صناعة العداء مع الإسلام: الإساءة للنبيﷺ نموذجًا
الافتتاحية

صناعة العداء مع الإسلام: الإساءة للنبيﷺ نموذجًا

لم تتوقَّف الإساءة للنبي ﷺ منذ ظهور الإسلام، واتّخذت في كل عصر طابعًا خاصًا بها، وفي العصر الحالي، عصر «الدعوة إلى الحرية، والتعايُش الإنساني، والاحترام المتبادل»، تتكرَّر الإساءات للرسولﷺ بطريقة مُبتذلة، يتتابع عليها نخبة المجتمعات الغربية بأسلوب مستغرب، ولعل آخرها الرسوم المسيئة، وفي هذا المقال وقوفٌ على هذه الظاهرة، ومحاولة للكشف عن أسبابها وأهدافها.

الشرارة:

في الربع الأخير من عام 2005م نشرت صحيفة دانماركية رسومًا مسيئة للرسول ﷺ ، مما تسبَّب بموجة كبيرة من الاحتجاجات والدعوات لمقاطعة المنتجات الدانماركية في العالم الإسلامي، مع مطالبات للحكومة بالاعتذار، فرفضت متذرِّعةً بحرية التعبير التي تتيح لمن شاء أن يقول ما شاء، وتحت ضغط المقاطعة اعتذرت الشركات الدانماركية الكبرى عن فعل الصحف المسيئة، وسلوك الحكومة غير المبالي.

كما أعادت صحف أخرى: نرويجية وألمانية وفرنسية، وأخرى في أوروبا وغيرها نشرَ ذات الرسوم في وقتٍ متزامن دعمًا للصحيفة الدانماركية[1]، وتكرَّر الأمر لاحقًا مع صحيفة فرنسية أصدرت عددًا خاصًا للاستهزاء بالإسلام والرسول ﷺ  عام 2011م، ثم نشرت مجموعةً أخرى من الرسوم المسيئة عام 2012م، وفي مطلع عام 2013م نشرت إصدارًا خاصًا وصفته بأنه الجزء الأول لسلسلة من الرسوم التي تزعم أنها تصوِّر حياة النبي ﷺ ، وكررت نشر الرسومات المسيئة بداية شهر سبتمبر أيلول من هذا العام والتي تلتها الأحداث الأخيرة المعروفة[2].

تدلّ الأحداث على أنَّ الإساءة للنبي عمليةٌ متعمَّدة ممنهجة، وليس أدلَّ على ذلك من تتابع الإساءات في توقيت متقارب، وتنوُّعها، ورفض التراجع عنها

أحداث تستحق الملاحظة:

بعيدًا عن مناقشة صحّة الاحتجاج بحرية التعبير الذي تمارسه الحكومات الأوروبية تجاه الإساءة للمقدسات الإسلامية: هل يعد ضمن الحرية المقبولة أم لا؟! وإذا أهملنا مدى سريان هذا المبدأ على جميع المقدسات والمحترمات لدى مختلف الأديان والطوائف والأعراق الموجودة في الغرب وعلى رأسها الهولوكوست والتمييز العنصري، توجد أحداثٌ وردودُ أفعال يحسُن أخذها بعين الاعتبار في السياق الغربي العام:

1. التضافر على الإساءة:

تدلّ الأحداث على أنَّ الإساءة للنبي ﷺ عمليةٌ متعمَّدة ممنهجة، وليس أدلَّ على ذلك من تتابع عدد من الصحف الأوروبية على نشر الرسوم المسيئة في توقيت متقارب، ومن ثمَّ قيام الصحيفة الفرنسية المذكورة بحمل راية الإساءة إليه ﷺ  وتكرار ذلك بأشكال متعدِّدة (رسوم مسيئة، عدد خاص ساخر، إصدارات مسيئة، التعهد بمواصلة السخرية، …).

2. تنوع الإساءات:

إلى جانب ذلك توجد أحداث أخرى لا يمكن فصلها عن الرسوم المسيئة، كمسابقات لرسم صور مسيئة للنبي ﷺ  في الدانمارك، وقيام قياديين في حزب يميني هولندي بإنتاج فيلم مسيء عام 2008م[3]، كما شهد عام 2015م حوادث لحرق المصحف الشريف في أماكن متفرقة، أبرزها إسبانيا وفرنسا وهولندا، مرافقةً لمظاهراتٍ معاديةٍ للإسلام والمسلمين، وفي نهاية العام شهد مسجدٌ بجزيرة فرنسية محاولةً لاقتحامه وتخريبه وحرق بعض الكتب والمصاحف، وحصل اقتحام تخريبي بالفعل لمصلّى في الجزيرة نفسها عام 2016م، وفي 2017م في كاليفورنيا بأمريكا حصل اعتداءان في يومين متتاليين على مركز إسلامي ومسجد مع تمزيق المصحف وإهانته، وفي 2019م أقدم رئيس أحد الأحزاب اليمينية المتطرفة بالدانمارك على إحراق المصحف احتجاجًا على أداء صلاة الجمعة أمام مبنى البرلمان، وفي العام نفسه جرت في النرويج محاولة لحرق المصحف في مظاهرة معادية للإسلام، وكان آخر هذه الحوادث واقعة حرق المصحف في «مالمو» بالسويد خلال شهر نوفمبر 2020م من قبل جماعة سويدية يمينية متطرفة[4].

3. ردود أفعال المسلمين مقابل الإساءات:

في المقابل عبَّر المسلمون عن رفض تلك الإساءات من خلال البيانات والفتاوى التي أصدرها النخب وأهل العلم، واستخدم عموم المسلمين سلاح المقاطعة الاقتصادية، وعمَّت المظاهرات العديد من البلدان، ونشط الكثيرون في مجال تعريف شعوب الغرب بسيرة النبي ﷺ، وحقيقة رسالة الإسلام بعيدًا عن تشويه الإعلام وعنصرية المبغضين، شعورًا منهم أن المسيئين ومن ينجرُّ خلفهم لا يعرفونه ﷺ ، وأنَّهم لو عرفوه حقَّ المعرفة لأحبُّوه[5].

ولم يخرج عن هذا الموقف العام سوى:

• وقوع العديد من حوادث الانتقام من مرتكبي هذه الإساءات، كمقتل المخرج الهولندي (ثيم فان غوخ) عام 2004م، وإطلاق النار على مكاتب الصحيفة الفرنسية 2011م، ثمَّ تعرض ذات الصحيفة إلى اقتحامٍ مسلَّح لمقرِّها بداية عام 2015م، بالإضافة لعدّة اعتداءات أدّت إلى مقتل 20 شخصًا في باريس وضواحيها، وأخيرًا مقتل المعلم الفرنسي الذي عرض على تلاميذه رسومًا كاريكاتيرية للنبي ﷺ ، ثم حادثة الطعن بالقرب من كنيسة نوتردام في مدينة نيس الفرنسية نهاية أكتوبر المنصرم. وعلى عكس ردود الأفعال الشعبية العامة لم تلقَ هذه الحوادث الفردية الرضى والإقرار العام. مما أدَّى لترسيخ منهجية التعامل الصحيحة مع هذه الإساءات.

• ظهور النفاق: والذي تمثل بموقف العديد ممن كانوا يتشدَّقون بمبادئ الحرية والعدالة واحترام الآخر، ويزعمون الوقوف مع قضايا الأمة، فإذا بهم يقابلون تلك المواقف المسيئة للإسلام ورسوله ﷺ  بالسّكوت المذلّ، أو التّبرير المخزي، أو التّهوين المعيب، فضلً عن وقوف العديد منهم إلى جانب المجرمين والسخرية من رفض المسلمين لهذه الجرائم، وإلقاء اللوم عليهم بها، وبغضِّ النظر عن دوافعهم سياسيةً كانت أم فكرية، فمواقفهم تلك كشفت المزيد من سوءاتهم ونفاقهم.

من المبشرات في ثنايا هذه المحنة انتشار التعريف بالإسلام وبالرسول بفضل جهود الكثير من المسلمين

4. الدخول في الإسلام والتعاطف مع المسلمين:

من المبشِّرات في ثنايا هذه المحنة انتشار التعريف بالإسلام وبالرسول ﷺ  بفضل جهود الكثير من المسلمين، أو بسبب تساؤل الكثير من الناس عن هذا الدين وصاحبه، مما أدى لدخول أعدادٍ كبيرةٍ في الإسلام، وإلى تعاطف آخرين مع المسلمين، أذهلت النخب الغربية، وجاءت بعكس مقصودها من نشر تلك الرسوم[6].

5. تصعيد المسيئين لمستوى جديد:

شهدت العديد من المواقف الغربية تصعيدًا في مواقفها ولم تكتف بالتذرُّع بحرية التعبير، وخاصة الموقف الفرنسي الذي وصل إلى حدِّ عرضِ هذه الرسومات على واجهات مبانٍ حكومية، مع التعهُّد بمواصلة نشرها، وإقرارها في المدارس، وتهديد المعترضين بالمساءلة القانونية والإبعاد عن البلاد، وهي المواقف التي تسببت بتصعيد الغضبة الجماهيرية الكبرى في أنحاء العالم الإسلامي ضد الحكومة الفرنسية، التي تكرّرت منها الإساءة للدين الإسلامي[7].

في عام 2015م أفاد أحد الدعاة في المركز الإسلامي بالدانمارك أن نسبة الداخلين في الإسلام من الدانماركيين بعد الحملات المسيئة للإسلام ارتفعت خلال السنوات القليلة الماضية لتصل إلى أكثر من 30%

لماذا يسيؤون إلى نبينا ومقدسات المسلمين؟

السؤال الذي يطرح في مثل هذه الأحداث هو: ما الذي تجنيه الدول الغربية وفرنسا بالتحديد من الإساءة لنبي الإسلام؟ ولماذا التواطؤ على هذه الإساءات المتتابعة؟ إلى حدِّ حمايتها ورعايتها من الدول؟

هناك عدَّة احتمالات للإجابة على هذا السؤال، وإذا استبعدنا هدف النيل من النبي ﷺ  يبرز لنا احتمالان اثنان:

1. أن الأمر عندهم حرية تعبير مطلقة، لا يحدُّها حدود، ولا تضبطها ضوابط.

2. إثارة غضب المسلمين واستثمار هذا الغضب.

هل هي حرية تعبير؟

أما مسألة «حرية التعبير»: فهي ليست مطلقةً كما يزعمون، فحرية التعبير في القانون الفرنسي مثلًا مقيدةٌ بالمنع من الإهانة العامة[8]، وجاء على لسان أكثر من مسؤول في الاتحاد الأوروبي قولهم: إنَّ حرية التعبير يجب أن «تكون لها حدود»[9]، كما أنَّ «حرية التعبي » هذه لها حدود معروفة عندهم وليست مطلقة؛ فقد كانت فرنسا من أوائل الدول التي تجرِّم من يشكِّك في «الهولوكوست»، وأقرّت قانون «غيسو» الذي يجرِّم إنكار «الهولوكست» أو مجرد التشكيك في أي من تفاصيله بحسب روايات الكيان الصهيوني، وكذلك الحال في بعض القضايا الشهيرة كالتمييز العنصري، بل وصل الأمر في فرنسا بأن أدانت محكمة فرنسية في 2019م رجلين بتهمة «الازدراء» بعد أن أحرقا دميةً تمثّل ماكرون!! ويناقش البرلمان الفرنسي حاليًا قانونًا يجرّم «تداول صور المسؤولين على وسائل التواصل» مما جعل منظمة العفو الدولية تعتبره تناقضًا، وأنَّه «من الصعب التوفيق بين هذا التوّجه وبين دفاع فرنسا الشرس عن حق تصوير النبي محمد في رسوم ساخرة»، واعتبرت أن «مُعارضة الرسوم الكاريكاتورية لا تجعل المرء انفصاليًا، أو متعصبًا، أو إسلاميًا»، حسب ما ورد في بيان المنظمة[10].

كما أنَّ العديد من المسائل الفكرية والاجتماعية والسياسية تضع لها الدول الغربية حدودًا، وتمنع الخوض فيها أو تناولها إلا وفق قوانين وضوابط عديدة.

وبهذا يظهر أن التذرُّع بمسألة حرية التعبير ليس إلا «شماعة» لتبرير الموقف.

فلم يبق إلا احتمال استهداف إثارة مشاعر المسلمين وغضبهم، فلماذا يتعمَّدون تكرار هذه الأفعال وإثارة غضب المسلمين؟ وماذا سيجنون من وراء ذلك؟!

يمكن الإجابة عن هذا السؤال بالنظر لتلك الدول ومجتمعاتها..

مع كل ما تعانيه الدول الإسلامية من ضعف وتخلف على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبالرغم ممّا أحدثه الغرب في بلاد المسلمين من دمار وتخريب هائل إلا أن الإسلام ما زال يُشكِّل التهديد الحضاري الأكبر لتلك الدول حتى في عُقر دارها، من خلال زيادة أعداد المسلمين فيها، واستمرار إقبال الناس على الدخول في الإسلام من أهلها؛ فجميع المؤشرات تؤكد أنَّ السياسي الغربي -والأوروبي خصوصًا- بات يشعر بالعجز أمام الدين الإسلامي الذي صار قاب قوسين أو أدنى من ابتلاع القارة العجوز بقوّته الروحية والمعنوية، ففضلًا عن مقولة (الإسلام هو أسرع الأديان انتشارًا) صارت الأرقام والإحصائيات تشير إلى الانسياب الإسلامي في القارة الأوروبية من جانبين: الجانب السكاني الديموغرافي، والجانب الديني التعبُّدي، مما يبشِّر بتغييرات اجتماعية ودينية ضخمة في المستقبل على المستوى المتوسط، وهذا هو ما يثير الذعر في أوساطهم[11].

وهذا التقدُّم الباهر للإسلام يثبت أنَّ الصراع الحضاري بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية ذات الجذور المسيحية إذا تكافأت فيه الفرص فالجولة للإسلام، يتقدَّم على أرضهم وبين جمهورهم المباشر.

ومن هنا تُفهم نداءات بعض القادة السياسيين والدينيين الأوروبيين محذرين من «الخطر الإسلامي[12]، وإذا جمعنا إلى تكرار نشر الإساءة صعودَ اليمين المتطرف في أكثر من دولة في أوروبا والغرب، وتكرار حالات إهانة المصحف، والاقتحامات المسلَّحة للمساجد التي كان أشهرها هجومان إجراميان نفذهما يميني متعصِّب داخل مسجدي النور ومركز لينود الإسلامي في نيوزلندا عام 2019م، إلى جانب حالات رفض المظاهر الإسلامية العامة والشخصية؛ كشركات اللحوم الحلال ومختلف أشكال اللباس المحتشم، فضلًا عن أداء صلوات الجمع والأعياد في الشوارع المحيطة بالمساجد المزدحمة، نجد أننا أمام حالة متقدِّمة من فوبيا الإسلام تعيشها جهات ومنظمات وربما حكومات في أوروبا.

فالإجابة عن الأسئلة السابقة تقودنا إلى وجود من يعمل على تحريض الأوروبي المتقبِّل للمسلمين والمتعايش معهم[13]، وإثارة حميَّته لدينه المهجور، وتكريس مشاعر العداء والرهبة من الإسلام ذي الثقافة والهوية المختلفة عن ثقافته، تلك الثقافة عالية التحصين، وغير القابلة للذوبان في المجتمعات الغربية، وتحشيد النفوس لبناء سورٍ يحول بين شعوبهم والإسلام، والتنفير منه والصَّد عنه.

تكريس صورة نمطية سلبية:

وممّا يرافق هذا التحريض والاستفزاز، خصوصًا عند حصول ردّات أفعال انتقامية مندفعة وغير محسوبة، استثمارُ الإعلام في وصف المسلمين أنَّهم لا يتحمَّلون «حرية التعبير»، بسبب رفضهم لمسائل الحرية، والحوار والنقاش، وإلباسهم لباس التخلُّف والعداء للإنسانية والفكر والتقدُّم والفن، مع استغلال بعض الحوادث هنا وهناك في الترويج لفكرة (الإرهاب الإسلامي) حتى دون التحقُّق من وجود علاقة بين هذه الأحداث وبين الإساءة الحاصلة، أو أنَّ مَن قام بهذه الاعتداءات هم مسلمون فعلًا، والهدف النهائي: إيجاد حالةٍ من الرهبة والخوف من هذا المسلم ودينه، وبناء حاجزٍ بينه وبين الإنسان الغربي، لعلَّه يؤخِّر أو يُعيق انتشار الإسلام بينهم، كما كانت قريش تفعل لصدِّ الناس عن الدخول في الإسلام، حتى إذا تخلَّص الناس من المؤثرات واستمعوا لكلامه ﷺ  انشرحت صدورهم وأقبلوا على دين الله ونور هداه.

قوة الإسلام ذاتية، وقابليته للانتشار إذا ما أُتيحت له الفرصة عاليةٌ جدًا؛ فهو يوافق الفطرة ويُسكِّن أحزان النفوس وحيرة القلوب، ويوافق العقل، ويحثُّ على العلم، ويبني حضارةً حقيقية

نظرة مستقبلية:

هذه النتيجة وإن كان فيها بعض التخوُّف من مستقبل المسلمين في الغرب، إلا أنها تؤكد أمرًا لا يمكن دفعه، وهو قوَّة الإسلام الذاتية، وإجابته لنداء الفطرة، وتسكينه لأحزان النفوس وحيرة القلوب، وموافقته للعقل وحثُّه على العلم والحضارة، وقابليته للانتشار إذا ما أتيحت له فرصة الدعوة والإقناع، وقدرته على النفاذ حتى إلى أعتى المعاقل وأمنع الحصون، وليس أدلَّ على ذلك من إيمان امرأة فرعون في بيت أعتى طغاة التاريخ، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11].

وأنَّ عموم المسلمين محبُّون لدينهم ورسولهم، وفي مقابل هذه الأحداث يزدادون حبًا وحماسة للتعريف به ونشر دينه وسيرته، شاعرين بالاعتزاز والانتماء لهذا النبي العظيم ﷺ ، متيقنين من أنَّ الغلبة لهذا الدين.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وأنَّ الله منتقمٌ لرسوله ممن طعن عليه وسبه، ومُظهر لدينه ولكذب الكاذب إذا لم يمكن الناس أن يقيموا عليه الحدَّ. ونظير هذا ما حدَّثناه أعدادٌ من المسلمين العُدول أهل الفقه والخبرة عما جرَّبوه مرّاتٍ مُتعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصرَ المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه، حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله ﷺ  والوقيعة في عرضه تعجَّلنا فتحه وتيسَّر ولم يكد يتأخَّر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفُتح المكان عنوةً ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنّا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم بما قالوا فيه.

وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات، أنَّ المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنة الله أنَّ يعذِّبُ أعداءه تارةً بعذابٍ من عنده وتارةً بأيدي عباده المؤمنين»[14].

وهنا بعض الأمور التي يحسُن بالمسلمين مراعاتها – خصوصًا من يقيم منهم في الغرب – في ظل هذه الموجة المتصاعدة:

  1. مواصلة الدعوة إلى الله والتعريف بالنبي ﷺ  مع كل إساءة، ومع كل استفزاز، وترجمة ما يمكن من المواد النافعة ذات النفَس الهادئ إلى اللغات الغربية، بل التأليف ابتداءً بتلك اللغات لمن يستطيع ذلك ويمتلك الأهلية والملكة اللغوية، فالنبي ﷺ  بُعث رحمةً للعاملين.
  2. الرَّد على الإساءات والتناقضات بالمنطق والحوار بالتي هي أحسن عبر جميع القنوات الممكنة والمتاحة، والتمسك بالحقوق العامة ومنها حقُّ احترام المقدَّسات ومنع الإهانة العامة، وعدم قبول إهدارها واللجوء للقانون الذي يكفل هذه المساحة ويحميها.
  3. عدم الانجرار خلف مشاعر الغضب والرغبة في الانتقام التي تُخلِّفها الاستفزازات والإساءات المتكررة والممنهجة، وإبقاء ردود الأفعال في الحدود الحضارية الراقية المتماشية مع أخلاق الإسلام وأحكامه.
  4. توعية الشباب ومَن يمكن أن يصدر عنهم ردود أفعال متحمِّسة، بأنَّ ما قد يقومون به سيُصدِّق الرواية الإعلامية المُغرضة وما تحمله من تُهم الإرهاب والتطرف، وأنَّه لن يؤدِّي للدفاع عن النبي ﷺ ، بل سيسيء إليه.
  5. ضبط الوضع القانوني والمالي للمشاريع الدعوية والمراكز الإسلامية والمساجد، وعدم ترك ثغرات تؤدِّي إلى إغلاق هذه المنشآت التي تحمل الخير الكثير للمسلمين وغيرهم تحت أي ذريعة.
  6. الاستعداد النفسي للمزيد من التصعيد والإساءات والتضييق التي يُراد منها إثارة غضب المسلمين في قابل الأيام، والصبر على ما قد ينالهم وعدم تقديم تنازلات على حساب الدين، مثل خلع الحجاب أو قبول الإساءة أو مجاراة الخطاب الإعلامي السائد برمي تُهم الإرهاب على المسلمين.
  7. الاستمرار في استخدام وسائل القوة التي تملكها الشعوب المسلمة، ومن أقواها سلاح المقاطعة الاقتصادية، وإدراك قوته وتأثيره الكبيرين.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].


[1] المصدر: موقع BBC ، قامت صحف إسبانية ومجرية ونيوزيلندية بنشر الرسوم المسيئة في ذات الفترة.

[2] عدة تقارير من مواقع ويكيبيديا، وفرنسا 24، والجزيرة نت.

[3] فيما بعد أسلم نائب رئيس الحزب (أرنود فان دور) وهو منتج الفيلم المذكور عام 2013 م، وحجَّ واعتمر وزار قبر النبي ﷺ ، وعبَّر عن أسفه وندمه الشديدين.

[4] جميع هذه الأحداث معروفة، وأوردتها معظم المنصات الإخبارية، وصدرت ردود أفعال كثيرة حيال هذه الأحداث والاعتداءات.

[5] واستشهدوا في ذلك بالعديد من الكتابات المنصفة التي أصدرها غربيون غير مسلمين، من خلال اطلاعهم ومعرفتهم اللصيقة بالإسلام والرسولﷺ .

[6] في عام 2015م أفاد أحد الدعاة في المركز الإسلامي بالدانمارك أن نسبة الداخلين في الإسلام من الدانماركيين بعد الحملات المسيئة للإسلام ارتفعت خلال السنوات القليلة الماضية لتصل إلى أكثر من 30% عن السابق، نقلًا عن صحيفة سبق.

[7] من أشهرها تصريح الرئيس الفرنسي: الإسلام ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم.

[8] ذكرته الوزيرة اليسارية السابقة سيغولين رويال في مقابلة لها على قناة سي نيوز الفرنسية.

[9] جاء ذلك على لسان المستشارة الألمانية نقلً عن قناة DW الألمانية.

[10] موقع منظمة العفو الدولية، بعنوان: «فرنسا ليست نصيرة حرية التعبير كما تزعم».

[11] ينظر: تقرير بعنوان: «مسلمو أوروبا يشترون الكنائس المغلقة لتحويلها إلى مساجد » على موقع وكالة الأناضول عام 2016 م، وتقرير: «مستقبل الإسلام في أوروبا (الكثافة السكانية الإسلامية)» من إنتاج هيئة الإذاعة البريطانية BBC . وتفريغ التقرير على موقع الألوكة.

[12] أبرزها تصريحات لأحد القساوسة الفرنسيين في مؤتمر بفرنسا بداية عام 2019م، قال فيه: (نحن الآن في أزمة ومعضلة كما كنا في عام 1944م! ليست النازية هذه المرة ولكن ما هو أسوأ بكثير! إنها «فاشية » أخرى والتي قررت أن تغزو أوروبا. في الواقع هناك نوعان من الفاشية: الفاشية المالية و«الفاشية الإسلامية»! إنها الحقيقة! أنا أعرف جيدًا ما هو الإسلام ولقد عشته يوميًا. فرنسا ستصبح دولة مسلمة غدًا! هؤلاء الأطفال سيكونون مسلمين في المستقبل. هؤلاء الأطفال سيكبرون وسيكون الإسلام منتشرًا في كل مكان. الاسم الأكثر تداولً للمواليد في بروكسل هو «محمد» أكثر من 50% من المواليد «محمد» في بروكسل، وكذلك في أغلب مدن بريطانيا حاليًا وغيرها من الدول الأوروبية، والكنيسة هنا تراقب كل هذه الكوارث بكل برود وسذاجة، والكنيسة هنا تراقب كل هذه الكوارث من دون فعل أي شيء! ولكنني سأضع «خطة» سوف نبدأ غدًا، غدًا سنضع «خطة واستراتيجية للتغيير»!). والمقطع موجود على منصة يوتيوب.

[13] قال السياسي الهولندي أرنود فان دور (الذي أسلم بعد أن أخرج فيلمًا مسيئًا للإسلام) في مقابلة له مع صحيفة الرأي الكويتية عن دوافعه لإنتاج الفيلم: «كان سبب إقدامي على إنتاج هذا الفيلم مع مجموعة آخرين، هو ظنُّنا وقتها أن الإسلام يشكل تهديدًا وأنَّ له آثارًا سلبية على الحياة في أوروبا»، وعن الجهة التي دفعته لإنتاج الفيلم المسيء قال: «إن لوبيًا أميركيًا – إسرائيليًا نصح بإنتاج فيلم «فتنة» للتخويف من الإسلام».

[14] الصارم المسلول على شاتم الرسول، لابن تيمية (2/ 233 – 234).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

X