في ليلة عرسه، يبادر إلى غزوة أحد، قبل أن يغتسل من جنابته، ويرزق الشهادة، فتغسّله الملائكة ويسمّى (غسيل الملائكة)[1].
فطر الله عباده على الحركة الدؤوبة، فكان أصدق الأسماء (حارث وهمّام)، لكن أنظمة القهر عملت على تحويل البشر إلى أدوات، وفي فترة الطفولة يكون الطفل في قمة نشاطه، فيعمل مربّوه على تكبيله بكثرة الضبط، ثم يحاولون استنهاض همته في كبره، فيُعييهم ذلك! وتنشأ أمراض القعود من العجز والكسل والجبن والبخل وغلبة الدين وقهر الرجال.
وحين يتحرر بلد من الظلم، يحتاج أهله زمنًا وجهدًا وتعبًا كثيرًا حتى تتحرر عقولهم وقلوبهم من أمراض القعود والانتظار، فيدركون أن الدولة مجتمع وسلطة، وأن المجتمع أكبر من السلطة وأكثر قدرة وإمكانية، وأن الانتظار وهم كبير، وأن انتظار المهدي لا يكون بترك العمل، بل هو عملٌ وبذلٌ ومواصلةٌ للمسير.
استباق الخيرات مسارعة في مسابقة، ولذا ألقى عمير بن الحمام تمراته يوم بدر حتى استشهد توقًا إلى الجنة[2]. فهي نَفرة لا تعرف التثاؤب، وحركة لا تعرف التوقف، وسيف على التسويف، وزحف رغم الإعاقة، كما قال الإمام الشافعي: “سيروا إلى الله عرجًا ومكاسير، فإن انتظار الصحة بطالة”[3].
والاستباق سعي مقرون بوعي، وصدق يُترجَم بالهمة، وعزيمةٌ تَقصد العبادة، ومدرسة لا تهاب الخطأ، وأوبة بعد توبة، وإنابة بعد كبوة، وحكمة تثمرها التجربة، ومحاولات لا تتوقف في قاعة الامتحان وساحة الابتلاء، ومنافسة في حمل الأمانة، ورغبة في تخفيف إثم فروض الكفايات عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
لن تجد عائقًا لك عن المبادرة أكبر وأخطر مما تجده في داخل نفسك من عقد نفسية، وحسابات أرضية، وأوهام ذاتية، وأحقاد مرَضية، ومصالح ضيقة، وتهيّب من الغرباء، وتعصب للأصدقاء، واتهام للمنافسين، وجهل بجهود الآخرين، وتزكية للنفس، وغفلة عن أمراضها، ولوم للعاملين والمسؤولين والمربين، وتطلعات للجاه والمكانة، وتعلق بالماديات، ومطالبة بالاستحقاقات.
ولأنَّ السبق مسارعة، وهو “تقدم الشيء من بين ما حوله في قوة وجد”، والإسراع “اختراق أو امتداد، بقوة ودقة أو حدة”[4]، فإن (المبادرة) أحوج شيء إلى (المشاورة) و(المصابرة).
أما (المصابرة) فلا دوام لمبادرة ولا قيام لحق دون مصابرة.
وأما (المشاورة) فهي دليل التواضع وضمانة (تحقيق المصالح العامة) لا (المصالح الفئوية الضيقة)، ولا مجرد (تحقيق الذات). فيتعلم المبادر المجال الذي يجهله، ولا يسلك الطريق الذي لا يعلمه. فإذا عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ومن سار في أول الطريق بانت له معالم المرحلة التالية. ولا عزاء للقاعدين.
(المبادرة، والمشاورة، والمصابرة) منهجية تحرر وبناء وعزة. بادر لا تنتظر، شاور لا تتفرد، صابر لا تتذمر.
وقد تكرر قول الله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} في آيتين مسبوقًا بذكر منة الله على هذه الأمة بهدايتها عما ضلت عنه الأمم من القبلة والشريعة، تحذيرًا لهم عن التباطؤ، أو صد المجرمين إياهم عن مصادفة الحق، لأن تحقيق الاستباق يتطلب أمرين: طلب الاهتداء إلى الحق وفرضِ الوقت، ثم المبادرة بالواجب وإدمان المسابقة إليه.
جاء التحفيز في القرآن الكريم على الاستباق بذكر المآل والجزاء: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وفي الآية الأخرى: {إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}، وفي بيان حال موسى عليه السلام أنه عجل إلى ربه ليرضى، وفي الثناء على السابقين الأولين وعلى المنفقين والمقاتلين من قبل الفتح، وأن السابقين مقرّبون في جنات النعيم.
د. خير الله طالب
[1] روى قصة غسيله رضي الله عنه: ابن حبان (7025)، والحاكم (4917)، والبيهقي (6895)، وحسّن إسنادها بعض المحققين.
[2] أخرجه مسلم (1901).
[3] إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن، لنجم الدين الغزي (1/303).
[4] المعجم الاشتقاقي المؤصل: مادة (سبق)، (2/951) و (سرع)، (2/999).


