ هذا الدين مَتين فأوغل فيه بِرفق، فإن المُنبتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى)[17].
وهذه الشواهد وأمثالها تدلّ على أن الحديث النبوي كان معينًا بيانيًّا رفدت منه العربية أدبها، واستمدّ منه البلغاء صورهم، واستضاءت به القرائح في نظمها ونثرها، حتى غدا أثره في تراث البيان ظاهرًا لا يخفى إلا على غافل[18].
الحكمة من الفصاحة النبوية:
جاء البيانُ النبوي على نسَقٍ يُنشئ في المتلقي أداة الفهم قبلَ أن يمدّه بالمفهوم، ويُعيد ترتيب العلاقة بين اللفظِ والمعنى على ضوءِ الوحي. لذلك يجيء اللفظُ فيه محكومًا بميزانٍ أعلى، تتآلفُ فيه الدَّلالة مع الهداية، كقوله صلى الله عليه وسلم: (مِن حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يعنيه)[19]، فيغدو السامع داخل دائرة تأثيرٍ لا يملك معها أن يقف موقف المتفرِّج، وإنما ينخرطُ في حركةِ المعنى انخراطًا حيًّا، ويغدو تحت سلطانِ توجيهه.
وهنا تتجلَّى الصِّلة العميقة بين هذا البيان والنصِّ الإلهيِّ الخالد؛ إذ يتحرَّك الحديث في فلكِ القرآن، يشرحُ مجمله، ويكشفُ وجوهه، ويقود إليه بعبارةٍ تُشاكل روحه، وتُقاربُ نَفَسه، حتى كأنَّ المعنى الواحد يتردَّدُ في مستويين: مستوى التنزيل، ومستوى البيان. فالوحي يمدُّ المعنى بأصله، ويمنح البيان طاقته، والبيان يردُّ المعنى إلى القلب في صورةٍ قريبة، نافذة، تُحسن الدخول ولا تُخطئ موضع الأثر.
أنصت مثلاً لقولِ النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)[20]، في هذا الحديث تتجلَّى الصلة العميقة بينهما؛ إذ يجيء مُجاريًا لقوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]، وقوله: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83]، فيُحيل المعنى القرآني المجمل إلى توجيهٍ عمليٍّ محكم، تُشاكل عبارته روح التنزيل، وتُقارب نَفَسه، فيقود المتلقي من مراقبة القول إلى تهذيبه، ومن إدراك الحكم إلى الامتثال له في لحظة الخطاب.
ومن ثمَّ يتشكّل في ظلِّ هذا البيان وعيٌ يتذوّق المعنى قبل محاكمته، ويستبصره قبل مجادلته، فتنبني الهوية من داخل التجربة البيانية. ويظهر أثر ذلك في تلقي البيان النبوي بوصفه امتدادًا للوحي، حيث يتآزر صفاء العبارة مع قوة التنزيل، فيبلغ التأثير مداه في النفس. ومن وقَفَ على هذا السرِّ أدركَ أنَّ الفصاحة هنا طريقٌ إلى بناءِ الإنسان، بقدر ما هي إحكامٌ في صناعةِ الكلام.
ووقَرَ في نفسي معنىً آخر من دقائقِ الحكمة النبوية العالية، يتصل بالخصوصية التي مُنحت للنبي والرسالة؛ فهو خاتمُ الأنبياء، وكتابه خاتم الكتب، وقومه أرباب الفصاحة، وقد عُرِفَ بين الناس أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، فتهيَّأ له من آية البيان ما يجاوز مألوف لسانهم، ويجري على نسقِ الوحي الذي نزلَ عليه، ويشهد بعنايةٍ إلهية في الإعداد، وتربيةٍ ربانية في التهيئة، فجاء بيانه مدهشًا، جامعًا خصال الصفاء والإحكام، متَّصفًا بما يشرق به البيان القرآني من جمالٍ وجلال، حتى غدا لسانه شاهدًا على الكتابِ الخالد، وثمرةً من ثمرات الوحي، وصوتًا جاريًا بمعانيه في عالمِ البشر.
انفردَ كلامُ النبي صلى الله عليه وسلم بتراكيبَ وجُمَلٍ لم تُعرَف للعرب قبلَه على هذا النسق من الإحكام والبراعة، فجاءت في كلامه صيغًا استقرّت في اللسان العربي أمثالاً سائرة
إشراقات من البيان النبوي:
أدركَ الشُّرّاح عمقَ النص النبوي وجلالَه، فكتبوا وشرحوا وأطالوا البيان، لأنهم وقفوا على ما يُدهش، انظر مدونات الحديث النبوي، واقرأ بعينِ البصير، وخذ أيَّ حديث، وانظر فيه نَظَرَ مدقِّقٍ باحثٍ يرومُ كشفَ الأستار، ويبحثُ عن مكامنِ الجمال، فإن قرأتَ حديثًا في “موعظةٍ قلتَ: أنينٌ من فؤادٍ مقروح، وإن راعت بالحكمة قلت: صورة بشرية من الروح في منزعٍ يلين فينفر بالدموع ويشتد فينزو بالدماء، وإذا أراك القرآن أنه خطاب السماء للأرض أراك هذا أنه كلام الأرض بعد السماء”[21]. فطوبى لمن ملأ وِطَابَهُ من كلامِ أفصحِ ناطقٍ بالضاد!
وقد انفردَ كلامُ النبي صلى الله عليه وسلم بتراكيبَ وجُمَلٍ لم تُعرَف للعرب قبلَه على هذا النسق من الإحكام والبراعة، فجاءت في كلامه صيغًا استقرّت في اللسان العربي أمثالاً سائرة، كقوله في حديثِ الفتنة: (هدنةٌ على دَخَن)[22]. يقول الرافعي: “وهذه العبارة لا يعدلها كلامٌ في معناها؛ فإنَّ فيها لونًا من التصوير البياني لو أذيبت له اللغة كلها ما وفت به”[23]. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (مات حتف أنفه)[24]، وقوله في وصف اشتداد الحرب: (الآن حمي الوطيس)[25]، وقوله: (بعثتُ في نفس الساعة)[26]؛ وهي تعابير تشهد بما خُصَّ به بيانه الشريف من جدة السبك، وإصابة المعنى، وحسن الوضع في مواضعه.
ولعلَّ مما يحضر في هذا المقام قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (طوبی لعبدٍ آخذ بعنانِ فرسه، أشعث رأسه مغبرَّة قدماه، إن كانَ في الحراسة كانَ في الحراسة، وإن كان في السَّاقة كان في السَّاقة، إن استأذن لم يُؤذن له، وإن شفعَ لم يشفَّع)[27]. أرأيت كم من الصور الإنسانية أومأ إليها هذا الأثر الشريف، كأنك تراها رأي العين، مجاهد يأخذ بعنانِ فرسه مغبرة قدماه أشعث رأسه، لا يريدُ إلا الله وما عنده، لا يعرفه الناس، لكنه عند الله عزيز.
وتحكي كتب الحديثِ والأخبار أنَّ ضِمادًا قَدِمَ مكةَ، وكان يرقي من هذه الرِّيح (الجن)، فسمع سفهاءَ مكة يقولون: إنَّ محمدًا مجنون، فطمِعَ الرجل أن يشفى النبي على يديه، فأسمعه النبي صَدرَ خطبةِ الحاجة: (إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، أمَّا بعد). فقال ضماد -وقد أخذته الدَّهشة من سطوةِ ما سَمع-: “أعِدْ عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهنَّ عليه رسول الله ثلاث مرات. فقال: “لقد سمعت قول الكهنة، وقول السَّحرة، وقول الشُّعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر (أي وسطه)، هات يدكَ أبايعكَ على الإسلام”[28]. ولعلَّ سماعنا لخطبةِ الحاجة مرارًا أفقدنا القدرة على تأمل مضمونها وطابعها الفريد.
دونكم يا شداة الأدب، وطلاب الكلمة، هذا النبع النبوي الفياض. فهو مصدرٌ أصيلٌ يثري اللغة، ويرقى بالذوق، ويمنح الأدب العربي تألقًا. فطوبى لمن نهَلَ من معينه، فاغترف منه زادًا يمده بفنونِ القول ويهديه إلى أسمى معارجِ البيان
وكلما قرأتُ كلام النبي صلى الله عليه وسلم للأنصارِ تندُّ من عيني دمعة، وأجدُني في تلكَ البقاع مطأطئ الرأس بين يدي النبي الأعظم، أشعر بصدقِ ألفاظها، وحرارة الحبِّ في تضاعيفها، والعاطفة التي تسكنها، وعلو فصاحتها، وسهولة مفرداتها، مما لا يكاد يتأتى لكبار البلغاء، فتراهم يحومونَ حولَ ذلك، ولا يدركون بعضه إلا بعد جهدٍ بليغ. فقد جمَعَ النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار وقال مخاطبًا لهم: (يا معشر الأنصار: ما قَالَةٌ بلغتني عنكم، وجِدَةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألَّفَ الله بين قلوبكم؟) قالوا: بلى، الله ورسوله أمنُّ وأفضل. ثمَّ قال: (أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدَقتُم وصُدِّقتُم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلاً فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قومًا ليُسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله في رحالكم؟ فوالذي نفس محمدٍ بيده، لولا الهجرة لكنتُ امرأً من الأنصار، ولو سَلَكَ الناس شِعبًا وسلكت الأنصار شِعبًا، لسلكتُ شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار)[29]. دونكَ النص الموشَّح بعاطفةٍ لاحبة، وصدقٍ ظاهر، أعد النظر لتكشف أضربًا من الجمالِ والجلال والدهشة، ومتانة الأسلوب، وجزالة اللفظ، وتنوعه، ومناسبته لواقعِ الحال.
ولتدع الحديث المتصل المنسوج من قوله، والخطبة البليغة المنبثقة من بيانه، والرسالة السائرة من إنشائه، وانظر إلى إجابته العابرة على سؤالٍ طارئ، أو تعليقه الموجز على واقعة حال، فإنكَ ترى هذا الطابع الفريد يشعُّ عليك نورًا من أفكاره، وقد انتقيتُ لكَ منها ما كانَ يسير الإيراد، فجميع كلامه موجزٌ، محكمٌ، متين.
يسمعُ رسول الله أعرابيًّا يقولُ بعد صلاته: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فيردُّ عليه في رفقٍ: (لقد تحجَّرتَ واسعًا)[30]. ويرى حادي المطايا يسرعُ بالنساء، فيقول له: (رفقًا بالقوارير)[31]، ويصفُ له بالمدينة قادم من مكة بعض مشاهدها فتغرورق عيناه حنينًا لمطارح صباه ويقولُ في هدوءٍ: (دع القلوب تقر). ويُسأَلُ عن صحابيٍّ لا ينامُ الليل، بل يقرأ ويذكر، فيقول: (ذاكَ رجلٌ لا يَتوسَّدُ القُرآنَ)[32]. ويسأله آخر مرارًا فيصيحُ به: (اليد العليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى)[33]. ويصف وقْعَ سورة هود في نفسه الشريفة، فيقول في ألمٍ: (شيبتني هود وأخواتها)[34].
فدونكم يا شداة الأدب، وطلاب الكلمة، هذا النبع الفياض، منجمُ الأدبِ العالي، الإرث الخالد لكلِّ من رامَ الأدب والبلاغة، المتجلي في فنونِ الخطبة، والرسائل، والأقصوصة، والأمثال، والحديث المتبادل، والابتهال السماوي. فهو مصدرٌ أصيلٌ يثري اللغة، ويرقى بالذوق، ويمنح الأدب العربي تألقًا. فطوبى لمن نهَلَ من معينه، فاغترف منه زادًا يمده بفنونِ القول ويهديه إلى أسمى معارجِ البيان.

وصفوة القول:
يبقى هذا البيانُ العالي أمانةً في أعناق حملةِ العلم؛ به تُقوَّم الألسن، وتتهذَّب الأذواق، وتعود الكلمةُ إلى موضعها الذي خرجت منه أولَ مرة. وهو فوق ذلك شاهدٌ من شواهد النبوة، وآيةٌ من آيات التأييد؛ إذ لم يكن هذا السموّ البيانيُّ كسبَ صناعةٍ بشرية، وإنما نفحةُ وحيٍ، ولسانٌ صاغته العناية الإلهية لحمل الرسالة وأداء الحق.
وصلتُه لا تُنال بكثرة النقل، وإنما بحسن التعلّق، وطول الملابسة، حتى يستقر أثره في الفهم، ويجري في العبارة جريان الطبع. وعلى قدر هذه الصلة يتّسع المجال، وتصفو العبارة، وينفتح باب المعنى؛ فيغدو القول محكمًا في سبكه، صادقًا في دلالته، قريبًا من القلوب في موقعه. فالميراث ثابت، وأثره يظهر فيمن أحسن حمله، وأدخله في تكوينه، حتى يصدر عنه على سجيّةٍ لا تكلّف فيها.
د. خالد بريه
باحث يمني له العديد من الأبحاث والدراسات، مشرف موقع حكمة يمانية
[1] الحديث النبوي: مصطلحه- بلاغته- كتبه، للدكتور محمد لطفي الصباغ، ص (59).
[2] شرح أحاديث من صحيح البخاري، للدكتور محمد محمد أبو موسى، ص (24).
[3] وحي القلم (3/3).
[4] في مقال المقتطف (عدد يوليو 1934م)، ص (114- 115).
[5] من مقدمة العلامة أحمد شاكر على كتاب مفتاح كنوز السنة، ص (41).
[6] البيان والتبيين، للجاحظ (2/ 17).
[7] المرجع السابق (2/ 17-18).
[8] نحو قراءة نصية في بلاغة القران والحديث، أ.د عبد الرحمن بو درع، قطر: كتاب الأمة، إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، العدد 154، ربيع الأول 1434هـ، السنة الثالثة والثلاثون، ص (98).
[9] البلاغة النبوية، لمحمد رجب بيومي، ص (54).
[10] تاريخ آداب العرب، لمصطفى صادق الرافعي (2/74).
[11] البلاغة النبوية، ص (51).
[12] المثل السائر، لابن الأثير (1/140).
[13] أخرجه مسلم (1777).
[14] المثل السائر (1/140)، والحديث أخرجه مسلم (1763).
[15] ديوان المعاني، لأبي هلال العسكري (2/240)، والحديث أخرجه أبو داود (5130)، والصحيح أنه موقوف على أبي الدرداء رضي الله عنه.
[16] المرجع السابق نفسه، والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (3535).
[17] المرجع السابق (1/124)، والحديث أخرجه البزار، زوائد البزار (29)، وضعفه جمع من أهل العلم.
[18] وقد ساق الأستاذ محمد رجب بيومي في كتابه “البلاغة النبوية” نماذج عديدة، يرجع إليها في مظانها.
[19] أخرجه الترمذي (2317)، وابن ماجه (3976).
[20] أخرجه البخاري (6018)، ومسلم (47).
[21] إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، لمصطفى صادق الرافعي، ص (227).
[22] أخرجه ابن حبان (5963)، وأصله في البخاري (7084).
[23] إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص (263).
[24] أخرجه أحمد (16414).
[25] أخرجه مسلم (1775).
[26] إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص (315- 316)، والحديث أخرجه الترمذي (2213).
[27] أخرجه البخاري (2887).
[28] أخرجه مسلم (868).
[29] أخرجه البخاري (3147) ومسلم (1059) وأحمد (11730) واللفظ له.
[30] أخرجه أبو داود (882).
[31] أخرج البخاري (6209).
[32] أخرجه أحمد (15724).
[33] أخرجه البخاري (1472).
[34] أخرجه الترمذي (3297)، وهذه الأمثلة من كتاب الشريف الرضي، المجازات النبوية، في مواضع متفرقة من الكتاب، والحديث مختلف في صحته.



