قراءات

قراءة في كتاب “حكم السعادة: كيف يتحكّم علم السعادة في حيواتنا؟”

يفكِّك الكتاب فكرة “علم السعادة” بوصفه نتاجًا لبيئةٍ نيوليبرالية جعلت السعادة سلعةً قابلةً للتسويق والقياس، رغم هشاشة أُسُسه العلمية وتناقض نتائجه، ويوضح كيف جرى تحميل الفرد مسؤولية سعادته وتهميش العوامل الاجتماعية والاقتصادية، بما يخدم الشركات والسياسات، وينتهي إلى نقدٍ عميق لهذا الخطاب دون تقديم بدائل عملية واضحة لمواجهته.

تعريف بالكتاب:

يناقش الكتاب كيف صُدرت لنا السعادة على أنها غاية الوجود الإنساني في هذه الدنيا، وكيف أنَّ هذا الزعم إلى نظرياتٍ هي للأباطيل والأوهام أقربُ منها إلى العلم، وأنه لولا موافقته هوى لدى النيوليبرالية[1] لأفل نجمه قبل بزوغه. لا يكتفي الكتاب باصطحابنا في رحلةٍ مع “علم النفس الإيجابي” منذ ميلاده وحتى بلوغه ما وصل إليه اليوم، بل يعرج بنا أثناء ذلك على البيئة الرأسمالية النيوليبرالية التي نشأ فيها، وكذلك أهم الشخصيات التي أسهمت في تشكُّله بالصورة التي نعرفه عليها اليوم.

وهي رحلةٌ ماتعة مفيدةٌ لا شك، وإن اقتصرت على عرض مشكلة “زيف” هذا العلم ونقده.

عرض الكتاب:

يجمع الكتاب بين دفتيه فصولاً خمسة، يبتدئ المؤلفان فيها بالحديث عن ميلاد علم السعادة، مَن أنشأه وكيف أنشأه؟ ثم يعرجان بنا في رحاب عالمنا النيوليبرالي القائم على الفردانية والاستهلاكية وأهمية “علم السعادة” في عالم كهذا. ثم ينتقلان للحديث عن السعادة بوصفها السلعة المثالية لإمكانية بيعها لكل أحد بغض النظر عن نوعه وعرقه وموقعه الجغرافي، وعن أثر ذلك على بيئات العمل المختلفة، قبل أن يختتما رحلتهما التي استمرت لمئتين وثمانين صفحة بالحديث عن السعادة بوصفها المعيار العالمي الجديد لجودة الحياة.

عن المؤلفَين:

» إيفا إيلوز: وهي أستاذة علم الاجتماع ومديرة الدراسات في كلية الدراسات المتقدمة لعلوم الاجتماع بباريس، لها من الكتب المترجمة إلى العربية:

نهاية الحب.

إنقاذ الروح الحديثة.

» إدغار كاباناس: أستاذ علم النفس في جامعة كاميلو خوزيه بمدريد، وزميل باحث ما بعد الدكتوراه بكل من جامعة مدريد المستقلة ومعهد مدريد للدراسات المتقدمة، له دراسات نفسية تدور حول نفس فكرة الكتاب المركزية.

» الغازي محمد (المترجم): مترجم مهتم بالعلوم الاجتماعية وبخاصة الاجتماع والاقتصاد السياسي.

تحول تدريجيًا “علم النفس الإيجابي” من خرافات التنمية الذاتية تلوكها ألسن أشباه المتخصصين إلى أولوية على الأجندات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للعديد من الدول

فصول الكتاب:

الفصل الأول/ خبراء الحياة الطيبة:

لا يكاد أحد من الناس يتكلم في أمرٍ جلَّ أو دقّ إلا وهو مطالَبُ بإقامة دليلٍ “علمي” على دعواه. وصارت الدراسة العلمية بمثابة الضمان على صحّة الدعوى بغض النظر عن فحواها، وفي كثير من الأحيان تكون تلك الدراسات مموّلة من جهاتٍ مستفيدةٍ من وصول الدراسة إلى نتيجةٍ معينةٍ تصبُّ في صالح تلك الجهة المموّلة، وغالبًا ما يتم إجراء هذه الدراسات على فئةٍ متماثلة من ناحية اللون والعرق والموقع الجغرافي، ناسية عمدًا أو سهوًا أن ما يصلح للأوروبي الأبيض قد يُفسد الأفريقي الأسمر.

وهذا بالضبط ما أدركه مارتن سيليجمان بعد فوزه برئاسة الجمعية الأمريكية لعلم النفس، والذي -خلافًا لما جرت عليه العادة في علم النفس- قرر أن يكون موضوعُ الدراسة: مكامن قوة الناس، بدل دراسة مكامن خللهم. وعلى إثر ذلك قرَّر أن ينقُل خطاب النفس الإيجابي من الروحانية التي لا يمكن إثباتُها علميًا كونها مشاعر قائمةً بالذات، إلى رحاب العلمية تحت مسمى “علم النفس الإيجابي”. وإن كان خطابه المتوّج لهذا الانتقال لم تغب عنه النزعة الروحانية حيث قال: “في الحقيقة إنني لم أختر علم النفس الإيجابي، بل هو من ناداني، كما نادت النار موسى”.

كسى سيليجمان دعواه ثوب العلمية ونشر أول كُتبه التعليمية مُعلنًا بذلك ميلاد علم جديد من رحم شعارات تطوير الذات، واعتبر هذا العلم بمثابة استقلال عن النموذج الباثولوجي (المرتكز على مكامن الخلل) ولم يكتف بذلك، بل شبهه بإعلان استقلال أمريكا. إلا أنَّ زخم سيليجمان لم يتوقف، فهو مُدركٌ تمامًا أنَّ ما يحولُ بين هذا العلم ووأده في ميلاده هو غيابُ التمويل الضامن لانتشار دعواهُ وذيوعها، والكفيل بدحض أي شبهات تُشكّك في حقيقة كون “علم النفس الإيجابي” عِلمًا من الأساس ناهيك عن جدواه. ومثل هذه الشبهات وإن خفّ بريقها إلا أنها ما تزال شبحًا يطارد هذا “العلم”، وبصيص أمل لغدٍ لا تحدّد لنا فيه النيوليبرالية ما يكون عِلمًا وما لا يكون.

وسرعان ما تدفقت الأموال على سيليجمان من كل حدبٍ وصوب، وكان من ضمن ممولي مشروعه:

» مؤسسة جون تمبلتون المعروفة بميولها المتشددة والمحافظة، والتي كان لها الفضل في إنشاء مركزٍ لعلم النفس الإيجابي في جامعة بنسلفانيا. وكان مما جذبها لسيليجمان قيام عِلمه على أنَّ الأفراد قادرون على التحكُّم في عالَمهم وُفق ما يريديون باستخدام عقولهم في السيطرة على ظروفهم.

» كوكاكولا التي ساهمت في تمويل هذا العلم بهدف اكتشاف طرقٍ أقل تكلفةً وأكثر كفاءةً لزيادة الإنتاجية، وأنشأت على غرار ذلك مؤسسةً للسعادة في دولٍ عديدة.

» بيد أن أهمّهم كان ريتشارد لايارد، الشهير بلقب “قيصر السعادة”، مستشار حكومة توني بلير (١٩٩٧-٢٠٠١م) ومدير مركز الأداء الاقتصادي بكلية لندن للاقتصاد (١٩٩٣-٢٠٠٣م) والذي وجد في سيليجمان وعِلمه ضالته المنشودة.

حيث آمن ريتشارد لايارد أنّ المقياس الأدقَّ للاقتصاد ليس النفعية المتمثلة في النقود، بل في السعادة وهي في نظره تعظيمُ اللذة، وكذلك كان يرى سيليجمان، أما عن أخلاقية الوصول لتلك الغاية فمن الواضح أنها لم تكن محلَّ اهتمامهما.

وعادةً ما تتمثل خطورةُ أناس كقيصر السعادة في كونهم بعد انتهاء فترتهم في مناصبهم، يستغلّون علاقاتهم ونفوذَهم وأموالهم في لعب أدوارٍ “استشارية” يكون الهدف الحقيقي منها هو الارتقاء بمصالحهم الشخصية المستترة بستار “نفع المجتمع”. لذلك وجد لايارد في “علم النفس الاجتماعي” ضالته، وفي سيليجمان الأخ الذي تجمعه به رابطة أقوى من رابطة الأخوة، ألا وهي رابطة المصلحة المشتركة. فـسيليجمان يريد نشر “علمه” ولايارد يريد ما يريده كل من اتخذ النيوليبرالية مذهبًا، وهو تعظيم هامش ربحه. فكان هذا التحالف بين الاثنين بمثابة الجمع بين الحسنيين. فما لبث أن تعاونت الأمم المتحدة مع لايارد في إصدار “تقرير السعادة الدولي السنوي”.

وهكذا تحول تدريجيًا “علم النفس الإيجابي” من خرافات التنمية الذاتية تلوكها ألسن أشباه المتخصصين إلى أولويةٍ على الأجندات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للعديد من الدول. وهذا يتناسب مع كون ٤٠٪ من الدراسات المنشورة في هذا العلم تنتهي بخلاصاتٍ موجَّهة لصالح تدخُّلات سياسية معينة. ومع ذلك فبعد ٢٠ عامًا وأكثر من ٦٤ ألف “دراسة” منشورة نكتشف أن ما تؤكده دراسةٌ تنفيه أخرى، وما كان مسببًا للسعادة في هذه كان مسببًا للتعاسة في تلك، وأن علم النفس الإيجابي ما هو إلا “أيديولوجيا أُعيد إنتاجها في شكل رسومٍ بيانية وجداولَ مملوءةٍ بالأرقام” ليصبح بذلك النسخة المبسطة من علم النفس، مقدمةً للعوام برعاية “علماء” ذوي معاطف بيضاء. هذه البيانات لم تخبرنا عن ماهية السعادة، وأنى للأرقام أن تنطق بما قام بالنفس وعجز اللسان عن التعبير عنه؟ لكنها أعطتنا وصفات للسعادة، إذا اتّبعناها فربما تأذن قلوبنا للسعادة بالدخول، ومنحت السعادة ما هو أهم من ذلك، وهو القابلية للقياس “التنسيب” مما جعل السعادة تُروَّج بوصفها حقيقةً موضوعية، وبهذا يكون “علم النفس الإيجابي” قد قدَّم للشركات والساسة -على طبق من ذهب- علمًا مفاده أنَّ سعادة المرء بيده لا بأيديكم فافعلوا به ما شئتم. ومن هنا تحوّلت السعادة إلى أهم بوصلةٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ في المجتمعات النيوليبرالية.

ومن الجدير بالذكر قبل الانتقال إلى الفصل الثاني، لفت نظر القارئ إلى أن الكاتبَين دومًا يُلقيان اللوم -إما إشارة أو تصريحًا- على الرأسمالية كنظام اقتصادي، والنيوليبرالية كنظام سياسي تعيش الرأسمالية في كنفه، باعتبارهما سببًا وحيدًا في ظهور مثل هذا العلم وشيوعه بين الناس. ونحن لا نعيب عليهما اللوم بقدر ما نعيب عليهما إفراد الرأسمالية والنيوليبرالية به، خصوصًا وأنهما لم يتطرّقا لمناقشة حلول أو بدائل لمنع تكرار ذلك في ظل هذا النظام الذي تقع مناقشة كيفية تغييره خارج حيز هذا الكتاب.

ويبدي الكاتبان تحيزًا لا يحاولان إخفاءَه ضد هذا النظام الرأسمالي النيوليبرالي، وهو نمطٌ مطّرد في سائر كتب المؤلفة الأخرى.

هل صار الناس أنانيين بشكل ملحوظ مؤخرًا؟ ألم تُبنَ المجتمعات بالتآخي والتآزر أم أنَّ هذه الشعارات كانت مجرد أقنعةٍ آن الأوان لتسقط؟ الحقيقة أنه تم تعميم نموذج الإنسان الفرد، الذي لا يعنيه إلا خاصة نفسه، والمعتقِد أن سعادته بيديه،

الفصل الثاني/ إحياء الفردانية:

هل صار الناس أنانيين بشكل ملحوظ مؤخرًا؟ ألم تُبنَ المجتمعات بالتآخي والتآزر أم أنَّ هذه الشعارات كانت مجرد أقنعةٍ آن الأوان لتسقط؟ الحقيقة أنه تم تعميم نموذج الإنسان الفرد، الذي لا يعنيه إلا خاصة نفسه، والمعتقِد أن سعادته بيديه، وأنها إن كانت في المال فلا تنقصه إلا الهمة لكسبه، وإن كانت في الحب فلا تنقصه إلا شخصيةٌ لجذبه، هكذا وَكَلت النيوليبرالية الإنسانَ إلى نفسه، وفكّت عن الشركات والقيادات أغلال المسؤولية تجاه الجُموع من خلال تصديرنا لهم على أننا “أفراد مستقلّون نلتقي في السوق لنحدِّد مصائرنا الفردية”.

تتصدّر السعادة واجهةَ متجر السلع النيوليبرالية والذي لا حدّ فيه لما يُمكن أن يباع ويشترى. وتمثل السعادة فيه سلعةً صَنَمية (fetish commodity) والتي تعني تحوُّلها إلى منتج تنبع قيمته من ذاته لا من القائمين عليه ككافة المنتجات الرأسمالية، وسلعة عاطفية (emodities) تتخذ صورًا عدة، بدءًا من كتب التنمية الذاتية، مرورًا بدورات تطوير الذات، وانتهاء بتحول المشتري إلى بائع كما حدث مع كريس جاردنر الذي جسد ويل سميث قصته الحقيقة في فيلم (The Pursuit of Happyness) وسبب كتابة كلمة السعادة باللغة الإنجليزية بهذا الشكل (أي بالـY بدلاً من الi) كما صرح جاردنر، أن السعادة أنت (You) من تصنعها.

فالخطاب النيوليبرالي يرى أنَّ حياة الفرد مُنعزلةٌ عن حياة سائر الأفراد في نفس المجتمع، مما يجعل التفسيرات التي تصدر لنا دومًا عن التباين الطبقي بين الأفراد على أنها تباين في المجهود الفردي مبتورًا من سياقه المجتمعي. فلا يعني كونك تعمل وظيفتين بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض الأجور أنك لست سعيدًا بسبب ذلك، بل يمكنك أن تكون سعيدًا فقط إذا أردت! فسعادتك رهن إشارتك، وظروفك وإن لم تخترها لكنك أنت من تصنعها! كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم.

ولم يتوقف عمل سيليجمان الدؤوب عند هذا الحد وليته توقّف، لكنه قرّر أن يُتحفنا بما سماه “معادلة السعادة” (Happiness Formula) وهي: (س = ج + ن + ع).

حيث: (س) = السعادة، (ج) = الجينات الموروثة، (ن) = الأنشطة العملية اليومية والذهنيّة التي يقوم بها الفرد في سبيل تحقيق السعادة، (ع) = العوامل الخارجية.

وبشكل مختصر: (السعادة = جينات + أنشطة + عوامل خارجية)، وقد قسّم الوزنَ النسبي لهذه العوامل كما يلي:

(٤٠٪) الأنشطة، (٥٠٪) الجينات، (١٠٪) العوامل الخارجية.

وتشمل العوامل الخارجية: مستوى الدخل، والوضع الاجتماعي، والعوامل البيئية، ومستوى التعليم. وقد جمعها في خانة واحدة لضآلة تأثيرها في زعمه على مستوى السعادة، وهو ما يتّضح جليًا في النسبة التي خصّصها لها في معادلته. ألا يبدو جليًا لكل ذي لُب أنَّ ما همَّشه سيليجمان في معادلته هو عينُ ما ينبغي تعظيمه! لكنَّ تعظيمَه لن يكون مُربحًا لكل متكسِّبٍ من وراء بيعِ وهم السعادة. وأحدُهم بل أكبرُهم “قيصرها” سيليجمان الذي توصل في الدراسة المنتشرة عالميًا انتشار النار في الهشيم أن “الدخل قد يؤثر على أولئك الذين تعدّ أجورهم منخفضة لكن ما إن يصل الإنسان لمستوى معين من الدخل، إلا ويصبح تأثير الدخل على السعادة وجودة الحياة منعدمًا”. انشغل الباحثون بالمنطوق عن المفهوم، فلبثوا يلهثون وراء سراب ذلك “المستوى المعين” باحثين عن “رقم سحري” أوصله أحدهم في المتوسط لسبعين ألف دولار سنويًا، كعادة الأبحاث التي تنسى أنَّ الولايات المتحدة جزءٌ من العالم وليست هي العالمَ بأسره، ولم يُدركوا حقيقة أنَّ ما توصل إليه لايارد لا يختلف كثيرًا عما توصل إليه سيليجمان، وكيف يختلفان وقد خرجا من مشكاة واحدة تقول: إنَّ طريق السعادة مُعبَّدٌ بأشواك تقع مسؤولية إزالتها على من أراد قطع الطريق، وذلك في تجلٍّ واضحٍ لدعوى الفردانية.

ولم يكتف سيليجمان ولايارد بحقن السعادة في جسد المجتمع، بل أرادا سقيَها للأطفال كي ينشأ ناشئهم على تلك القيم ولا يُتعبهم بالحاجة إلى تسويق سعادتهم، فقد تشرّبها منذ الصغر. وعلى إثر هذا بدأ لايارد عام ٢٠٠٨م بإدخال السعادة في مدارس المملكة المتحدة، ومنذ ذلك العام وحتى عام ٢٠١٧م سارت في هذا الركب العديدُ من الدول منها كندا والولايات المتحدة مخصِّصين دعمًا حكوميًا سخيًا لتعليم السعادة بدلاً من بثها بالفعل، وصار الطالب النموذجي مَن “يعتقد أن أفعاله واختياراته الشخصية هي التي تؤثر على ما يحدث له في حياته”.

ولم تلبث السعادة أن انتقلت من ضيق أروقة المدارس إلى سعة أروقة السلطة:

» رغم إعلان ديفيد كاميرون عند صعوده إلى السلطة في عام ٢٠١٠م عن سياسة تقشُّفية لم يسبق لها مثيل من قبل إلا أنَّ ذلك لم يمنع حكومته من تبني مقياس السعادة مؤشرًا للتقدُّم، تحت شعار لنستبدل الGDP (مؤشر الناتج المحلي الإجمالي) بالـ GWB (مؤشر الحياة الطيبة الإجمالي).

» في عام ٢٠١٤م أعلن حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن وضع شاشات في جميع أنحاء المدينة تأخذ تقييمًا مباشرًا من المواطنين عن رضاهم عن جودة الحياة، بهدف أن تصبح دبي أسعد مدينة في العالم، وتلا ذلك إنشاؤه لـ “وزارة السعادة” عام ٢٠١٦م -لتحقيق الرضا المجتمعي- وذلك أثناء واحدةٍ من أضخم موجات التعديلات الوزارية في تاريخ البلاد.

» ولك أن تتخيل أن الإسرائييلين الذين قامت دولتُهم المزعومة على أرضٍ سفكوا -وما يزالون يسفكون- دماء أهلها، يتفاخرون بتحقيقهم ترتيبًا مرتفعًا في مقاييس السعادة، وأيُّ سعادة تلك التي تُبنى على أشلاء الغير وأرضهم!

مما سبق نستنتج أن العِلمَ يجد طريقه نحو السياسات العامة بشرطين لا ثالث لهما:

الأول: أن تكون الأدلة العلمية جيدة بما يكفي للناظر لها أول وهلة.

الثاني: توافر الإرادة السياسية لفعل ذلك، وقد عرفنا كيف يتم التأثير عليها.

يصور الخطاب النيوليبرالي الفرد على أنه كيان منعزل عن محيطه، فيُرجِع الفوارق الطبقية إلى الجهد الشخصي دون اعتبار للسياق المجتمعي، وبذلك يُصوَّر تحمّل أعباء المعيشة على أنها خيار فردي، وبهذا تُختزل السعادة في الإرادة الذاتية، رغم أن الظروف كثيراً ما تكون مفروضة ولا يصنعها الفرد لوحده

الفصل الثالث/ الإيجابية في العمل:

لقد وجدت النيوليبرالية ضالتها المنشودة في السعادة، حيث إنها أداةٌ ممتازةٌ لتبرير أشدّ الممارسات وحشيةً في اقتصاد السوق والتعمية عليها.

فهل خسرتَ وظيفتك للتو مثلاً؟ في عُرفهم هذا لا يُعدُّ أمرًا مؤسفًا، بل أنت من اختار أن يُنظر إليه على أنه كذلك، أما الحقيقة فهي أنَّ خسارتك لوظيفتك هي فُرصةٌ لتحقيق ذاتك الداخلية التي ظلَّت مكبوتةً لسنوات وأنت حبيسُ تلك الوظيفة؛ فيمكنك الآن أن تصبح نجارًا أو فنانًا أو صيادًا بعد أن تحرَّرت من قيودك الذهبية!

وأسعَفَ السعادة هنا “هرم مازلو” للاحتياجات الإنسانية، فبوضعه السعادة والاحتياجات النفسية في قمة الهرم تحت مسمّى الحاجة لتحقيق الذات، صارت رغبةُ الموظَفين متَّسقةً مع رغبة الموظِفين (أصحاب العمل) خصوصًا لتُوائم هرم مازلو مع الطريقة التي ترغب بها المنظمات الرأسمالية في إدارة البشر؛ وذلك بـجعلهم يبذلون أقصى جهد من أجل الشركة دون أن تُعطيهم الأخيرة أجرًا يتناسب وهذا الجهد، فإذا لم يكن للموظف دافعٌ مادّي لبذل هذا الجهد تبقّى الدافع النفساني والذي خاطبه مازلو مرتين في هرمه: مرةً في أدنى الهرم جاعلاً الشعور بالاستقرار والأمان أدنى المتطلبات الإنسانية، وهو نفس الشعور والأمان الاقتصادي اللذان تمنحها الوظيفة، والمرة الثانية كانت في قمة الهرم، والتي يصل إليها المرء في ظل النظام الرأسمالي بوصوله إلى قمة السلم الوظيفي. ومع انتقال الرأسمالية تدريجيًا من رأسمالية ما بعد الحرب إلى النيوليبرالية التي تتّخذ فيها الرأسمالية شكلاً أكثر مرونة، يكون الفرد بداخلها أكثر حرية. وما زلنا نلاحظ استمرار الكاتبين بتعليق اللوم بأكمله على شماعة الرأسمالية دون غيرها.

كما تم استبدال فكرة المسار المهني “الكارير” بالمشاريع الناشئة الصغيرة، وصار حلم ترك الوظيفة وبدء المشروع الذي سيجعلك مليونيرًا يُداعب خيال كلِّ أحد، لكن الطريق إلى ذلك الحلم يبدأ من تلك الوظيفة التعيسة التي تعمل فيها بكل سعادةٍ وشغف، لأن الموظف السعيد موظفٌ أكثر إنتاجية. فالمعادلة في نظرهم هي إنتاجيةٌ أعلى تؤدِّي بالضرورة لترقيةٍ أسرع، وأموالٍ أكثر، فالأمر بهذه البساطة؛ فإلى السعادة يستندُ كل شيء، ولا تستندُ هي إلى شيء! وطبعًا لن تكون السعادة عِلمًا إذا لم نضف إليها أرقامًا، فالموظفون الذين يُحقِّقون أعلى الدرجات في مؤشر السعادة يمتلكون طاقة أكثر بنسبة ١٨٠٪ مقارنة بزملائهم البؤساء.

وكما شقَّت السعادة طريقَها في المدارس والحكومات، شقَّت طريقها إلى الشركات تحت مسمى ثقافة الشركة (Corporate Culture)، بحيث تكون العلاقة بين الشركة والموظف أعمق من كونها مجرَّد علاقة عملٍ عابرة، بل هي علاقةٌ يتخلَّق فيها الموظف بقيم الشركة، ويكون نجاحه فيها من نجاح الشركة، حتى إذا ما وصلت العلاقة لهذا الحد شعر الموظف بــ “الانتماء” وصارت الشركة بالنسبة له بيتَه الثاني؛ فيقوم الموظف بعمله لما يعنيه ذاتُ العمل بعينه لا لما يتقاضاه من أجر على هذا العمل، بل لأنَّ هذا العمل هو نداؤه في هذه الحياة كما زعموا. وجديرٌ بالذكر أنَّ فكرة “النداء” تمتد جذورها إلى البروتستانتية وتدين بانتشارها للتنمية الذاتية، وبهذا أقنعت الشركات موظفيها أن مصلحتها هي نفسها مصلحتهم، حتى لو جنت الأرباح دونهم، واتخذت قراراتها دون الرجوع إليهم.

الفصل الرابع/ نفوس سعيدة تباع في السوق:

“إنَّ صناعة الإعلانات ما قامت إلا على شيءٍ واحد، ألا وهو: السعادة. ولكن: ما هي السعادة؟ السعادة هي اللحظة التي تسبق المنتج الذي يعدُك بها”. ولكن ماذا لو غدا هذا المنتج أنا وأنت؟ وهو ما نصفه تحديدًا بالعلامة التجارية الشخصية (Personal Brand) حيث يتم معاملة الأفراد على أنهم علامة تجارية يميّزون بها أنفسهم عن غيرهم في نفس المجال، كما يميّز مُنتَج نفسَه عن سائر المنتجات على نفس الرف. وتحتَ هذا المسمّى اكتسبت الفردانية المزيدَ من الشرعية، وانبثقَ من هذا التوجُّه مَن جعل كشف تفاصيل حياته اليومية مصدرًا لرزقه، وبزغت شمس “اليوتيوبرز” و”الفلوجرز” إيذانًا بميلاد شكلٍ جديدٍ من أشكال التسليع الشخصي في ظل النيوليبرالية التي تحوِّل الفرد في ظلها إلى مواطن نفساني (psytyien) يكون فيها فردًا مستهلكًا تابعًا.

وقد أتاح تسليع الذات فرصةً للسعادة لتبيع مزيدًا من منتجاتها، وساعدها في ذلك أنها صُورت في ظل النظام النيوليبرالي على أنها هدف لا يمكن إصابته، وبحرٌ لا شاطئ له، تقصر الأعمار أن تصل لمنتهاه. ولما كانت السعادة كلَّ ذلك كان اختراع سبيل جديد للوصول إليها لا يشُقّ على أحد؛ فتارة تكون الأصالة هي سبيل السعادة، وتارة يكون العمل على ازدهار الذات، وإذا كان ما يزال في العمر بقية ف “كن أفضل نسخةٍ ممكنةٍ منك” وهلم جرًا!

أتاح تسليع الذات فرصة للسعادة لتبيع مزيدًا من منتجاتها، وساعدها في ذلك أنها صُورت في ظل النظام النيوليبرالي على أنها هدف لا يمكن إصابته، وبحر لا شاطئ له، تقصر الأعمار أن تصل لمنتهاه

الفصل الخامس/ السعيد هو الطبيعي الجديد:

إذا ظننتَ أن نبع السعادة قد نضب، فـ “باربرا فريدريكسون” على وشك تخييب ظنك، باربرا التي فازت بجائرة تمبلتون في علم النفس الإيجابي عن نظرية “التوسيع مع البناء”، والتي تفترض فيها أنَّ المشاعر الإيجابية على نقيض المشاعر السلبية تزيد من وعي الفرد وإدراكه بطريقة تُوسِّع منظوره للعالم وهذا هو “التوسيع”. أما عن “البناء” فهو ما يُهيئ الإنسان لنجاحه في الحياة من تفاؤلٍ وقبولٍ للذات وصلابةٍ نفسية، التي عدها أناس كسيليجمان الفارق بين من ينهضون من كبوتهم لأن لديهم القدرة على التصدي لمشاعر الهزيمة، ومن لا تقوم لهم قائمة بعدها لغياب تلك القدرة لديهم.

ولكي يكون الإنسان في وجهة نظر باربرا قادرًا على التوسع والبناء يجب أن تكون نسبة المشاعر الإيجابية إلى السلبية التي يحسُّ بها هي ٢.٩: ١ فيما صار يعرف ب”نسبة الإيجابية”. ومع أول اختبار رياضي حقيقي لنسبتها والطريقة التي توصلت بها إليها، بان عُوارها ووصفت بأنها “لا أساس لها.” ومع اعتراف باربرا بأحقّية النقد إلا أن ذلك لم يمنعها من الاستمرار في استعمالها، حالها كحال سائر علماء “علم النفس الإيجابي”. وهذا مما يُثير الشبهات أكثر وأكثر عن أحقية وصف ما بين أيدينا بالعلم حتى بعد بيان فساد منهجيته. وكيف لمن اتّخذ من العلم منهجًا أن يَنسب له ما كان بعيدًا أشدَّ البعد عنه، لكن قطار السعادة يأبى الوقوف في أيِّ محطةٍ من محطات النقد العلمي الجاد.

للأسف انتهى الكتاب مكتفيًا بنقد هذا العلم، وإلقاءِ اللوم على النظام الذي وفَّر له بيئة خصبة ينمو فيها، وهو وإن كان عملاً رصينًا في فحواه، إلا أن تكليله بآلياتٍ وحلولٍ عمليةٍ لمجابهة هذا العلم المنتشر بين الناس أولاً، والحيلولةِ دون بزوغ علمٍ مزيفٍ آخر ثانيًا كانت لتنقل هذا الكتاب من مجرَّد حيز توصيف الداء، إلى رحاب توصيف الداء وبيان الدواء.


أ. نور عبد الرحمن النمر

مؤلف كتاب “نظرية الرز”: عن المال والاحتيال والسعادة والاستثمار، عمل سابقًا في قناة “المخبر الاقتصادي”، وحاليًا يكتب في مواضيع اقتصادية واجتماعية متنوعة لدى مجلة المجتمع


[1] مصطلح يشير إلى أنها فكر آيديولوجي مبني على الليبرالية الاقتصادية الكلاسيكية بما فيه من عدم تدخل الدولة في الاقتصاد، بالإضافة إلى خفض الإنفاق العام على البرامج الاجتماعية -كالتأمين والعلاج ونحوها- ووضع القيود على الملكية العامة من خلال السياسات التقشفية. وقد كان لها آثار كارثية على المجتمع عندما أصبح هدفها السعي وراء كل ما يؤدي لمزيد من الثروة والسلطة، وأصبح البشر والبيئة مجرد موارد ومصادر للثراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *