قضايا معاصرة

تسريبات إبستين: مرآة الانهيارِ الحضاري

ألقت وزارة العدل الأمريكية ملايينَ الصفحات في وجه العالم، فإذا بها تكشف عن هاويةٍ حضاريةٍ لا عن ملفٍّ جنائيٍّ فحسب، فالأزمة ليست في أفرادٍ انحرفوا عن المسار، بل في منظومةٍ فلسفية أفرغت الأخلاقَ من مرجعيتها العليا وحوّلت الإنسانَ المُكرَّم إلى سلعةٍ للاستهلاك، حيث لا قانونَ يردع ولا عدالة تُصان. وهنا يُطرح السؤال الحضاريُّ بإلحاح: أيُّ نموذجٍ قيميٍّ يَحفظ كرامةَ الإنسان حين تُسدَل الأستار ويغيب الشهود؟

لم تكن تسريبات إبستين مجرّد فضيحة جنائية عابرة، بل مرآةً انكسرت فيها صورة حضارةٍ طالما تباهت بالحرية والحقوق، ثلاثة ملايين ونصف مليون صفحة، ومئةٌ وثمانون ألف صورة، وألفا مقطع فيديو، هذا ما ألقت به وزارة العدل الأمريكية في وجه العالم يوم الثلاثين من يناير 2026م، تطبيقًا لقانون “الشفافية في ملفات إبستين” الذي أقرّه الكونغرس بتصويتٍ ساحقٍ بلغ 427 مقابل صوتٍ واحد، ووقّعه ترامب في نوفمبر 2025م، لم تكن تلك أوراقًا قضائيةً جافّةً تخصّ مجرمًا واحدًا، بل كانت لحظة انكشافٍ نادرة تصدّعت فيها الواجهة اللامعة لمنظومةٍ طالما ادّعت قيادة البشرية باسم الحرية والتقدّم والحقوق، فإذا خلف الأبواب الموصدة وحوشٌ حقيقيةٌ بربطات عنقٍ أنيقة وشهاداتٍ مرموقة.

شبكة العنكبوت:

جيفري إبستين لم يكن ذئبًا وحيدًا، بل كان العقدة المركزية في شبكةٍ تتشابك فيها خيوط المال والسياسة والاستخبارات والأكاديميا، بدأ مكتب التحقيقات الفدراليّ التحقيق معه عام 2006م بعد شهادات قاصراتٍ تعرّضن للاعتداء، وتوقّع المحقّقون توجيه الاتّهام بحلول 2007م، غير أنّ المدّعي الفدراليّ ألكسندر أكوستا -الذي صار لاحقًا وزير عمل ترامب- أبرم صفقةً سرّيةً مكّنت إبستين من الإفلات بعقوبةٍ هزيلة لا تتجاوز 13 شهرًا عام 2008م، ثمّ اعتُقل مجدّدًا في يوليو 2019م بتهم الاتّجار الجنسيّ الفدرالية، ليُعثر عليه ميتًا في زنزانته بعد أسابيع في ظروفٍ لا تزال تتحدّى كلّ تفسيرٍ رسميّ.

وكشفت الوثائق شبكةً عملت على مستوياتٍ متداخلة: وساطاتٌ مالية يُستغلّ فيها النفوذ لإبرام صفقاتٍ مشبوهة، وحفلاتٌ في “جزيرة الشيطان” كان طَبقُها الأساسيّ فتياتٍ قاصرات، واستخباراتٌ بالمناولة حيث يصير كلّ ما يجري مادةً للابتزاز، بل رسائلُ عام 2011م تفضح خططًا للاستيلاء على أصول ليبيا المجمّدة البالغة ثمانين مليار دولار بمساعدة استخباراتٍ بريطانية وإسرائيلية مقابل عمولةٍ فاحشة، أمّا التوقيت فله سياقٌ سياسيٌّ لا يُغفل: تعهّد ترامب بالكشف عن الملفات واتّهم إدارة بايدن بإخفائها، ثمّ حين صدرت ظهر اسمه أكثر من 3000 مرّة فسارع إلى التصريح بأنّ الوثائق لا تدينه ولا تتضمّن ما يثبت تورّطه، فيما رفض كلينتون وزوجته الإدلاء بشهادتيهما، وهكذا تبيّن أنّ المناكفة الحزبية هي المحرّك لا العدالة، وكلّ طرفٍ يوظّف الملفات سلاحًا ضدّ خصمه ودرعًا لحلفائه.

جيفري إبستين لم يكن ذئبًا وحيدًا، بل كان العقدة المركزية في شبكةٍ تتشابك فيها خيوط المال والسياسة والاستخبارات والأكاديميا

حين تسقطُ الأقنعة عن “النُّخبة:

ما يرتقي بهذه القضية من فضيحةٍ فرديةٍ إلى ظاهرةٍ بنيوية هو نوعية الأسماء التي نثرتها الوثائق، فقد ورد اسم الأمير أندرو مئات المرّات في مراسلات إبستين الخاصّة، واستقال بيتر ماندلسون -السفير البريطانيّ السابق لدى واشنطن- من مجلس اللوردات في فبراير 2026م بعد ظهور رسائل تشير إلى مشاركته معلوماتٍ حكوميةً حسّاسة مع إبستين، وفتحت الشرطة البريطانية تحقيقًا جنائيًّا معه، وكشفت الملفات أنّ ميروسلاف لايتشاك -رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبق- طلب من إبستين “فتياتٍ صغيرات” وظهر اسمه أكثر من 300 مرّة! وستيفن هوكنج ذُكر أكثر من 230 مرّة، ولورنس كراوس الفيزيائيّ الداعية للإلحاد تبادل أكثر من 60 رسالةً مع إبستين واستشاره في كيفية الردّ على اتّهامات التحرّش، وهو الذي كان يتباهى بأنّه أقنع شابًّا مسلمًا بالشكّ في دينه، فزجره إبستين نفسه وطالبه بالتركيز على كونه عالمًا!

والأشدّ إيلامًا ما كشفته رسائل ديسمبر 2018م بين إبستين وعالم الأحياء التطوّريّ روبرت تريفيرز: إذن ناقش فيها تريفيرز ببرودةٍ مرعبة أفكارًا تتعلق بإمكانية التدخّل الهرمونيّ على أطفالٍ في سنّ الثالثة لتغيير خصائصهم الجنسية، واصفًا كيف ينتج التلاعب الهرمونيّ “أنماطًا ظاهريةً جديدة” أكثر جاذبيةً جنسيًّا، وكأنّ البشر فئرانُ تجارب! وهو ذاته الذي صرّح لرويترز عام 2015م مدافعًا عن إبستين: “حين يبلغن الرابعة عشرة يصبحن كالنساء البالغات قبل ستّين عامًا، فلا أرى هذه الأفعال بتلك البشاعة”! وعلى نطاقٍ أوسع امتدّت التداعيات دوليًّا: ففتحت تركيا وليتوانيا تحقيقاتٍ رسميةً بعد ظهور مؤشّرات على تهريب أطفالٍ من أراضيهما، فأيّ حضارةٍ هذه التي يكون “علماؤها” وساستها وأمراؤها بهذا الدرك الأخلاقيّ؟

سفاري سراييفو”/ حين يصبح الإنسانُ طريدة:

ولمن يظنّ أنّ تسليع الإنسان ظاهرةٌ إبستينية محضة، فليتأمّل ما كشفته النيابة العامة في ميلانو أواخر 2025م: تحقيقٌ رسميٌّ في ظاهرة “سياحة القنص البشريّ” إبّان حصار سراييفو الذي استمرّ 1425 يومًا وحصد أرواح أحد عشر ألف مدنيّ، بينهم 1600 طفل، كان أثرياء غربيون من إيطاليا وأمريكا وكندا وروسيا يدفعون ما يعادل ثمانين إلى مئة ألف يورو للشخص الواحد مقابل “امتياز قتل مدنيين عُزّل” من مواقع قنصٍ محصّنة في الجبال المطلّة على المدينة المنكوبة! كانوا يتجمّعون في مدينة ترييستي الإيطالية أيام الجمعة، وينتقلون عبر طائرات “أفيوجينيكس” الصربية إلى بلغراد، ثمّ بمروحيّات الجيش اليوغوسلافيّ إلى بلدة “بالي” معقل القيادة الصربية، ومنها بسيّاراتٍ مؤمّنة إلى حيّ غربافيتسا والتلال المطلّة على “زقاق القنّاصة”، ليقضوا عطلة نهاية الأسبوع في “صيد البشر”، ثمّ يعودون يوم الإثنين إلى عياداتهم ومكاتبهم وأسرهم كأنّ شيئًا لم يكن، “نتحدّث عن أصحاب ثرواتٍ وسمعة، رجال أعمال، كانوا يغادرون ترييستي للصيد ثمّ يعودون ويواصلون حياتهم العادية”، هكذا لخّص الصحفيّ الاستقصائيّ إيتسيو غافاتزيني المشهد في شكواه الجنائية المكوّنة من سبع عشرة صفحة.

والأفظع أنّه كانت هناك “قائمة أسعار” للأهداف البشرية: قتل الأطفال كان الأغلى ثمنًا والأكثر “طلبًا”، ثمّ الرجال، أمّا كبار السنّ فكانوا أحيانًا يُقدَّمون كـ”هدايا إحماء” مجّانية! شهد جون جوردان -الجنديّ الأمريكيّ المتطوّع في سراييفو- أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا عام 2007م بأنّه رأى “سيّاح قنصٍ” بأسلحةٍ فاخرة وثيابٍ نظيفة يعاملهم الضبّاط الصرب كـ”زبائنVIP “، ووصفهم بأنّهم “يحملون بنادق أنسب لصيد الخنازير في الغابة السوداء بألمانيا منها للقتال الحضريّ”، وأكّد ضابط المخابرات البوسنيّ إدين سوباشيتش أنّ الاستخبارات الإيطالية أُبلغت بهذه الرحلات عام 1994م، فأجابت بعد أشهر أنّها “اكتشفت نقطة الانطلاق وأوقفت العملية” دون أن تعتقل أحدًا أو تفتح تحقيقًا! ثلاثون عامًا من الإفلات التامّ، حتّى استُدعي في فبراير 2026م أوّل مشتبهٍ به: جوزيبي فينيادوتزو، سائق شاحناتٍ ثمانينيّ كان يتباهى بـ”مغامراته”، ووُجد في منزله سبع بنادق قنصٍ مرخّصة… إنّها الصورة ذاتها في جزيرة إبستين وعلى تلال سراييفو: أثرياء “متحضّرون” يمارسون الوحشية المطلقة حين يغيب الرادع الداخليّ ويتوفّر المال الكافي لشراء الإفلات.

التأسيسُ الفلسفيّ للوحشية:

ليس ما جرى في جزيرة إبستين أو على تلال سراييفو شذوذًا عن منطق الفلسفة المادية، بل هو ثمرتها الناضجة؛ فحين تُلغى المرجعية الإلهية تتحوّل الأخلاق إلى اتفاقاتٍ قابلةٍ للتعديل بحسب موازين القوى، ويصبح كلّ شيءٍ مباحًا لمن يملك ثمن الإفلات، كتاب “التاريخ الطبيعيّ للاغتصاب” قدّم الاعتداء الجنسيّ باعتباره “تكيّفًا تطوّريًّا”، وحين هوجم مؤلّفه ثورنهيل سخر من معترضيه وأجاب: “كلّ سمةٍ في كلّ كائنٍ حيّ لها خلفيةٌ تطوّرية، وهذه ليست مسألةً قابلةً للنقاش”! والفيلسوف بيتر كيف سأل: إذا كان الإنسان مجرّد حيوانٍ متطوّر، فما الذي يمنع أنواعًا “فائقة” من استعباد البشر واستهلاكهم؟

لقد صوّر القرآن الكريم هذا المنزلق بدقّةٍ مذهلة: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى 6 أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6-7]، فبمجرّد أن يتوهّم الإنسان الاستغناء عن الله تتضخّم “الأنا” حتّى تبتلع كلّ شيء، فتولّد ساديةً في تملّك مصائر الآخرين، وهذا ما يفسّر تحوّل نخبٍ تمتلك كلّ أسباب القوّة والعلم إلى وحوشٍ تصطاد الأطفال في الجزر وعلى التلال، والوعد الشيطانيّ {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} [النساء: 119] يتجسّد حرفيًّا في رسائل تريفيرز عن التلاعب بأجساد الأطفال، والمفارقة أنّ هؤلاء الذين يحتجّون بـ”معضلة الشرّ” لإنكار وجود الله، حين امتلكوا القدرة لم يصنعوا إلّا شرًّا صرفًا، فأثبتوا أنّ الإنسان بلا إيمان ينحدر إلى ما كان يجعل منه حجّةً في جداله حول وجود الله.

ليس من العدل اختزال الحضارة الغربية بأكملها في هذه الفضائح، غير أنّ ما نتحدّث عنه ليس انحرافاتٍ فرديةً، بل نمطٌ بنيويّ يعكس أزمةً في الأساس الفلسفيّ ذاته: حين يصبح الإنسان هو المشرّع الأوحد لنفسه ثمّ يتلاعب أصحاب النفوذ بهذا الإنسان المشرِّع، تتحوّل “النسبية الأخلاقية” إلى رافعةٍ للاستغلال لا سقفَ لها.

ليس ما جرى في جزيرة إبستين أو على تلال سراييفو شذوذًا عن منطق الفلسفة المادية، بل هو ثمرتها الناضجة؛ فحين تُلغى المرجعية الإلهية تتحوّل الأخلاق إلى اتفاقاتٍ قابلةٍ للتعديل بحسب موازين القوى، ويصبح كلّ شيءٍ مباحًا لمن يملك ثمن الإفلات

حصنُ الفطرة: لماذا يعجز القانون وحده؟

أبلغ ما كشفته هذه القضايا أنّ القانون المجرّد من الأخلاق عاجزٌ عن حماية الضعيف من القويّ، صفقة أكوستا عام 2008م منحت إبستين حصانةً فعلية، و”سفاري سراييفو” ظلّ ثلاثين عامًا بلا محاسبة رغم علم الاستخبارات الإيطالية والأمريكية، وفرجينيا جيوفري -التي كانت من أبرز ضحايا هذه الشبكة- ناضلت عمرها كلّه فانتحرت دون أن تنال العدالة، القانون المنفصل عن رقابةٍ أخلاقيةٍ عليا يتحوّل إلى متاهاتٍ شكلية يتقن الأقوياء التلاعب بها، أمّا في الرؤية الإسلامية فالتشريع مرتبطٌ بمقاصد الشريعة الكلّية: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، والفرق الجوهريّ أنّ المنظومة الإسلامية تزرع في القلب رقيبًا أقوى من كلّ الكاميرات والقوانين: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]، هذا الوازع يحمي الطفل والمرأة حين تُسدل الستائر ويغيب الشاهد، لا الديمقراطية تفعل ذلك، ولا المنظّمات الدولية التي تتاجر بالشعارات وتتواطأ مع الجلّادين.

دروسٌ تتجاوز الصدمة:

» أوّلها: سقوط أسطورة “النخبة المتنوّرة”، جرّاح التجميل الميلانيّ يقتل في عطلته، والعالِم يدافع عن اغتصاب القاصرات، والدبلوماسيّ الأمميّ يطلب “فتياتٍ قاصرات بريئات”، المناصب والألقاب والشهادات لا تمنح مناعةً أخلاقية، بل كثيرًا ما تكون الباب الذي يلجه الفساد {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ 204 وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 204-205].

» ثانيها: خطورة التبعية الثقافية العمياء، المبهورون بالواجهة الغربية الذين ردّدوا “رأيتُ إسلامًا بلا مسلمين” لم يروا إلّا تنظيمًا ونظافة شوارع، بينما خلف هذا البريق تفكّكٌ أسريّ وتسليعٌ للإنسان وفراغٌ روحيٌّ مخيف، وقد حذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم: (لتتبعُنّ ‌سَنن مَن ‌قبلَكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه)[1]، والمطلوب ليس رفض كلّ ما عند الغرب، بل التمييز الواعي بين ما يُؤخذ وما يُردّ، وبين ما يُنقل وما يُحجب.

» ثالثها: أنّ فضيحة إبستين و”سفاري سراييفو” ليستا قضيّتَي “جنسٍ” و”حرب”، بل قضية “استكبار” واحدة بصورٍ مختلفة، هؤلاء يحاربون الفطرة ذاتها، والعهر الأخلاقيّ يسير جنبًا إلى جنب مع العهر السياسيّ ضدّ غزّة والسودان وسوريا، فالذين يشاهدون الأطفال يُبادون دون أن يرفّ لهم جفنٌ هم من جنس أبطال هذه الوثائق.

» رابعها: الحاجة الماسّة لمشروعٍ حضاريٍّ إسلاميٍّ بديل، ما يخسره العالم بتخلّف المسلمين عن رسالتهم يزداد فداحةً يومًا بعد يوم، كما بيّنه العلّامة أبو الحسن الندويّ، والإسلام ليس ترفًا فكريًّا، بل صمام أمانٍ بثبات عقيدته وقرآنه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وأمام هذا الظلام تتجلّى عظمة النموذج النبويّ الذي جعل حرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة: (ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن ‌أعظم ‌عند ‌الله ‌حرمة ‌منك)[2].

» خامسها: أنّ التغيير يبدأ من الذات، إن توقّفنا عند الصدمة والسباب وبقيت مفرزات “الإبستينية” من إباحيةٍ وتسليعٍ وتفكّك منتشرةً في عقول أبنائنا ومجتمعاتنا فلا قيمة لما نكتبه، المطلوب تحويل الغضب إلى مشروع إصلاحٍ يبدأ من تحصين إيمان الأبناء بالعلم والحجّة، ومن مراجعة ما تسلّل إلى ثقافتنا، ومن بناء مؤسّساتٍ تعليمية وإعلامية تقدّم البديل الحقيقيّ ولا تكتفي بلعن الظلام.

فلنكن جنود الفطرة:

إنّ الحضارة المادّية قد آذنت بالرحيل، وسنّة التداول ماضيةٌ لا تتخلّف. وأنت حين ترى تعاسة البشرية في ظلّ هؤلاء الذين حوّلوا الأطفال إلى سلعٍ في الجزر وطرائد على التلال؛ تدرك لماذا قال الله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]، أي خير أمّةٍ للناس جميعًا لا لأنفسها فحسب، في زمنٍ يُراد فيه للإنسان أن يتحوّل إلى رقمٍ أو سلعةٍ أو طريدة، يصبح تمسّكنا بديننا وحمايتنا لأسرنا وأبنائنا وللإنسانية جمعاء من هذا السيل الجارف أعظم أنواع الجهاد وأشرف ميادينه، فحفظ الدين هو عين حفظ الإنسان، وعالمٌ بلا إيمان وبلا حساب لا يستحقّ أن يُسمّى إنسانيًّا مهما بلغت عماراته وتقنياته، نسأل الله أن يحفظ أمّتنا وأبناءنا، وأن يجعلنا مفاتيح خيرٍ للبشرية كلّها، وأن يعجّل بنصر المستضعفين في كلّ مكان، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

في زمنٍ يُراد فيه للإنسان أن يتحوّل إلى رقمٍ أو سلعةٍ أو طريدة، يصبح تمسّكنا بديننا وحمايتنا لأسرنا وأبنائنا وللإنسانية جمعاء من هذا السيل الجارف أعظم أنواع الجهاد وأشرف ميادينه


د. مصطفى يعقوب

باحث متخصص في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والدراسات القرآنية


[1] متفق عليه: أخرجه البخاري (3456) ومسلم (2669).

[2] أخرجه ابن ماجه (3932).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *