هل تجري التحوّلات السياسية الكبرى في منطقتنا على نحو عشوائي، أم أنها نتاج حسابات وتدافعات أعمق تحكم مساراتها؟ لماذا تتكرر أنماط التدخّل والانقسام وصناعة الأزمات في أكثر من بلد رغم اختلاف السياقات؟ وهل يمكن فهم ما جرى في العراق وما شهدته سوريا وما يحدث في أماكن أخرى ضمن إطار واحد يفسّر هذه التشابكات؟ يحاول الكتاب الذي بين أيدينا أن يقدّم إجابة عن هذه الأسئلة، عبر قراءة مختلفة لطبيعة العلاقات الدولية وآليات إدارتها في الواقع المعاصر.
عن الكتاب ومؤلّفه:
يقع كتاب (الحدائقُ الخلفيةُ: شرحٌ ميسّر لطبيعة العلاقات بين دول العالم وأسرارها من خلال مئات الأمثلة والحكايات) في (253) صفحة من القطع المتوسّط، طبعه مركز البيان للبحوث والدراسات التابع لمجلة البيان سنة 1439هـ.
الكتاب عمل فكري سياسي يتناول طبيعة العلاقات الدولية من زاوية تحليلية تفسيرية، ويعتمد على تتبع الوقائع والأمثلة التاريخية والمعاصرة لفهم آليات الهيمنة، والتبعية، وصناعة النفوذ في النظام العالمي.
مؤلّفه هو: أحمد فهمي، باحث سياسي، صدر له ١٥ كتابًا في مجالات السياسة والإعلام السياسي، نشرَ كثيرًا من الدراسات والبحوث المحكّمة.
مدخل:
يقدّم كتاب (الحدائقُ الخلفيةُ) قراءةً تفسيرية لطبيعة العلاقات الدولية كما تُمارَس في الواقع، لا كما تُعرض في الأدبيات النظرية المجرّدة. فالكتاب ينطلق من فرضية أساسية مفادها أنّ السياسة -رغم اتصالها المباشر بحياة الناس وواقعهم ومستقبلهم- تظلّ من أعقد المجالات فهمًا، لا بسبب غموضها، بل بسبب طبيعتها المتحرّكة وتشابك مستوياتها، وتداخل ما هو معلن فيها بما هو خفي.
ويرى المؤلف أنّ الاقتصار على تحليل المعلومات المتداولة أو الخطابات الرسمية لا يفضي إلى فهم حقيقي لما يجري في عالم السياسة؛ لأنّ هذه المعطيات لا تمثّل سوى جزء محدود من الصورة. أما الفهم الأعمق، فيكمن في النظر إلى السياسة بوصفها عملية ديناميكية قائمة على الحركة والتفاعل، وفي تتبّع الوقائع والأحداث ضمن سياقها المتغيّر، لا باعتبارها وقائع معزولة.
في هذا الإطار، يطرح الكتاب مفهوم (الحدائق الخلفية) بوصفه مفتاحًا تفسيريًا لفهم العلاقة غير المتكافئة بين (دول المركز) و(دول الأطراف)، حيث تُدار الأخيرة بوصفها مجالات تابعة تُستثمر مواردها، ويُتحكَّم في خياراتها، وتُصنَع لها الأزمات والذرائع التي تبرّر التدخّل فيها بأشكال متعدّدة. ولا يكتفي المؤلف بعرض هذا المفهوم في بُعده النظري، بل يعزّزه بالكثير من الأمثلة والحكايات التي توضّح آليات التحكّم، وصناعة المسوّغات، وإدارة الأزمات داخل هذا النظام العالمي.
تهدف هذه القراءة إلى إبراز الفكرة المركزية للكتاب ومساره التحليلي، مع التركيز على الكيفية التي تتشكّل بها (الحدائق الخلفية) وكيف تُدار في الواقع السياسي المعاصر.
السياسة لا تُفهم من البيانات المعلنة وحدها، بل من تتبّع حركتها بوصفها شبكة تفاعلات تتكشف مع الزمن
الحدائق الخلفية بوصفها إطارًا تفسيريًا للعلاقات الدولية:
ينطلق أحمد فهمي في الفصل الأول من كتابه من محاولة ضبط مفهوم (الحديقة الخلفية) بوصفه مدخلاً تفسيريًا لفهم العلاقات الدولية المعاصرة. وهو مفهوم وإن بدا في ظاهره استعاريًا إلا أنّه -كما يبيّن المؤلف- متجذّر في الثقافة الغربية ذاتها؛ حيث يُنظر إلى الحديقة الخلفية للمنزل بوصفها فضاءً خاصًا تُمارَس فيه أنشطة لا يُراد لها أن تكون في الواجهة، ولا تُعرض على العامة، بخلاف الحديقة الأمامية التي تعكس الصورة الرسمية والمنظّمة للبيت. هذه الثنائية -في نظر المؤلف- تُسقَط على عالم السياسة لتعبّر عن الطريقة التي تتعامل بها الدول الغربية المتقدمة مع دول العالم الثالث.
وفق هذا التصور، يقوم النظام العالمي على تقسيم غير متكافئ للدول إلى قسمين رئيسين:
(دول المركز) وهي الدول الصناعية الرأسمالية المتقدّمة تكنولوجيًا.
و(دول الأطراف) أو (الهامش)، وهي الدول الأقل تطورًا صناعيًا والأضعف اقتصاديًا وسياسيًا. وتقوم فكرة (الحدائق الخلفية) على أنّ دول المركز تنظر إلى دول الأطراف بوصفها مجالاً تابعًا لها، يُدار ويُستثمر بما يخدم مصالحها العليا، لا بوصفها دولاً مستقلة ذات سيادة مكتملة.
هذا التصنيف لا يعني مجرّد تفاوت في مستويات التنمية، بل يعبّر عن علاقة بنيوية لها أبعاد متعدّدة:
» فأوّل ما تعنيه هو التبعية؛ أي أن تكون الدولة الطرفية مرتبطة بدول المركز اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا، بحيث لا تملك حرّية القرار الكامل في شؤونها المصيرية.
» وثاني ما تعنيه أنّ هذه الدول لا يُراد لها في منطق النظام العالمي القائم أن تتحوّل إلى دول غنيّة؛ فالعالم كما يقول: “لا يتحمل أن تكون الدول كافّة غنية، بل إنّ هذه وضعية لا يمكن الوصول لها أساسًا؛ لأنّه إذا تطورت الدول الفقيرة كافّة وتحوّلت إلى دول صناعية لديها اكتفاء ذاتي فإنّ ذلك سيؤدّي إلى تدهور الاقتصاد العالمي وتراجع موازين القوى القائمة، وستصبح التنافسية كابوسًا لا يطاق بالنسبة للقوى الاقتصادية الكبرى؛ لذلك يجب أن يظلّ عالم الدول الفقيرة كما هو إجمالاً، وكذا عالم الأغنياء، المطلوب فقط هو تحسين قدرة الفقراء على الاستهلاك والتعاطي مع منتجات العالم الغربي الاستهلاكية المتطوّرة”.
» الأمر الثالث يتمثّل في وظيفة دول الأطراف بوصفها مصدرًا للمواد الخام والغذاء لصالح دول المركز، وفي سبيل تأمين هذه الوظيفة لا ترى القوى الكبرى بأسًا في التدخّل المباشر أو غير المباشر للسيطرة على الموارد، حتى لو أدّى ذلك إلى إفقار المجتمعات المحلّية أو وقوع كوارث إنسانية واسعة، كما حصل في الهند عندما أخذت بريطانيا محاصيلها الزراعية ممّا أدّى إلى مجاعة مات فيها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، وعلّق حينها تشيرشل بوقاحة: “إنني أكره الهنود … كانت المجاعة خطأهم لأنّهم يلدون مثل الأرانب”! وفي هذا السياق يبرز البعد اللاأخلاقي الكامن في منطق (الحديقة الخلفية)، حيث تُختزل قيمة الدول في أرضها وثرواتها، بينما تُعامل الشعوب بوصفها مجرّد أدوات أو تروس في آلة الاقتصاد العالمي.
تقوم فكرة (الحدائق الخلفية) على أن دول الأطراف لا تُعامل بوصفها كيانات مستقلة تمامًا، بل بوصفها مجالات تُدار وتُضبط حركتها بما يخدم مصالح دول المركز في النظام الدولي
نظرية مالتوس:
يربط المؤلف هذا المنطق بنظرية (مالتوس) السكانية، لا بوصفها نظرية ديموغرافية محايدة، بل باعتبارها إطارًا فكريًا أثّر بعمق في العقلية السياسية الغربية. فقد اعتبر مالتوس أنّ الصراع بين تزايد السكان ومحدودية الغذاء صراع حتمي، وأنّ صعوبة العيش يجب أن تُحسَم في مكان ما، وعلى حساب قطاع واسع من البشر. ويشير المؤلف إلى أنّ الدول الغربية حسمت هذا الخيار مبكّرًا، وقرّرت ألّا تتحمل نصيبها من هذه الصعوبة، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل؛ مما يفضي عمليًا إلى استراتيجية إفقار دائم لقطاعات واسعة من سكان العالم. وقد تجسّد هذا المنطق تاريخيًا في التوسع الاستعماري، ثم استمر -بعد نهاية الاستعمار المباشر- بصيغ أكثر تعقيدًا، حيث تحولت الدول المستعمَرة سابقًا إلى (حدائق خلفية) تُدار بمعايير سياسية واقتصادية وعسكرية مختلفة عن تلك المطبّقة في العالم الغربي.
ويستعين المؤلف بمثالٍ تصويري يُعرف بـ(قارب النجاة) لتقريب الفكرة، حيث يُشبَّه العالم بقاربٍ محدود الحمولة لا يتّسع للجميع في آنٍ واحد. وبحسب هذا التصوّر لا يُطرح السؤال عن كيفية إنقاذ الجميع، بل عمّن يُسمح له بالبقاء داخل القارب ومن يُترك خارجه، ومن هذا المنظور يفسّر المؤلف طريقة تعامل دول المركز مع دول الأطراف.
ويختم المؤلف هذا الإطار النظري بالتنبيه إلى أنّ دول الأطراف ليست في مستوى واحد من التبعية؛ فبعض الدول نجحت في تحقيق قدر من الحركة خارج هذا القيد ولو بدرجات متفاوتة، كما أنّ دول المركز نفسها ليست كتلة واحدة متجانسة. غير أنّ هذه الاستثناءات لا تنقض القاعدة العامة، بل تؤكد أنّ منطق (الحدائق الخلفية) ما يزال أحد المفاتيح المركزية لفهم طبيعة النظام العالمي القائم.
خيوط الماريونت وآليات التحكم غير المباشر:
تعتبر (خيوط الماريونت) وصفًا دقيقًا لطبيعة العلاقة بين دول المركز ودول الأطراف؛ فكما تتحرك الدمى على خشبة المسرح وفق خيوط خفية لا يراها المشاهد، تتحرك دول الأطراف ضمن منظومة من التأثيرات والضغوط التي تُمارَس من خارجها، دون حاجة إلى إدارة مباشرة أو احتلال فجّ في معظم الأحيان.
فالقوى الكبرى لا تدير حدائقها الخلفية بالقوة الصلبة وحدها، بل تعتمد أساسًا على إدارة غير مباشرة تقوم على التأثير، والتوجيه، والاحتواء، واستباق المخاطر، وهذه الإدارة غير المباشرة أكثر كفاءة وأقل كلفة، وتُبقي على واجهة شكلية للسيادة، في حين يجري التحكم الفعلي في مراكز القرار.
يتناول الكتاب أساليب وأدوات التحكّم في (الحدائق الخلفية) من خلال محورين أساسيين: الجهات المستهدفة، وأدوات التحكم.
والمؤلف في تناوله لأساليب أدوات التحكم يقول: إنّ ذلك يجري من خلال محورين أساسيين: الجهات المستهدفة وأدوات التحكم.
أولاً/ الجهات المستهدفة، وهي المؤسسات والتجمّعات والأشخاص:
1. المؤسسات: ويقصد بها غالبًا المؤسسات السياسية؛ لأنّها الأكثر تأثيرًا، ولا سيما رأس هذه المؤسسة؛ لأنّه غالبًا هو مَن يمثل الدولة ويتفرّد بقراراتها، ومن أمثلة التحكّم: أنّ رئيس إحدى الدول الآسيوية كان يتقاضى راتبًا مقداره مليون دولار من CIA ولمدة عشرين عامًا!
يضيف المؤلف قائلاً: “مشكلة النخب السياسية في كثير من جمهوريات الحدائق الخلفية ذات الديمقراطيات الزائفة لا تفرز إلا شخصيات قابلة للتحكّم أساسًا، وهذا يجعلها فريسة سهلة لمحرّكي الدمى الذين لا يحتاجون إلى بذل جهد كبير في تركيب خيوطهم داخل المؤسسات السياسية، بل إنّه في أحيان كثيرة يسعى هؤلاء بأنفسهم بحثًا عمّن يتحكّم بهم”، ويضرب على ذلك مثالاً بمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تبحث عمّن يدعمها بغضّ النظر عن الإملاءات التي تملى عليها، وهذا ناتج عن التيه السياسي الذي أدّى إلى قابلية التحكّم، والملاحظ أنّ البعض بحكم العادة يدمن تقديم فروض الطاعة حتى لو لم يجبره أحد.
2. التجمعات: ويقصد بها التجمّعات العرقية أو الطائفية أو الأقليات بصفة عامة أو حتى الجاليات الأجنبية التابعة للدولة المستهدفة، وهذه الأقلّيات توفّر بيئة خصبة للاختراق، كما يمكن توظيفها لتنفيذ جميع المهام والأهداف المتعلّقة بالتحكم والسيطرة.
من الأمثلة على ذلك: أنّ البريطانيين كانوا على تواصل قوي مع الرموز الشيعية في جنوب العراق لدرجة بدأ الشيعة يعتبرون أنفسهم أفضل حالاً مع الحكم البريطاني ويفضّلونه على أيّ حكم سنّي للبلاد. وكذا فعل الأمريكان، حتى قال القزويني -أحد رجال الدين الشيعة العراقيين- لبول بريمر: إنّه معجب بالديمقراطية كثيرًا، وأنّه يجب أن يكون العراق الولاية الأمريكية الثالثة والخمسين!
يضيف المؤلف أنّه لا يشترط أن تكون التجمّعات المستهدفة أقلية عرقية أو دينية فقط، بل يمكن أن تستغل بعض الدول جالياتها في دول أخرى لتوظيفها في تنفيذ هذه المهام، وهذا ما قامت به إسرائيل ممثّلة في الموساد الذي كان يجنّد اليهود المقيمين في دول أخرى للقيام ببعض المهام، ويضرب على ذلك مثالاً بالرسوم المسيئة وأنّ الذي أوعز بها يهوديٌ أوكرانيٌ له نشاط كبير في دعم السياسة الأمريكية، والهدف هو الدفع بأجندة صراع الحضارات بين العالم الإسلامي والغرب تحت ستار حرية التعبير.
3. الأشخاص: تستهدف دول المركز أشخاصًا داخل الدولة المستهدفة بحسب موقع هذا الشخص وتقييمه، وبحسب الغرض المطلوب منه تحقيقه، فقد يكتسب هذا الشخص أهمية بسبب وظيفته أو منصبه أو نفوذه أو تأثيره؛ فيتمّ تجنيده ليكون عميلاً لهم ومخبرًا، ومن ذلك مثلاً السائق الخاص لياسر عرفات الذي كان يزوّد الموساد بتقارير شبه يومية بالهاتف أو بالبريد.
هناك أسلوب آخر في استهداف الأشخاص وهو هنا لا يركّز على الشخص بعينه، وإنّما يستهدف بناء نخبة مؤثّرة تدين بالولاء للدولة المستهدِفة، بمعنى آخر: بناء نخبة يمكن أن تشكّل تأثيرًا على الرأي العام أو على اتخاذ القرار في مختلف المجالات، ومن أمثلة ذلك: قيام إسرائيل بمشروعات وبرامج تدريبية تتفاعل مع المجتمعات الأفريقية؛ مما يجعل الذين ينفذّون هذه المشروعات ويحصلون على التدريب يتفاعلون مع إسرائيل بطريقة إيجابية وربما يؤثرون في المجتمع لصالحها.
لا تُدار (الحدائق الخلفية) غالبًا بتدخل فجّ مباشر، بل عبر خيوط غير مرئية تمتد إلى المؤسسات والنخب والتجمعات، بحيث تتحرك الدولة من الداخل وفق اتجاهات مرسومة لها سلفًا
ثانيًا/ أدوات التحكم:
ينتقل المؤلف إلى عرض الأدوات التي تُستخدم لتحريك (الدمى) داخل (الحدائق الخلفية)، ويمكن إيجازها في ثلاث أدوات رئيسة: أجهزة الاستخبارات، والواجهات المؤسسية، والهيئات الدبلوماسية.
1. أجهزة الاستخبارات: وهي الأداة الأكثر تقليدية وفاعلية، وتعمل غالبًا من خلف واجهات مدنية أو مؤسساتية، بما يسمح لها بالتحرك بحرّية داخل المجتمعات المستهدفة، دون أن تبدو طرفًا رسميًا في المشهد.
2. الواجهات المؤسسية: ويُقصد بها مؤسسات تمارس أنشطة علنية في مجالات البحث، أو التدريب، أو العمل الخيري، أو النقابي، لكنها في الواقع تؤدّي وظائف استخباراتية أو سياسية غير مباشرة. ويشير المؤلف إلى أنّ نجاح هذه الواجهات مرهون بعدم ظهور ارتباطها المباشر بالحكومات التي تقف خلفها، وهو ما يجعل المؤسسات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني أدوات مثالية في هذا السياق.
3. الهيئات الدبلوماسية: والتي لا يقتصر دورها -كما يوضّح المؤلف- على المهام التقليدية المعروفة، بل تتجاوز إلى لعب دور مباشر في إدارة الشأن الداخلي للدول الطَرَفية، عبر التواصل مع مختلف الفاعلين السياسيين والمجتمعيين، وتقديم النصح والدعم، وأحيانًا ممارسة الضغط أو عقد الصفقات. ويقدّم المؤلف مثالاً واضحًا لذلك بتحوّل السفارة الأمريكية إلى مراكز نفوذ واسعة تتجاوز بكثير الدور الدبلوماسي الكلاسيكي، لتصبح في العراق مركز السلطة السياسية في البلاد، ولتصبح في لبنان أشبه بقاعدة عسكرية تناطح القاعدة العسكرية الروسية في طرطوس السورية.
يخلص هذا الفصل إلى أنّ (خيوط الماريونت) لا تعمل منفردة، بل ضمن شبكة متكاملة من الأدوات والجهات، تجعل التحكم في دول الأطراف عملية تراكمية طويلة الأمد، لا تحتاج في الغالب إلى تدخل عسكري مباشر، لكنها تكون أكثر إحكامًا وأطول أثرًا. وبهذا يكتمل الانتقال من تعريف (الحديقة الخلفية) بوصفها مفهومًا، إلى فهم كيف تُدار هذه الحديقة عمليًا من الداخل.
التفاوض، الشطرنج السياسي، وصناعة المسوّغات: كيف تُدار الأزمات في الحدائق الخلفية؟
بعد أن وضع المؤلف الإطار المفاهيمي لفكرة (الحدائق الخلفية)، وشرح آليات التحكّم غير المباشر، انتقل إلى مستوى أكثر عملية، يركّز فيه على كيفية إدارة الأزمات داخل دول الأطراف، لا بوصفها إخفاقات عارضة أو انزلاقات غير محسوبة، بل باعتبارها مسارات سياسية تُدار بوعي، وتُستثمر لتحقيق أهداف بعيدة المدى. وفي هذا السياق تتداخل ثلاثة محاور كبرى: التفاوض غير المتكافئ، والتفكير الاستراتيجي طويل النفس، وصناعة المسوّغات والذرائع.
أولاً- التفاوض بوصفه موسمًا دائمًا للتنازلات:
يعرض المؤلف التفاوض في سياق العلاقات بين دول المركز ودول الأطراف بوصفه عملية غير متكافئة بطبيعتها؛ حيث تدخل دول الحدائق الخلفية إلى طاولة المفاوضات وهي محمّلة بإحساس مسبق بالضعف، سواء كان هذا الضعف ناتجًا عن اختلال حقيقي في موازين القوة، أو عن عوامل نفسية وسياسية متراكمة. وفي مثل هذا السياق لا يُنظر إلى التفاوض باعتباره وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية واضحة، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى غاية في ذاته، يكون الهدف منه مجرّد البقاء داخل العملية التفاوضية، مهما كان الثمن.
ويشير المؤلف إلى أنّ من أخطر ما يميز هذا النمط من التفاوض هو تقديم التنازلات قبل تحديد المقابل، أو تقديمها مقابل وعود فضفاضة باستمرار الحوار أو تحسين العلاقات. كما أنّ كثيرًا من المفاوضين في دول الأطراف يفتقرون إلى القدرة على المساومة السياسية الحقيقية، حتى عندما يمتلكون أوراق قوة يمكن توظيفها؛ فينتهي الأمر بهم إلى تحقيق أقل المكاسب الممكنة، أو إلى الخروج من المفاوضات وقد خسروا ما كان في حوزتهم دون مقابل يُذكر.
ومن السمات اللافتة التي يبرزها المؤلف أيضًا: النمطية في السلوك التفاوضي (منظمة التحرير الفلسطينية على سبيل المثال)، حيث تسير بعض الأطراف على وتيرة ثابتة في تقديم التنازلات؛ مما يجعل الخصم قادرًا على التنبؤ بخطواتها التالية واستغلالها إلى أقصى حدّ. وفي مثل هذه الحالات لا يجد الطرف الأقوى أي دافع للتوقف أو التراجع، طالما أنّ الضغوط تؤتي ثمارها، وطالما أنّ الطرف المقابل يستجيب لها في كل مرة.
ثانيًا- الشطرنج السياسي ومنطق الحركة الطويلة:
يستعين المؤلف بلعبة الشطرنج لتوصيف طبيعة الصراع السياسي بين دول المركز ودول الأطراف، لا بوصفها تشبيهًا بلاغيًا، بل كنموذج يفسّر منطق الحركة الطويلة الذي يحكم العلاقات الدولية. فالمسألة -في نظره- لا تتعلق بفهم السياسة من خلال موقف واحد أو حدث منفرد، بل بإدراك أنّ ما يجري هو لعبة استراتيجية تُدار على مدى طويل، وتُحسب فيها الخطوات بميزان النتائج المستقبلية لا بردود الأفعال الآنية.
المشكلة الأساسية لا تكمن في تعقيد اللعبة ذاتها، بل في أنّ كثيرًا من دول الأطراف لا تدرك أصلاً أنّها داخل لعبة شطرنج، أو أنّها تتعامل معها بعقلية لاعب مبتدئ يتفاعل مع كل حركة بوصفها نهاية المباراة. في المقابل تتحرك دول المركز بعقلية اللاعب المحترف، الذي لا يخطط للحركة القادمة فقط، بل يضع سيناريوهات متعدّدة، ويُخفي نواياه، ويتحكّم في التوقيت ومستوى التصعيد، ويستثمر الزمن بوصفه عنصرًا حاسمًا في الصراع.
ويبرز المؤلف هذا الفرق من خلال أمثلة واضحة على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى؛ فمنذ وقت مبكر أدركت بريطانيا أهمية توطين اليهود في فلسطين، لكنها لم تتعامل مع هذا الهدف بوصفه خطوة واحدة، بل عملت عليه بتدرّج شديد، عبر مراحل متتابعة، مستفيدة من الوقت والتوازنات الدولية، إلى أن تهيأت الظروف المناسبة لتنفيذه. هذا النفس الطويل، وضبط الإيقاع، وتجنّب القفز فوق المراحل، يمثل نموذجًا كلاسيكيًا لعقلية اللاعب المحترف.
وفي السياق نفسه، يوضّح المؤلف أنّ دول المركز حرصت تاريخيًا على المحافظة على إيران كدولة موحّدة وقوية، لأنّها تؤدّي وظيفة جيوسياسية بالغة الأهمية، إذ تشكّل حاجزًا يفصل شرق العالم الإسلامي عن غربه، وشماله عن جنوبه؛ ولهذا وعلى خلاف ما جرى مع دول إسلامية أخرى، لم تُبذل جهود جدّية لتقسيم إيران، بل جرى تعزيز دورها الإقليمي ضمن حدود محسوبة.
كما يورد المؤلف مثال لبنان، الذي التقت عنده أطماع قوى متعددة، فقد كان يُراد له في مرحلة سابقة أن يكون دولة مسيحية تؤدي وظيفة حاجز جغرافي في قلب العالم العربي، لكن حين تبيّن أن إيران نجحت في بسط نفوذها عليه عبر أدواتها المحلية، جرى القبول بتحوّله إلى دولة ذات طابع شبه شيعي. المهم -في منطق اللعبة- ليس هوية الكيان، بل أداؤه لوظيفة الحاجز الجغرافي التي تمنع تشكّل وحدة سياسية أو جغرافية في المنطقة.
وفي مقابل هذا التخطيط المحكم، يعرض المؤلف أخطاء متكرّرة تقع فيها دول الأطراف، مثل: سوء تقدير القوة، والتوقّعات الخاطئة لردود فعل الخصم، وفقدان البوصلة في خضمّ الأزمات. ويُضاف إلى ذلك توظيف تكتيكات تفاوضية معروفة، من أبرزها لعبة (الطيّب والشرير) حيث يظهر طرف متشدّد في مقابل وسيط يبدو مرنًا ومتفهّمًا، فيميل الطرف الأضعف إلى الأخير، دون أن يدرك أنّ الطرفين يعملان ضمن الإطار نفسه ويخدمان الهدف ذاته.
ويخلص المؤلف إلى أنّ غياب الرؤية الاستراتيجية، والعجز عن التحكّم في التوقيت ومستوى التصعيد، يجعل دول الأطراف تدور في منتصف رقعة الشطرنج بقطع ناقصة ووضعية متراجعة، تسعى فقط إلى تفادي الخسارة، بينما يواصل اللاعب المحترف إدارة المباراة وفق هدفه النهائي.
في السياسة الدولية، لا تُقاس الخطوات بنتائجها الفورية، بل بموقعها في لعبة طويلة النفس، حيث يُصنع المسوّغ قبل التدخل، وتُدار الأزمات بما يضمن إعادة تشكيل موازين القوى لا مجرد احتوائها
ثالثًا- صناعة المسوّغات ومسمار جحا:
يبيّن المؤلف أن جزءًا أساسيًا من إدارة (الحدائق الخلفية) يقوم على صناعة مسوّغات دائمة للتدخل والبقاء والارتباط، بحيث لا يبدو التدخل الخارجي فعلاً عدوانيًا أو استعماريًا، بل استجابة مبرّرة لوقائع أو أخطار أو التزامات سابقة. وفي هذا السياق يستعير المؤلف تعبير (مسمار جحا) للدلالة على الذريعة الصغيرة التي تُغرس أولاً، ثم تتحوّل مع الزمن إلى مبرّر دائم للحضور والتدخل.
ومن أبرز هذه المسوّغات: العنف بوصفه أداة سياسية؛ إذ يوضح المؤلف أنّ بعض الحروب لم تكن نتيجة أحداث طارئة، بل جرى تصنيع ذريعـتها أو استثمارها عمدًا، ويورد مثال محاولة الولايات المتحدة إخراج إسبانيا من كوبا، حين انفجرت البارجة الأمريكية (مين) في ميناء هافانا وقُتل عدد كبير من الجنود الأمريكيين، وعلى الرغم من غموض أسباب التفجير حتى اليوم؛ جرى اتهام إسبانيا به، واتُّخذ الحادث ذريعة لإشعال الحرب وطرد الإسبان نهائيًا من كوبا، في نموذج مبكر لصناعة المسوّغ العسكري.
وفي حالات أخرى، يكون قرار التدخّل قد اتُّخذ سلفًا، ثم يُنتظر الحدث المناسب لتبريره. ويضرب المؤلف مثال الغزو الإسرائيلي للبنان، حيث جرى استثمار محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن بوصفها خرقًا للهدنة، لتُطلق بعدها عملية عسكرية واسعة، رغم أنّ قرار الغزو كان قائمًا قبل الحادثة.
كما يركّز المؤلف على التخطيط طويل الأمد لصناعة الذرائع، لا سيما عبر إحداث تغييرات ديمغرافية أو طائفية تُستخدم لاحقًا كمبرر للتدخل، ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما قامت به بريطانيا من التحالف مع إيران لنشر التشيّع بين عشائر جنوب العراق؛ بهدف تحويل المنطقة إلى بيئة شيعية خالصة. لم يكن الهدف دينيًا، بل سياسيًا واستراتيجيًا، إذ يتيح هذا الواقع لاحقًا التدخل الدائم بذريعة حماية الطائفة ومراقدها، وفي الوقت نفسه يضعف قبضة والي بغداد على الجنوب والخليج، ويؤمّن طريق شركة الهند البريطانية ومصالحها الحيوية.
وفي السياق ذاته يناقش المؤلف التواطؤ الدولي أو الإقليمي بوصفه أحد أخطر المسوّغات غير المعلنة، ويورد مثال السماح لإيران بأن تؤدّي دور (شرطي الخليج) بعد انسحاب بريطانيا من المنطقة، فقد جرى التوافق بين بريطانيا وأمريكا وفرنسا على منح إيران هذا الدور مقابل اعترافها باستقلال البحرين، ثم السماح لها بالسيطرة على الجزر الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى. وهكذا تحوّل الدور الأمني إلى مسوّغ دائم لتدخل إقليمي تجاوز حدوده الطبيعية.
ويشير المؤلف كذلك إلى مسوّغات أخرى، مثل الاتفاقيات السياسية أو التجارية التي تُوقَّع تحت عناوين المساعدة أو الحماية، ثم تتحول إلى أدوات تدخل واسع في الشؤون الداخلية، أو التحذير من أخطار قادمة يُستثمر الخوف منها لدفع الأطراف إلى قرارات لم تكن لتتخذها في ظروف طبيعية.
ويخلص هذا الجزء من الكتاب إلى أنّ المسوّغات ليست عناصر طارئة في السياسة الدولية، بل جزء بنيوي من إدارة (الحدائق الخلفية)، إذ تضمن استمرار التدخل بأشكال مختلفة، وتمنح الهيمنة غطاءً قانونيًا أو أخلاقيًا، مهما تغيّرت الشعارات أو الأدوات.
العراق نموذجًا: كيف تُصنع الحديقة الخلفية عمليًا؟
يمثّل العراق في هذا الكتاب النموذج التطبيقي الأوضح لكيفية تحويل دولة قائمة إلى (حديقة خلفية) مكتملة الأركان، فلا يتعامل المؤلف مع الحالة العراقية بوصفها استثناءً تاريخيًا أو نتيجة أخطاء عشوائية، بل بوصفها مسارًا مدروسًا مرّ بمراحل متتابعة، يمكن رصدها وتحليلها بوضوح منذ غزو عام 2003م.
ويقسّم هذا المسار في جوهره إلى ثلاث مراحل مترابطة: التمهيد للتفكيك، وزرع المسوّغات، ثم إنتاج مبرّرات البقاء والارتباط.
أولاً/ التمهيد – تفكيك الدولة من الداخل:
يرى المؤلف أنّ الخطوة الأولى في تحويل العراق إلى حديقة خلفية تمثّلت في هدم ركائز الدولة القديمة، لا في إسقاط النظام السياسي وحده.
أولى هذه الخطوات كانت حلّ الجيش العراقي، الذي كان يُعدّ من أقوى الجيوش العربية من حيث العتاد والتنظيم والعدد. ولم يقتصر الأمر على قرار الحلّ الإداري، بل شمل السماح بنهب مخازن السلاح، وسرقة كميات هائلة من الذخائر، وتفريغ مراكز الأبحاث والمنشآت العسكرية الاستراتيجية، وبهذا القرار انهار أحد أهم أعمدة الدولة، وتحوّل السلاح من مؤسسة نظامية إلى أيدي جماعات وميليشيات؛ وهو ما أتاح بيئة مثالية للفوضى المسلحة، وأراح خصوم العراق الإقليميين من جيش كان يُحسب له حساب.
الخطوة الثانية تمثّلت في التحالف مع القيادات والأحزاب الشيعية، وهو تحالف لم يكن طارئًا، بل امتدادًا لتجارب تاريخية سابقة، فقد جرى تقديم هذا التحالف بوصفه وسيلة لتحقيق توازن داخلي، لكنّه عمليًا أسّس لبنية سياسية جديدة قائمة على الطائفية، وربط جزءًا من المشهد السياسي العراقي بالقوى الخارجية، وأسهم هذا المسار في إعادة تشكيل مراكز القوة داخل الدولة، وتقديم طائفة بعينها بوصفها الحليف الموثوق للاحتلال.
أما الخطوة الثالثة فكانت إعادة هيكلة الاقتصاد العراقي وفق نموذج الاقتصاد المفتوح، بما يسمح بتدفق رؤوس الأموال والشركات الأجنبية دون قيود تُذكر، وقد تولّت سلطة الاحتلال إصدار عشرات القوانين والقرارات التي كرّست هذا التحوّل، وربطت الاقتصاد العراقي طويلاً باتفاقيات والتزامات لا يمكن نقضها بسهولة؛ ما جعل الاستقلال الاقتصادي أمرًا بالغ الصعوبة.
وفي موازاة ذلك، يشير المؤلف إلى مسار بالغ الخطورة تمثّل في تدمير الإنسان العراقي السنّي، عبر تفكيك بيئته الاجتماعية، وإغراقه في دوائر: الفقر، وانعدام الأمن، والاعتقال والإهانة؛ بحيث يُختزل وجوده في تأمين حاجاته الأولية فقط. ويرى المؤلف أنّ هذا المسار لم يكن عَرضيًا، بل جزءًا من إعادة تشكيل المجتمع العراقي على أسس طائفية متصارعة، بعد أن كان القمع في العهد السابق -على قسوته- يُمارَس باسم الدولة الواحدة لا باسم الطائفة.
ثانيًا/ زرع المسوّغات – الحرب الأهلية بوصفها أداة:
بعد تهيئة الأرض على هذا النحو، انتقلت أمريكا -وهي الدولة الأساس في الحرب على العراق- إلى المرحلة الأخطر، وهي زرع المسوّغات التي تبرّر التدخل والبقاء، وفي مقدّمتها الحرب الأهلية.
يرى المؤلف أنّ الإدارة الأمريكية كانت تدرك مبكّرًا أنّ تفجير صراع داخلي واسع سيشكّل أقوى مبرر للاستمرار في العراق، وقد صدرت تحذيرات متكرّرة من مسؤولين أمريكيين من اندلاع حرب أهلية، لا بوصفها خطرًا يُراد تفاديه، بل كتمهيد نفسي وسياسي لما هو قادم. وفي هذا السياق جرى الانسحاب من بعض المدن، وتسليم أجزاء من الملف الأمني لجهات محلية؛ بما أخلّ بالتوازن الداخلي ودفع الأمور نحو الانفجار.
ويعرض المؤلف سلسلة من الخطوات التي مهّدت للحرب الأهلية، من ترسيخ الخطاب الطائفي، وتسليح المجتمع عبر ترك مخازن السلاح مفتوحة، إلى البحث عن حدث مفجِّر كبير، وبعد فشل العديد من المحاولات كان تفجير مرقد شيعي في منطقة ذات غالبية سنّية هو الشرارة التي أطلقت العنف على نطاق واسع، وأدخل البلاد في دوامة اقتتال طائفي غير مسبوقة.
كما أظهر المؤلف دور الميليشيات وفرق الموت، واختراق بعضها وتوجيهها لتنفيذ اغتيالات مدروسة تُؤجّج الكراهية المتبادلة، وتدفع المجتمع نحو الانقسام الجغرافي والطائفي، وقد أدّت هذه المرحلة إلى أكبر موجة نزوح داخلي في تاريخ العراق الحديث، واقتراب البلاد من نقطة التفتيت الكامل.
وعندما بلغت الحرب الأهلية مداها جاء التدخل لاحتوائها، بما عزّز الرواية القائلة إنّ وجود القوات الأجنبية ضرورة لمنع الانهيار، وهكذا تحوّلت الكارثة التي صُنعت جزئيًا إلى مبرر للبقاء.
ثالثًا/ مسوّغات البقاء والارتباط:
في المرحلة الأخيرة، يبيّن المؤلف كيف أُعيد تأطير المشهد العراقي بخطاب جديد يقوم على جملة من المسوّغات المعلنة، من أبرزها: مواجهة الإرهاب، ومنع تجدّد الحرب الأهلية، وتحقيق الاستقرار، وإعادة الإعمار، والحدّ من تمدّد النفوذ الإقليمي. ويلاحظ أنّ هذه المسوّغات لم تُطرَح باعتبارها إجراءات مؤقّتة، بل كحاجات طويلة الأمد؛ ما يعني عمليًا تكريس الارتباط السياسي والأمني والاقتصادي.
ويرى المؤلف أنّ أخطر نتائج هذا المسار تمثلت في نقل المحاصصة الطائفية من المجال السياسي إلى المجال الجغرافي، وخلخلة البنية الاجتماعية، وخلق توافق داخلي وإقليمي على ضرورة استمرار الوجود الأجنبي، حتى لا تتكرر الفوضى التي صُنعت أصلاً لتبرير هذا الوجود.
ما جرى في العراق بعد 2003م لم يكن مجرد انهيار داخلي، بل مثالاً مكثفًا على كيفية تفكيك الدولة وإعادة تركيبها لتصبح جزءًا من منظومة التبعية داخل فضاء (الحدائق الخلفية)
الخاتمة:
يقدّم كتاب (الحدائق الخلفية) إطارًا تفسيريًا يساعد على فهم العلاقات الدولية بوصفها منظومة تُدار بالتحكم غير المباشر، وصناعة التبعية، وإعادة هندسة الدول والمجتمعات وفق مصالح قوى المركز. وتكمن قيمة هذا الإطار في قدرته على كشف ما يجري خلف الخطابات السياسية المعلنة، وربط الوقائع المتفرقة بمنطق واحد يحكمها.
ولا تتوقف قيمة هذا الكتاب عند تفسير ما جرى في العراق بعد عام 2003م، بل تمتدّ لتعين القارئ على فهم ما جرى ويجري في دول أخرى خضعت لمحاولات تدخل وإعادة تشكيل وفق المنطق نفسه الذي يحكم إدارة (الحدائق الخلفية). ففي ضوء هذا الإطار يصبح ما شهدته سوريا من محاولات تفكيك وإعادة هندسة للدولة والمجتمع أكثر قابلية للفهم، كما يتيح قراءة ما تتعرض له فنزويلا اليوم من ضغوط سياسية واقتصادية بوصفها جزءًا من آليات متكرّرة في النظام الدولي، تختلف في السياق والوسائل، لكنّها تتشابه في الجوهر والغاية.
جهاد بن عبدالوهاب خيتي
المشرف العام على موقع (على بصيرة)، ماجستير في السنة وعلوم الحديث



