السبق في الإسلام قيمة تُنشئ روح المبادرة إلى الطاعات وتدفع للتنافس في الخيرات طلبًا للدرجات العلى، تتجلّى هذه القيمة في النصوص الشرعية وسيرة الصحابة، حيث كان التفاضل بحسب الإيمان والهمة والعمل المتقن، وتتعدد مجالات السبق بتنوع المواهب والفرص، مع بقاء ضوابطه قائمة على الإخلاص، والاتباع، والتوازن، وعدم الاغترار أو احتقار الآخرين.
مدخل:
في منظومة القيم الإسلامية لا يُدعى المؤمن إلى العمل الصالح فحسب، بل إلى المسارعة إليه؛ فالسبق ليس مجرد تقدّمٍ زمني في ترتيب الأعمال، بل تقدّمٌ في ميزان القيم، ومبادرةٌ واعية إلى ما يقرّب من الله ويرفع الدرجة عنده، إنّه انتقالٌ من منطق الانتظار إلى منطق المبادرة، ومن الاكتفاء بأصل الفعل إلى طلب كماله.
ولما كان الفوز الحقيقي هو النجاة يوم القيامة كما قرر القرآن: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]، فإنّ التفاضل في ذلك اليوم لا يكون في أصل النجاة وحده، بل في درجاتها؛ وهنا تتجلّى قيمة السبق بوصفه أحد معايير الرفعة في ميزان الآخرة، إذ تتفاوت منازل العباد بحسب مسارعتهم، وإخلاصهم، وإتقانهم للأعمال.
معنى السبق:
تدل مادة (سبق) على التقدُّم والابتداء في الشيء، وكلُّ من تقدَّم غيره إلى غايةٍ فهو سابِقٌ[1].
السَّبْق: هو التقدُّم والمسارعة إلى غايةٍ حسّية كالتقدُّم في الجري، أو معنوية كالتقدم في الخير والفضل، ومنه قولهم: فلانٌ له سابقة في الإسلام، أي فضيلةٌ وتقدُّمٌ فيه[2].
ولفظ السبق يشمل التقدُّم إلى غايةٍ مطلوبة، وقد يكون في الخير كقوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} أي سارعوا إليها، وقوله: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ}، أي الذين تَقَدَّموا بالإيمان والطاعة.
وقد يكون في الشرّ كما سبق قابيل بن آدم إلى قتل أخيه فاستحق إثم دمه وجزءًا من إثم كل مَن قتل بعده؛ كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل من دمها؛ لأنه أول من سنَّ القتل)[3].
معالم السبق في النصوص الشرعية:
باستقراء النصوص الشرعية نجد أنها أعلت قيمة السبق وجعلتها إحدى معايير التفاضل بين المسلمين.
فمما ورد في القرآن الكريم:
1. بيان أنّ التوفيق للسبق اصطفاء وفضل إلهي:
ويشهد لهذا قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} [فاطر: 32].
قال البغوي رحمه الله: أي: سابق إلى الجنة، أو إلى رحمة الله بالخيرات، أي: بالأعمال الصالحات[4].
2. الحث على المسابقة في الأعمال الصالحة:
حثَّ القرآن على المسارعة والمنافسة في عمل الصالحات وثبت ذلك في عدد من النصوص منها: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد: 21]، {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وفيما سبق من الآيات دعوة صريحة للمسابقة في فعل الخير. قال ابن القيم: “عمال الآخرة كلهم في مضمار السباق”[5].
3. التأكيد على فضل السابقين وجزائهم:
مدح الله تعالى السابقين في مجالات الخير كافة، وخصَّ بالسابقة إلى الإيمان أوائل المؤمنين الذين سبقوا إلى تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم بادروا إلى النصرة حين تثاقل غيرهم، فصاروا نموذجًا خالدًا للتقدّم في ميدان الإيمان والعمل. قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100].
وجعل السابق إلى فعل الخير أعلى رتبة من اللاحق، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10].
جاء في زاد المسير: “بيّن فضل مَن سبق بالإنفاق فقال: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ}… والمعنى: لا يستوي من أنفق قبل ذلك وقاتل ومن فعل ذلك بعد الفتح”[6].
كما بيّن القرآن جزاء السابقين، وجعل السبق معيارًا للتفاوت بين أهل الجنة؛ فجعل السابقين فوق أصحاب اليمين، ووعد السابقين بالمقام الأعلى في الجنة فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ 10 أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ 11 فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الواقعة: 10-12]، وهذا يدل على أن السبق في الدنيا بالخير يترتب عليه السبق في الآخرة بالدرجات.
بيّن القرآن جزاء السابقين، وجعل السبق معيارًا للتفاوت بين أهل الجنة؛ فجعل السابقين فوق أصحاب اليمين، ووعد السابقين بالمقام الأعلى
صور السبق ومعاييره في السنة النبوية:
وإذا كان القرآن قد قرر مبدأ السبق وفضيلته، فإن السنة النبوية نقلته من دائرة التأصيل إلى ميدان التطبيق، فكشفت عن صوره المتعددة، وبيّنت معاييره، وطرائق إدراكه. وتتجلى صور السبق في السنة النبوية في مجالات متعددة، يمكن تصنيفها على النحو الآتي:
1. السبق إلى حمل العلم:
ومنه سبق أبي هريرة إلى نيل بركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالحفظ؛ فكان بهذا أكثر الصحابة رواية للحديث النبوي، فقد قال أبو هريرة: وإني شهدت من رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسًا وهو يتكلم فقال: (مَن يبسِط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلا ينسى شيئًا سمعه مني؟ فبسطت بُردَة كانت علي حتى إذا قضى النبي صلى الله عليه وسلم مقالته قبضتها إلي، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئًا بعد سمعته منه، وقام آخر فبسط رداءه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبقك بها الغلام الدوسي)[7].
2. السبق إلى نيل دعوة النبي صلى الله عليه وسلم:
كما جاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، فقال رجل: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام آخر، فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم قال: سبقك بها عُكاشة)[8].
3. جعلت السنة السبق للطاعة أحد معايير التفضيل بين الناس:
فقد جاء أن عليًا والعباس رضي الله عنهما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له علي: (يا رسول الله جئنا نسألك: أي أهلك أحب إليك؟ قال:… فأحب أهلي إلي من أنعم الله عليه وأنعمتُ عليه: أسامة، قال: ثم من يا رسول الله؟ قال: ثم أنت، قال العباس: أجعلت عمك آخرهم؟ قال: إن عليًا سبقك بالهجرة)[9].
وعن عبادة بن الصامت قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتخطى إليه رجلان: رجل من الأنصار، ورجل من ثقيف، فسبق الأنصاري الثقفي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للثقفي: إنَّ الأنصاري قد سبقك بالمسألة[10].
4. السبق لامتثال الأمر النبوي من أولى أسباب السبق للجنة:
فقد جاء في الحديث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعث بعثًا فيهم معاذ بن جبل، فغدا القوم وتخلف معاذ بن جبل حتى صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ألا أراك سبقك القوم بشهر في الجنة، الحقْ أصحابك، فقال: يا رسول الله إني أردت أن أصلي معك وتدعو لي ليكون لي بذلك الفضل على أصحابي، قال: بل لهم الفضل عليك، الحقْ أصحابك)[11].
5. ما يعزز فضيلة السبق أن السنة شرعت ما يدرك به فوات فضيلة السبق:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم؟ ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله قال: تسبحون، وتكبرون، وتحمدون، دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة)[12].
ففي قوله: (تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم) دلالة على فضل السبق وكيفية استدراكه، وقوله: (شيئًا تدركون به من سبقكم)، أي: من متقدمي الإسلام عليكم من هذه الأمة، أو تدركون به كمال من سبقكم من الأمم، أي: في الثواب، وقوله: (وتسبقون به من بعدكم)، أي: تسبقون به أمثالكم الذين لا يقولون هذه الأذكار)[13].
كانت أهمية السبق وفضيلته حاضرة في أذهان الصحابة الكرام، وقد ترجموه في حياتهم إلى سلوك عملي وتنافسوا في بلوغ السبق للخيرات فيما بينهم، فمن أجل ذلك كان لهم فضل وسبق إجمالي على أفراد الأمة من بعدهم كما كان لهم فضل بالسبق فيما بينهم
معالم السبق عند الصحابة:
كانت أهمية السبق وفضيلته حاضرة في أذهان الصحابة الكرام، وقد ترجموه في حياتهم إلى سلوك عملي وتنافسوا في بلوغ السبق للخيرات فيما بينهم، فمن أجل ذلك كان لهم فضل وسبق إجمالي على أفراد الأمة من بعدهم كما كان لهم فضل بالسبق فيما بينهم.
وسبق الصحابة الإجمالي هو ما أشارت إليه كثير من النصوص القرآنية والنبوية، وقد بيّن ابن القيم -رحمه الله- أن الصحابة حازوا مراتب السبق فقال: “فهذه الدرجات الثلاث هي درجات السبق، أعني درجة العلم والعدل والجهاد، وبها سبق الصحابة وأدركوا من قبلهم وفاتوا من بعدهم واستولوا على الأمد البعيد وحازوا قصبات العلى، وهم كانوا السبب في وصول الإسلام إلينا، وفي تعليم كل خير وهدى وسبب تنال به السعادة والنجاة، وهم أعدل الأمة فيما ولوه، وأعظمها جهادًا في سبيل الله”[14].
وسنعرض أنموذجين يبينان إدراك الصحابة لفضيلة السبق:
أولاً: أنموذج عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
وسنحاول تتتبع بعض ملامح السبق في فكره رضي الله عنه.
الفاروق يسعى لإدراك أهل السبق:
لما كان إسلام عمر رضي الله عنه في السنة السادسة من البعثة؛ سعى إلى استدراك ما فاته، فاجتهد في نصرة الدين، وبذل وسعه، فكان شديد المبادرة في مواطن النصرة، قويَّ الحضور في المواقف الفاصلة، حتى عُدَّ من كبار السابقين في الفضل والمنزلة. وفي ذلك دلالة على أن التأخر الزمني لا يمنع من إدراك المنزلة بالعمل والاجتهاد.
الفاروق يحث غيره على السبق:
عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب للعباس، رضي الله عنهما: “أسلم فوالله إن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب -وما ذاك إلا لأنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم- فأسلم يكن لك سبقك”[15].
الحرص على مسابقة الصديق:
ومن ذلك قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أراد التبرع في غزوة تبوك، فعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق، فوافق ذلك عندي مالاً، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أبقيت لأهلك؟) قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: (يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟) قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدًا[16].
وهذه القصة تجسّد معنى التنافس الشريف في البذل، وتبين اعتناء الصحابة باغتنام فرصة السبق.
تفضيل أهل السابقة في العطاء:
لقد قَسم سيدنا عمر بن الخطاب العَطاءَ على أساس السابقة في الدين، فأعطى صفوان بن أمية، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو ممن أسلموا يوم الفتح أقل مما أخذ مَن قبلهم، فامتنعوا من أخذه، وقالوا: لا نعترف أن يكون أحد أكرم منا -أي: في الأحساب- فبين لهم عمر مقياسه الجديد: إنما أعطيتكم على السابقة في الإسلام، لا على الأحساب، عندئذ رضوا واقتنعوا وأخذوا[17]، فقد فضل أهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار على غيرهم ممن أسلم بعدهم.
ثانيًا: أنموذج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه:
لما عُهد إليه اختيار الخليفة بعد استشهاد سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه، قدم سيدنا عبدالرحمن بن عوف أهل السابقة في موضعين، مما يدل على ثبوت فضيلة السبق وأهميته في منهجه:
تقديم أهل السابقة من الأنصار في الدعوة للسمع والطاعة على غيرهم:
فعن المسور بن مخرمة قال: أتاني عبدالرحمن بن عوف ليلة الثالثة من أيام الشورى، بعدما ذهب من الليل ما شاء الله، فوجدني نائمًا فقال: أيقظوه، فأيقظوني، فقال: ألا أراك نائمًا، والله ما اكتحلت بكثير نوم منذ هذه الثلاث، اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا -ناسًا من أهل السابقة من الأنصار- فدعوتهم فخلا بهم في المسجد طويلاً[18].
وفي صنيعه هذا دلالة على أنّ السابقة معيار في التقديم، إذ قدّم أهلها في المشورة؛ لما يُظن فيهم من سرعة الامتثال، ولأن مبادرتهم أدعى لانقياد الناس.
تقديم سيدنا عثمان بن عفان وسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهما على غيرهما من المرشحين للخلافة لسابقتيهما وفضلهما:
فقد قال سيدنا عبدالرحمن بن عوف لسيدنا عثمان بن عفان وسيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهما: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟ فأسكت الشيخان، فقال عبدالرحمن: أفتجعلونه إليَّ واللهُ عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما فقال: لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمَّرتك لتعدلن، ولئن أمَّرتُ عثمان لتسمعن ولتطيعن. ثم خلا بالآخر فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه[19].
وفي رواية (قدم) أي سبق في الإسلام.
وفي قول سيدنا عبدالرحمن (لك القدم في الإسلام) إشارة إلى تقديم أصحاب السبق في الولاية على غيرهم، وينبغي تقديم أصحاب السبق على غيرهم في المناصب وغيرها عند تساوي بقية الصفات والحاجة إلى الترجيح بينهم.
مجالات السبق:
تفيدنا مطالعة كتب السنة والسيرة والتراجم بتعدد مجالات السبق المحمود، ويمكن تصنيف المجالات باعتبارات عدة ومنها:
1. السبق القلبي (الإيماني):
ومن مظاهره: سرعة الاستجابة للدعوة وقوة اليقين والثبات في المحن، ومن الأمثلة عليه: سبق السيدة خديجة رضي الله عنها للنساء في الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، وسبق أبي بكر الصديق رضي الله عنه للرجال في الإيمان.
2. السبق العلمي:
ومن مظاهره: الاجتهاد في الفهم، التأليف، التعليم، الابتكار في العلوم الشرعية، ومن أمثلته: سبق الخليل بن أحمد الفراهيدي لعلم العروض، والإمام الشافعي في تطوير علم الأصول، والإمام البخاري في جمع الصحيح.
3. السبق الجهادي:
ومن مظاهره: المسارعة لبذل النفس والمال في سبيل الله، ومن أمثلته: صنيع عثمان بن عفان في تجهيز جيش العسرة.
هذه الأمثلة يغلب عليها الطابع الفردي، حيث يتجلى السبق في مبادرة شخص بعينه وتميزه في مجاله.
4. السبق العملي (التطبيقي):
ومن مظاهره التضحية والتنفيذ العملي للأوامر الشرعية، ومن أمثلته: سبق الصحابة في الإسلام والهجرة والجهاد.
ويمكن إدراج سبق الصحابة هنا تحت مسمى السبق الجماعي.
وبالنظر إلى تعدد مجالات السبق، يتبيّن أن من الحِكم الشرعية في تنوع ميادينه: إبراز تكامل الأمة، بحيث يُفسح المجال لمختلف الطاقات والقدرات، ويُراعى تنوع الميول والاستعدادات، ويُضمن استمرار الدين وازدهاره بوجود سابقين متميزين في كل ميدان من ميادينه.
سبب تفاوت الناس في مجالات السبق:
من الملاحظ أنّ الناس متفاوتون في مجالات السبق، ويمكن بالنظر إلى أصحاب السبق في المجالات المختلفة رد أسباب تفاوت الناس في السبق إلى ما يأتي:
1. تفاوت الإيمان واليقين:
فالناس متفاوتون في الإيمان، وكل من ازداد إيمانه ويقينه كان ذلك أدعى لسبقه، ومن أمثلة ذلك:
ما حدث ليلة الإسراء والمعراج، حين كذبت قريش الخبر، فسارع أبو بكر إلى التصديق دون تردد؛ فيقينه المطلق برسول الله صلى الله عليه وسلم جعله يسبق الجميع في التصديق، فاستحق لقب “الصديق”.
2. تنوع المواهب والقدرات وتفاوتها:
فمن حكمة الله في خلقه أن قسم المواهب والقدرات بينهم، ومن اختصه الله بموهبةٍ ما كان ذلك سببًا في سبقه غيره، ومن أمثلة ذلك: الموهبة الفذة لدى الإمام الشافعي في الحفظ والفهم والاستنباط، فقد كانت هذه الموهبة سببًا في كونه أول من صنف في علم أصول الفقه.
3. الهمة والإرادة:
وقد قيل:
إذا كنتَ ذا رأي فكن ذا عزيمة *** فإن فساد الرأي أن تترددا
وكثير من الناس قد يمتلك قوة علمية لكن لا تسعفه القوة العملية، ومن جمع بينهما كان ذلك من أسباب سبقه، ومن أمثلة ذلك: ما تميز به سيدنا خالد بن الوليد من عظيم الهمة والحرص على بلوغ الشهادة في سبيل حتى استحق لقب سيف الله، ومما يبين عظيم همته قوله رضي الله عنه عند موته: “لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية”[20].
كثير من الناس قد يمتلك قوة علمية لكن لا تسعفه القوة العملية، ومن جمع بينهما كان ذلك من أسباب سبقه
4. الفرص والإمكانات:
فالقدرة المادية قد تكون سببًا للسبق في الإنفاق والتقدم على الغير، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (نعم المال الصالح للرجل الصالح)[21]، ومن أمثلة ذلك سبق سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى تجهيز جيش العسرة وشراء بئر رومة وجعلها للمسلمين.
ضوابط السبق الشرعي:
لا شك أن السبق الذي رغبت فيه الشريعة هو السبق في الخير لا في الشر كما قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 21]، ولكي تتحقق المشروعية من السبق لا بد من ضوابط تحفظ للسبق مقصوده وتبعد عنه شوائب الحسد والأنانية والغلو، ويمكن توضيح هذه الضوابط بما يأتي:
الضابط الأول/ الإخلاص والمتابعة:
فالسبق من جملة الأعمال الصالحة التي يشترط لها الإخلاص للقبول، وقد أمر الله تعالى به في مواطن كثيرة، كقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، فالسبق المشروع هو الذي يكون قصد صاحبه وجه الله تعالى لا الرياء والسمعة، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)[22].
وكما يشترط الإخلاص في السبق يشترط فيه المتابعة، وإلا كان السبق ضررًا على صاحبه ومفسدًا للغاية التي من أجلها أراد السبق، ومما يشهد لهذا المعنى ورود النهي عن السبق في الصلاة بركوع أو سجود قبل الإمام، كما في الحديث: (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار)[23]، لأن هذا السبق يفسد الصلاة ويضر بالجماعة.
الضابط الثاني/ مراعاة الأولويات الشرعية والتوازن وعدم الإضرار بالنفس أو الغير:
ويشهد لهذا الضابط قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195].
وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)[24].
فلا ينبغي للمسلم أن ينشغل بسبق غيره في المهم بحيث ينشغل عن الأهم، ومن صور ذلك:
السبق لا يكون بكثرة العبادة بحيث يقصر في حق نفسه أو حق من يعوله، ويشهد لما سبق قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن عمرو بن العاص: (إن لجسدك عليك حقًا، وإن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا)[25].
كما أن السبق في العبادة لا يعني إهمال الحقوق الأخرى والاشتغال بتحصيل الكم دون متابعة السنة، كما في قصة الثلاثة الذين أتوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: “أين نحن من النبي وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟”، فقال أحدهم: “أما أنا فأصلي الليل أبدًا”، وقال الآخر: “وأنا أصوم الدهر ولا أفطر”، وقال الثالث: “وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا”، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)[26].
والسبق في النوافل لا يكون على حساب الفرائض، كمن يحرص على التراويح في مسجد ويضيع في سبيل الوصول إليه فريضة العشاء. وقد دل على هذا قوله تعالى في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه)[27]، فالسابق حقًا هو الذي يبدأ بالفرائض ثم يتنفل.
السبق في العبادة لا يعني إهمال الحقوق الأخرى والاشتغال بتحصيل الكم دون متابعة السنة
الضابط الثالث/ الجدية والإتقان لا الاستعجال:
ويشهد لهذا الضابط قوله تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)[28].
فليس المقصود من السبق الذي رغبت فيه الشريعة مجرد التقدم الزمني أو الاستعجال وإنما مقصوده حصول المبادرة سريعًا إلى الطاعة على أكمل وجه ممكن، وقد مر بنا النهي عن السبق في الصلاة مما يدل على أن السبق الحقيقي هو في الإتقان مع التقدم على الغير.
فالسبق ليس دائمًا بالأكثر عملاً، بل بالأكمل عملاً، ومنه ما ورد من نصوص شرعية تحث على الإكثار في مواضع وأحوال معينة، لكن من المهم التنبه هنا أن هذه الأعمال وإن طلب الإكثار منها لا تنفك عن شرط الإحسان، لقوله تعالى {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].
الضابط الرابع/ عدم احتقار المسبوق أو التطاول عليه:
لأن هذا السبق كما أسلفنا إنما هو فضل إلهي على العبد، فلا ينبغي لمن وفقه الله للسبق في ميدان من الميادين أن يتلف فضيلة سبقه ويهدر حسناته بالتفاخر على الآخرين، إذ ربما سبقهم بهذه الطاعة وسبقوه هم بغيرها فيكونوا بذلك خيرًا عند الله من هذا السابق. فلا يلزم من فضيلة السبق في إحدى الطاعات الفضل المطلق على الآخرين، فهذا سيدنا عمر بن الخطاب تأخر إسلامه حتى السنة السادسة للبعثة، ومع ذلك فاق بمنزلته كثيرًا ممن سبقه بالإسلام حاشا أبا بكر الصديق، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11].
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)[29].
والخلاصة أن السبق المشروع هو الذي يجمع بين الإخلاص لله، والالتزام بالشرع، ومراعاة الحقوق، والإتقان في العمل، والتعاون مع الآخرين وعدم احتقارهم. فليس السبق بكثرة العمل فقط، بل بكماله وإتقانه وإخلاصه.
وختامًا: مما ينبغي الإشارة إليه أن السبق لا يعني التفوق المطلق، فالسبق إحدى الفضائل التي يتمايز بها المؤمنون ولا يلزم من مجرد السبق زيادة الدرجة، وقد أشار إلى ذلك ابن القيم عند تعليقه على حديث سبق الفقراء إلى الجنة، مع أن بعض الأغنياء قد يكونون أعلى درجة في الجنة لفضل أعمالهم الأخرى “فالمزية مزيتان: مزية سبق ومزية رفعة، وقد يجتمعان وينفردان فيحصل الواحد السبق والرفعة ويعدمهما آخر، ويحصل لآخر السبق دون الرفعة، ولآخر الرفعة دون السبق، وهذا بحسب المقتضي للأمرين أو لأحدهما وعدمه”[30].
السبق المشروع هو الذي يجمع بين الإخلاص لله، والالتزام بالشرع، ومراعاة الحقوق، والإتقان في العمل، والتعاون مع الآخرين وعدم احتقارهم. فليس السبق بكثرة العمل فقط، بل بكماله وإتقانه وإخلاصه
أ. مهند تركي الدعفيس
ماجستير في الفقه وأصوله، داعية ومدرس
[1] ينظر: لسان العرب، لابن منظور (10/190).
[2] ينظر: المرجع السابق (10/191).
[3] أخرجه البخاري (3335).
[4] تفسير البغوي (6/423).
[5] الوابل الصيب من الكلم الطيب، لابن القيم، ص (78).
[6] زاد المسير في علم التفسير، لابن الجوزي (8/163).
[7] أخرجه الحميدي (1176).
[8] أخرجه مسلم (440).
[9] المعجم الكبير، للطبراني (369).
[10] المعجم الأوسط، للطبراني (2320)
[11] أخرجه سعيد بن منصور (2379).
[12] أخرجه مسلم (595).
[13] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، لملا علي القاري (2/763).
[14] طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، ص (537).
[15] أخرجه البزار (4924).
[16] أخرجه الترمذي (3675).
[17] ينظر: البداية والنهاية، لابن كثير (7/142).
[18] أخرجه عبد الرزاق (9775).
[19] أخرجه البخاري (3700).
[20] الاستيعاب في معرفة الأصحاب (2/430).
[21] شعب الإيمان، للبيهقي (1248).
[22] أخرجه البخاري (123).
[23] أخرجه البخاري (691).
[24] أخرجه ابن ماجه (2340).
[25] أخرجه البخاري (1975).
[26] أخرجه البخاري (5063).
[27] أخرجه البخاري (6137).
[28] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (5314).
[29] أخرجه مسلم (2564).
[30] حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، ص (118).



