حضارة وفكر

المسلمة والقراءة: نحو رؤية واعية في بناء نساء فاعلات في الأمة

كانت المرأة في تاريخنا الحضاري محضن الأجيال، وصانعة الرجال، ولعل هذا المقام أضحى من أعظم الثغور التي يجب على كل مسلمة الوقوف عليها، ولن يتم لها إلا بفعل القراءة الواعية الموصولة بالوحي الرباني، فتكون قراءتها باسم الله وعلى مراده، وفي هذه المقالة بيان لمعالم تحقيق رؤية كونية إسلامية تكون منطلق النظر وميزان العمل عند كل مسلمة تحمل هم تربية وتحصين الأجيال، فيكون مبتدأ فعلها وفاعليتها في الأمة بقراءتها الواعية المضبوطة بأنوار التنزيل.

الحمد لله الذي علمنا وفهمنا، فكان في قوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ما يرفع الإنسان من دركات الجهل إلى مقامات العلم، والحمد لله الذي جعل في كتابه المبين ما ينقل الإنسان من ظلمة الحيرة إلى نور اليقين، فكان المتبصر في آيهِ العامل بمحكم تنزيلهِ من الفائزين المتدرجين في منازل عباد الله المخلصين، وبعد:

فكيف للمرء أن يحيا السعادة الحقة وهو هائم في هذه الدنيا بغير بوصلة تكشف له المسالك، أو مصباح ينير له الطريق، في عالم بات يعج بالرؤى والتصورات التي زادت الإنسان حيرة وفصلت الإنسان عن حقيقة وجوده في هذه الدنيا؟ ولعل الناظر في واقعنا المعاصر يعي أهمية وصل المسلمين إناثًا وذكرانًا بالعلم المسدد بالوحي والتنزيل، الذي به نهوض الأمم والحضارات، وفي أحضانه فاضت الأمة الإسلامية بالإبداع في مجالات الحياة.

ولعل الحديث عن علاقة المسلمة المعاصرة بالقراءة يعد من أولويات واقعنا الفكري؛ فلا يخفى علينا وقع الأيديولوجيا النسوية على الكثير من نسائنا، اللاتي صرن يحملن هذا الفكر بدعوى التحرر والانعتاق من قيود ادعت النسوية أن الدين يكبل بها حرية المرأة. ولو كانت المسلمة على قدر من العلم بدينها وتحمل في قلبها أنوار الوحي لما كان لهذه الدعوى أن تغشي بصيرتها.

ومن هذا المنطلق جاءت هذه المقالة للبحث في سبل تحقيق القراءة المسددة بالوحي في نفس كل مسلمة تسعى لغرس فتائل التوحيد في نفسها وفيمن حولها، باعتبارها صانعة الأجيال وموثق تربية الأبناء، حيث لا تكون القراءة سببًا في اضطراب هويتها أو استلاب وعيها، بل وسيلةً لبناء فهم صحيح للدين، وتكوين وعي ينعكس على الأسرة والأجيال القادمة.

لا يخفى وقع الأيديولوجيا النسوية على الكثير من نسائنا، اللاتي صرن يحملن هذا الفكر بدعوى التحرر والانعتاق من قيود ادعت النسوية أنّ الدين يكبل بها حرية المرأة. ولو كانت المسلمة على قدر من العلم بدينها وتحمل في قلبها أنوار الوحي؛ لما كان لهذه الدعوى أن تغشي بصيرتها

 المسلمة والمرجعية (الرؤية الكونية التوحيدية):

قبل الحديث عن موضوع المسلمة والقراءة يجب أن نقف على “ما يسمى بالنظرة الكلية” أو “التصور الكلي” الذي ينظر من خلاله المسلم إلى نفسه أولاً ثم إلى الآخر ثانيًا، وذلك ليتسنى لنا الحديث عن ماذا تعني لنا القراءة وبمنظور من نقرأ؟

فمعاش الإنسانية ومآلها مبني على تصورها الكوني، وليس ثمة ما هو أكثر أهمية من الطريقة التي يفهم فيها الإنسان خالقه ونفسه والكون الذي يعيش فيه، وحتمًا سيكون لهذه الرؤية أثر في طريقة قراءتنا وفهمنا لما تتلقفه عقولنا من أفكار، كل الأفكار، سواء أكانت أفكار الأفراد أو أفكار الجماعات، ترجع في النهاية -على نحو أو آخر- إلى نظرية في الكون. وكل عصر يعيش في شعور ولَّده المفكرون الذين يؤثرون في هذا العصر، وإن لم تكن لكِ مرجعية تحتكمين إليها وتؤطر تصورك وقراءتك فحتمًا سيؤثر فيك الجو المعرفي العام المهيمن والغالب.

ولو قلّبنا -على سبيل المثال- صفحات التاريخ العربي، ونظرنا في حال العرب قبل الإسلام وبعده، تبين لنا كيف استطاع القرآن الكريم أن يحدث ثورة مفاهيمية، غيرت نظرة العرب لحالهم ومعاشهم، فكان للمنظومة الإسلامية عظيم الأثر في إعادة هيكلة التصورات الكلية التي كانت سائدة عند العرب في الجاهلية.

فالإسلام أعاد تركيب نظرة العرب للعالم وفق رؤية إلهية توحيدية، مرجعها النهائي الله الواحد المتعالي، وقد أبرز العالم الدلالي توشيهيكو إيزوتسو (Toshihiko Izutsu) بتحليل مستفيض من خلال كتابه: “المفهومات الأخلاقية الدينية في القرآن الكريم” كيف استطاع الإسلام في مجال الأخلاق والفضيلة إعادة هيكلة المفاهيم الأخلاقية، مصورًا هذه الهيكلة بـ “أسلمة الفضائل العربية القديمة”[1].

وهكذا فرؤية العالم جزء لا ينفصل عن فكر الإنسان؛ إذ لا تجد من لا يحمل رؤية كونية يركب في ظلالها صورته الذاتية، ويبني على مقتضاها مواقفه العقائدية والفكرية تجاه الآخر، فمبنى الحضارات والأمم قائم على تصورها الكلي وإجاباتها عن الأسئلة الوجودية الكبرى، حيث تكون الرؤية الكونية هي مؤطر الجواب والمرتَكز الذي به عروج الإنسان إلى سماء الإنسانية، أو انحداره وسفوله إلى مهاوي البهيمية والحياة المادية.

فأي خلل في صياغة الرؤية الكونية سيؤثر بالسلب على أفكارنا وقراءتنا للعالم وما يدور حولنا، فمثلاً إذا كانت رؤيتنا مادية صرفة، فقراءتنا ستكون محكومة بخلفية مادية، وبالتالي سأقرأ للآخر بالانبهار مسلوب الفكر، وستكون قراءتي لا للنقد أو التقويم، بل لتشرب الأفكار والرؤى التي قد تكون بل ستكون حتمًا مخالفة للمرجعية التي أحتكم إليها كمسلمة.

وفي ظل الانفتاح اللامحدود على ثقافات أخرى تحكمها رؤى كونية مختلفة عن رؤيتنا الإسلامية؛ نكون بحاجة إلى رؤية واعية لنبني نساء فاعلات في الأمة غير مستلبات الفكر، فخورات بمرجعيتهن الإسلامية القائمة على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ينظرن لأنفسهن بمنظور إسلامي ويحتكمن في معالجة قضاياهن إلى الإسلام وسط ركام الأفكار والتصورات المستوردة التي يزدحم بها واقعنا الفكري.

وهكذا فعلينا أن نعمل دائبات على تنقية رؤيتنا للعالم ووصلها بالوحي، وذلك لنستقبل المقروء إن كان مخالفًا لمرجعيتنا التوحيدية بعين البصيرة، ونسلك سبيل من دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين.

1- المسلمة وفريضة القراءة:

فالقراءة هي التي ستأسس الوعي الحقيقي بما يجب أن نكون عليه لنبني جيلاً يعي موقعه الوجودي في الكون، وواجب كل إنسان رجلاً أو امرأة النهوض بفريضة “اقرأ”، وتحقيق النفع للأمة بأقصى قدر تسمح به مواهبه الفطرية. والقيام بهذه المهمة الآن -كما يرى إسماعيل راجي فاروقي- ضرورة تفوّق أي وقت مضى بالنظر إلى ما تعاني منه الأمة من وهن وسبات، فالأمة لا تستغني عن جهد أحد من أبنائها[2].

والمرأة هي من تحمل لواء بناء الأجيال، لذلك يقول علي عزت بيجوفيتش في كتاب عوائق النهضة الإسلامية: “على المرأة المسلمة أن تنجب وتنشئ وتربي جيلاً جديدًا وتزرع فيه الثقة بالإسلام والمستقبل، ولا يمكنها أداء هذا الواجب إلا إذا كانت هي ذاتها متعلمة مكرمة”[3].

لذلك فالمهمة الأولى التي ينبغي للمرأة المسلمة التركيز عليها هي التدريب لتغدو مسلمة قارئة، من أجل إيقاظ عقلها وتغذيته بالحكمة الإسلامية، ولا شك أن هذه الحكمة ستكسبها بصيرة ومرونة في التعامل مع مجريات الأحداث وما يتجدد من قضايا العصر.

لذلك فالمرأة المسلمة مطالبة في هذا الصدد بتحصيل مهارات بث الهمة في غيرها من المسلمين وتعليمهم وتعبئتهم لخدمة دين الله تعالى، وعليها أن تسعى لتنمية المهارات المطلوبة للعمل الاجتماعي على مستوى القرية والمدينة، لتغدو قادرة عبر عملها الاجتماعي على إرشاد غيرها من البشر إلى واجبهم الإسلامي ومساعدتهم بالتعليم وبالأسوة الحسنة، وأداء ما عليها من واجبات بصفتها مسلمة لله تعالى وللأمة[4].

المهمة الأولى التي ينبغي للمرأة المسلمة التركيز عليها هي التدريب لتغدو مسلمة قارئة، من أجل إيقاظ عقلها وتغذيته بالحكمة الإسلامية، ولا شك أن هذه الحكمة ستكسبها بصيرة ومرونة في التعامل مع مجريات الأحداث وما يتجدد من قضايا العصر.

ومما لا شك فيه أن الواجب الأساس للأغلبية العظمى من المسلمات هو التفرغ لمهنتهن الدائمة بصفتهن ربات بيوت وأمهات، ومن نافلة القول التذكير هنا بأن هذه المهنة تتطلب تأهيلاً يوازي أو يزيد عن التأهيل الذي تقتضيه أية مهنة أخرى خارج البيت، ومن ثم هي مهنة تحتاج لأقصى ما يمكن أن يتمتع به إنسان من النضج والحكمة والذكاء والذوق الفني والإبداع وحضور البديهة والخبرة. وفرصة التدرب على هذا كله متاحة بقدر ما يسمح به وقت طالبته وقدرتها في علوم التدبير المنزلي والتربية والآداب والفنون والتاريخ وعلم النفس والثقافة.

ولا يكون لها هذا التأهيل إلا بالقراءة التي بها نهوض الأمم، بل هي شعلة انطلاق هذه الأمة، فكلمة “اقرأ” هذه العبارة العظيمة التي تكررت ثلاث مرات على قلب النبي صلى الله عليه وسلم فيها إشارة واضحة إلى تشوف الإسلام لتحقيق نهضة علمية ومعرفية في مختلف جوانب الحياة.

وهكذا فإن سائر المعارف الحضارية التي أبدعها المسلمون وتفوقوا فيها إنما تنتمي حقيقة إلى هذا التنزيل العزيز، وعلى امتداد التاريخ الإسلامي، فإن العلم كان مقياس الشرف.

وينسب لعلي رضي الله عنه أنه قال:

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم ** على الهدى لمن استهدى أدلاء

وقيمة المرء ما قد كان يحسنه ** والجاهلون لأهل العلم أعداء

ففز بعلم تعش حيًا به أبدًا ** الناس موتى وأهل العلم أحياء

وبذلك فإن الحضارة العلمية في الإسلام جاءت في وقت نامت فيه الأمم، وكسلت فيه الهمم، فحمل المسلمون لواء المعرفة بإخلاص، فأفادوا منه، وأفادوا فيه، وصارت المعرفة من بعد لا تؤخذ إلا منهم، ولا تعرف إلا عنهم. وقد أشار عدد من المستشرقين المنصفين أمثال غوستاف لوبون إلى أنه لولا الحضارة العربية لتأخرت حضارة أوروبا خمسة قرون[5].

فكانت مكتبة بعض المدن الصغيرة في العراق تضم ما يربو على أربعين ألف مجلد، وكانت أضخم مكتبة عرفها العالم في القرن العاشر مكتبة الخليفة العزيز بالله الفاطمي في القاهرة، فقد حوت مليونًا وستمئة ألف مجلد، منها ستة آلاف وخمسمئة مجلد في الرياضيات، وألف وثمانمئة مجلد في الفلسفة. أما مكتبة بخارى فقد قال الفيلسوف الشهير ابن سينا: إنه رأى فيها كتبًا لا وجود لها في أي مكان آخر في العالم[6].

ويذكر المستشرق الهولندي ريهنرت دوزي أن جميع سكان الأندلس في العهد الإسلامي كانوا يتقنون القراءة والكتابة (نساء ورجالاً، شيبًا وشبانًا)، في وقت كانت فيه الكتابة حكرًا على عدد محدود من رجال الكنيسة[7].

وهذا مجرد مثال من أمثلة كثيرة تكاد تكون متطابقة، فمعرفة التاريخ أمر ضروري؛ لأن من لم يقرأ ماضيه لا يمكن أن يفهم واقعه، وفي هذا الصدد يقول علي عزت بيجوفيتش: “إن لنا حقًا في ماضينا، ويجب علينا شق الطريق إليه، حتى نعلم من نحن، ومن أين نتحدر، وإلى أين يتعين علينا المسير. ومن هذا المنظور التاريخي نرى بوضوح طول الفترة المديدة التي شارك فيها المسلمون مشاركة فعالة في تاريخ البشرية، السياسي والثقافي على حد سواء، ونرى أيضًا كم هي قصيرة نسبيًا فترة تخلفنا”[8].

وهذه الحضارة التي قادت العالم لقرون شارك في بنائها الرجال والنساء، لذلك لم يكن غريبًا أن يسجل التاريخ الإسلامي طائفة مهمة من أعلام النساء اللاتي كان لهن دور بارز في الحياة، وقد ترعرعت في أحضان المجتمع الإسلامي الآلاف من النساء اللاتي برعن في أصناف العلوم حتى نافسن الرجال، وأصبحن أستاذات لكبار علماء عصرهن، وقد ترجم الحافظ ابن حجر في كتابه (الإصابة) لثلاث وأربعين وخمسمئة وألف امرأة كان من بينهن الفقيهات والمحدثات والأديبات، وخصص الإمام النووي في كتابه (تهذيب الأسماء)، والخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) والسخاوي في كتابه (الضوء اللامع) حيزًا كبيرًا لترجمة أسماء النساء المثقفات.

فهذا التاريخ العامر بالعلم والحث على التعلم يبعث في نفوسنا الهمة للقيام بفعل القراءة وجعلها عقيدة لا تناقش، وهو العنوان الذي أورده (Daniel Pennac) في كتابه (متعة القراءة) والذي نصه: “يجب أن تقرأ.. عقيدة لا تناقش”[9].

2- المسلمة والقراءة المسددة بالوحي:

إذن لا مجال للمرأة المسلمة -وهي ترى هذا الوهن الذي ينخر جسد الأمة، وهذه الآفات الفكرية التي باتت تستهوي نفوس أبنائنا وعقولهم- إلا أن تجعل من فعل القراءة واجبًا فكريًا، ترجو به بعث العزائم وتصحيح المفاهيم لدى الأجيال الصاعدة؛ فتكون الأسرة المقام الأول لبث روح القراءة الواعية البانية، لأن المسألة ليست مالية ولا ترفيهية، وإنما هي مسألة مصير ووجود، ولا ريب  أن جعل القراءة إحدى مفردات أعمالنا اليومية لن يكون يسيرًا؛ حيث يقتضي تغييرًا جوهريًا في سلوكاتنا وعاداتنا، كما يتطلب توفير المال والوقت، وقبل ذلك الأهداف والدوافع.

ومع كل ما في ذلك من عناء ومشقة إلا أنه لا خيار آخر أمامنا، وعلينا ما دمنا نود أن نحيا الحياة التي تليق بكرامة المسلم وغايات وجوده على هذه الأرض أن نتحمل تكاليف ذلك عن طيب خاطر.

وإذا كان الكتاب كما يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: “وعاءً حافظًا للعلم من الضياع كالأوعية التي تحفظ الأمتعة من الذهاب والبطلان”[10]، فإن القراءة الواعية القائمة على رؤية كونية توحيدية هي منبت الأفكار البانية التي بها صلاح النفوس ونهوض الأمة.

لا مجال للمرأة المسلمة -وهي ترى هذا الوهن الذي ينخر جسد الأمة، وهذه الآفات الفكرية التي باتت تستهوي نفوس أبنائنا وعقولهم- إلا أن تجعل من فعل القراءة واجبًا فكريًا، ترجو به بعث العزائم وتصحيح المفاهيم لدى الأجيال الصاعدة؛ فتكون الأسرة المقام الأول لبث روح القراءة الواعية البانية.

ولعل ما استشرى في الأمة من خلل في بناء التصورات حال دون حصول هذه القراءة الواعية، وفي ذلك يقول الدكتور عبد الكريم بكار: “وشيوع الأمية الأبجدية والحضارية قد جلب على أمة الإسلام مشكلات هي أكبر بكثير مما نظن، وليس ذلك على صعيد المعيشة والإنتاج فحسب، وإنما على صعيد فهم الإسلام أيضًا، فالإسلام بما أنه بنية حضارية راقية، لا يتجلى على نحو كامل إلا عبر تجربة معرفية وحضارية رائدة، مما يعني أن التخلف الذي نعاني منه قد حال بيننا وبين رؤية المنهج الرباني على النحو المطلوب”[11].

ونأخذ هنا على سبيل المثال أثر الفكر النسوي في تغيير تصور بعض فتيات الأمة “للحجاب”، الذي نعلم بتضافر أدلة الكتاب والسنة فرضيته على نساء المسلمين، وإجماع الأمة على ذلك، حيث ظهرت بعض الأطروحات النسوية التي تفرغ مصطلح الحجاب من دلالاته الشرعية وشحنه بالدلالة الاجتماعية، حيث أدى اختصار دلالة مصطلح الحجاب على الدلالة الاجتماعية إلى التعامل مع الحجاب كرمز من الرموز الثقافية والاجتماعية، أو ظرف مفروض على المرأة لا يحمل أي مفهوم ديني، وهذه الإقصائية للدلالة الدينية لا تقتصر على مصطلح “حجاب” بل تمتد إلى كثير من المصطلحات الشرعية، مما يتولد على ذلك عزلة للمفاهيم الشرعية على الصعيد الثقافي والاجتماعي.

وهذا التصور قد امتد أثره في شريحة من نساء الأمة؛ حيث لم يعد نظرهن للحجاب كفرض ديني، يسري عليه حكم الواجب، وإنما رمز اجتماعي أو ثقافي، ولو حكَّمت نساء الأمة المرجعية الإلهية في النظر لحالهن، وقرأن بعين الوحي أو “قرأن باسم الله”، لأصلن لمفهوم الفريضة ومرتبتها في الشريعة في البدء، ليفقهن علاقتهن الوجودية بالحجاب، وأثرها في إبراز هويتهن الإسلامية؛ إذ إن قضية الحجاب وغيرها من القضايا التي تعالجها النسويات إنما هي قضايا تمس الأصول الاعتقادية للفرد والأمة الإسلامية عامة[12]، فليست القضية مسألة فقهية تتناول الفروع. وإن لم تكن المسلمة تقرأ بتسديد الوحي وترى الآخر بمنظور الرؤية التوحيدية ستنساق وراء أباطيل الفكر النسوي وغيره.

وهكذا لن تكون قراءتها قراءة نقد وتقويم للآخر المخالف في الفكر إلا بالمرجعية الإلهية المسددة بالوحي، ولن تثمر قراءتها إلا بالضابط التعبدي الذي أشار إليه الدكتور فريد الأنصاري في كتابه (أبجديات البحث العلمي)، وهو ضابط يسري على كل الأعمال، لذلك فالقراءة المثمرة يجب أن يكون فعلها لله وحده، فلا تفتح المسلمة كتابًا إلا باستحضار هذا الضابط التعبدي، وتنظر فيما كان عليه علماء هذه الأمة الذين  يبدؤون في استهلال دروسهم وأعمالهم العلمية عادة بحديث: (إنما الأعمال بالنيات) رجاء رفع عملهم ذاك إلى مقام التعبد، ومن هنا كان حرص علماء الإسلام على سلامة المقاصد في كل قول وفعل، يقول أبو إسحاق الشاطبي: “المقاصد أرواح الأعمال”[13].

فيكون مقصدها من القراءة استنهاض الهمة في نفوس الأبناء، وتحصيل العلم الذي يصلحها وينير بصيرتها لفهم الوجود، فتكون قدوة لغيرها في القراءة الواعية البانية المسددة بأنوار الوحي.

ثم تعمل على استثماره وتصريفه في واقعها، وهنا أستحضر ما قاله الدكتور الشاهد البوشيخي حفظه الله تعالى -وإن كان حديثه في سياق العالمية لكنه قد يسري على كل من سلك سبيل العلم- حيث قال: “العالِم ليس هو الذي يحمل في رأسه خزائن ومكتبات، ولكنه الذي يعرف كيف يوظف ما في رأسه وما في الخزائن والمكتبات من أجل إضافة بعض الإضافات”[14]. ولعل أكبر وأعظم إضافة يمكن أن تضيفها المسلمة القارئة هي إنشاء أجيال واعية بواقع الأمة واستثمار المقروء في بث روح العمل الإسلامي في نفوس الأبناء.


د. كريمة دوز

دكتوراه في العقيدة والفكر الإسلامي ومقارنة الأديان، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس – المغرب


[1] بين الله والإنسان في القرآن (دراسة دلالية لنظرة القرآن إلى العالم)، توشيهيكو إيزوتسو، ترجمة: عيسى علي العاكوب، ص (34-35).

[2] التوحيد: مضامينه على الفكر والحياة، لإسماعيل راجي الفاروقي، ترجمة: السيد عمر، ص (228).

[3] عوائق النهضة الإسلامية، لعلي عزت بيجوفيتش، ترجمة: صبحي وسيم تادفي، ص (72).

[4] المرجع السابق نفسه.

[5] ينظر: حضارة العرب، غوستاف لوبون، ص (25).

[6] عوائق النهضة الإسلامية، ص (39).

[7] المرجع السابق نفسه.

[8] عوائق النهضة الإسلامية، لعلي عزت بيجوفيتش، ترجمة، صبحي وسيم تدافي، ص (50).

[9] متعة القراءة، لدانييل بناك، ترجمة: يوسف الحمادة، ص (55).

[10] مفتاح دار السعادة (1/279).

[11] القراءة المثمرة، للدكتور عبد الكريم بكار، ص (9-10).

[12] التأويل النسوي المعاصر في قضايا المرأة الشرعية دراسة نقدية، سامية بنت مضحي العنزي، ص (224) بتصرف.

[13] الموافقات، للشاطبي (3/44).

[14] مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والمسلمين، الشاهد البوشيخي، ص (21).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *