كم من دعاء تكرر، وكم من رجاء تعلّق به القلب، ثم لم تقع الإجابة على الصورة التي انتظرناها؛ فتخالج النفس حيرة صامتة، ويبدأ السؤال يطرق القلب: لماذا لم يتحقق المراد؟ هل قصرت في شيء؟ أم أن الأمر أعمق من مجرّد تأخرٍ في الإجابة؟ هذا المقال لا يجيب عن هذه الأسئلة فحسب، بل يصحح فهمنا لمعنى الاستجابة ذاتها، ويفتح بابًا أعمق لفهم الدعاء بوصفه عبوديةً قبل أن يكون وسيلةً لتحقيق المطالب.
هذا السؤال من أكثر الأسئلة تردّدًا في قلوب المسلمين، وأكثرها إثارة للقلق والاضطراب في باب الدعاء واليقين بالله تعالى؛ خاصة في الأزمان الفاضلة التي يستحبُّ فيها الإكثار من الدعاء، كما في رمضان. وهو سؤال لا ينشأ من فراغ، بل من تجربة نفسية يعيشها العبد حين يطيل الدعاء، ويتكرر الطلب، ولا يرى تحقق مراده على الصورة التي يتمناها، فتتسلل إليه التساؤلات:
هل سُمِع دعائي؟ هل قُبِل؟ هل أنا مقصّر؟ أم أن وعد الله بالاستجابة لم يتحقق بعد؟
وهنا يتداخل على كثير من الناس مفهوم الاستجابة مع مفهوم تحقق عين المطلوب؛ فيقعون في حيرة قد تمسّ يقينهم، لا لخلل في الوعد الإلهي، بل لخلل في فهمه على وجهه.
الدعاء مستجاب / استجابة الدعاء:
قبل الخوض في مواطن الإشكال في هذه المسألة لا بد من بيان الأصل في دعاء المسلم، وهو أن الدعاء مستجاب بوعد الله الصادق، وأن المسلم يناله الخير من دعائه لا محالة، كما ورد في الحديث: (ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذن نكثر، قال: الله أكثر وأطيب)[1].
وعلى هذا يُحمل وعد الله تعالى بالإجابة في مثل قوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
فأصل الاستجابة ثابت لا مدخل للشك فيه، وكل إشكال لاحق في فهم المسألة لا يعود إلى أصل الاستجابة، بل إلى فهمها، أو توقيتها، أو صورتها.
الفرق بين الاستجابة وتحقق عين المطلوب:
من أعظم ما يرفع الالتباس في هذا الباب: التفريق بين الاستجابة وتحقق عين المطلوب الذي يدعو به العبد؛ فالاستجابة واقعة لا محالة، أما تحقق ما طلبه العبد على الصورة التي يريدها وفي الوقت الذي يحدده، فهذا محل الحكمة الإلهية، لا محل الوعد المطلق.
وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا التفريق ببيان جامع مانع في الحديث السابق، وتأمل كيف كان رد الصحابة عليهم الرضوان، الذين فقهوا مراد المصطفى عليه الصلاة والسلام، فقالو: “إذن نُكثِرُ!” (أي نكثر من الدعاء ما دامت الإجابة يقينية)؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكثر).
فنبَّه على أن استجابة الدعاء أعم وأوسع من تحقق عين المطلوب المدعو به، فالدعاء المستوفي للشروط مستجاب، لكن نوع الإجابة بحسب ما تقتضيه حكمة الله تعالى؛ فالإجابة متنوعة بين عدة أمور، يختار الله منها ما يصلح للعبد وما هو خير له.
فكيف يمكن للعبد أن يقطع بعدم الاستجابة لمجرد عدم تحقق مراده بعينه؟
قال ابن حجر: “كل داع يستجاب له، لكن تتنوع الإجابة: فتارة تقع بعين ما دعا به وتارة بعِوَضه”[2].
علينا التفريق بين الاستجابة وتحقق عين المطلوب الذي يدعو به العبد؛ فالاستجابة واقعة لا محالة، أما تحقق ما طلبه العبد على الصورة التي يريدها وفي الوقت الذي يحدده، فهذا محل الحكمة الإلهية، لا محل الوعد المطلق.
لماذا قد لا يتحقق المطلوب كما نريد؟
هنا ندخل إلى المنطق الإيماني للمسألة، وهي لبّ الإشكال الحقيقي: فالدعاء ليس مقام استحقاق، بل مقام عبودية، وليس معاملة مشروطة، بل تذلل وتسليم.
فمن حيث مقام الرب تبارك وتعالى: الله قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، ولا يُسأل عن حكمه، ولا يُراجع في قضائه، {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8].
لكن محل الامتحان في هذه الدنيا ليس قدرة الله تعالى، بل عبودية العبد: في صدقه، وتسليمه، وحسن ظنه، وثبات قلبه عند تأخر المراد أو عدم حصوله على وجهه، والالتفات إلى صور الإجابة الأخرى، ومنها:
» تربية الإيمان في نفس العبد.
» رفع في الدرجات.
» كشف لصدق العبودية.
» دفع لبلاء أعظم.
» تهيئة لظرف أصلح.
» صرف لما لو أُعطيه العبد لكان فيه هلاكه وهو لا يشعر.
فكل ذلك داخل في معنى الاستجابة، لا خارج عنها.

قال ابن الجوزي: “اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة، أو يعوض بما هو أولى له عاجلاً أو آجلاً، فينبغي للمؤمن ألّا يترك الطلب من ربه، فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض”[3].
لذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الاستعجال في تحقق المقصود المؤدي إلى ترك الدعاء، (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل)، قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: (يقول: قد دعوت وقد دعوت فلم أرَ يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويَدَع الدعاء)[4].
فدل هذا على أنَّ المذموم هو الاستعجال المؤدي للملل أو اليأس وترك الدعاء.
“اعلم أن دعاء المؤمن لا يرد، غير أنه قد يكون الأولى له تأخير الإجابة، أو يعوض بما هو أولى له عاجلاً أو آجلاً، فينبغي للمؤمن ألّا يترك الطلب من ربه، فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض”
ابن الجوزي
وقفة مع نماذج من أدعية الأنبياء عليهم السلام:
الأنبياء رجال بلغوا الكمال البشري، وهم المقدمون في الأفضلية، ودعاؤهم لا شك أنه مستجاب، ولا غرابة في ذلك؛ فمن ذا الذي يحقق كمال العبودية وكمال التذلل لله عز وجل مثلهم؟ ومن ذا الذي يعلم مواطن إجابة الدعاء وشروطه ولوازمه أكثر منهم، ومن ذا الذي يحققها أفضل منهم؟
ومن خلال تتبع أدعيتهم يظهر أن الاستجابة ليست على صورة واحدة.
1. أدعية استجيبت:
وأمثلة أدعية الأنبياء التي استجابها الله كثيرة، من أشهرها دعاء نوح عليه السلام على قومه: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ}، فجاء الجواب: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ 11 وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 10-12].
ومنها دعاء إبراهيم عليه السلام أن يريه الله كيفية إحياء الموتى، فقال له الله تعالى: {فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260].
ومنها دعاء سليمان عليه السلام الذي دعا: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}، فجاءت الاستجابة {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ 36 وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ} [ص: 35-37].
ومنها دعاء أيوب بعد أن أنهكه المرض، ودعاء إبراهيم وزكريا بأن يرزقهما الله ولدًا صالحًا فرزق الله إبراهيم بإسماعيل وإسحاق وزكريا بيحيى، والأمثلة كثيرة.
2- أدعية ظاهرها عدم الاستجابة:
وفي المقابل كثيرًا ما يُستشهد بمواقف من حياة الأنبياء عليهم السلام على أنها أمثلة لــ “عدم” استجابة الدعاء على الوجه الذي أراده الداعي، وقد تورد في سياق تصبير مَن لم تستجب دعوته بالوجه والتوقيت الذي ينتظره؛ ومنطقهم: إذا كان هذا حال الأنبياءِ أكرمِ الخلق على الله، فكيف بمن دونهم؟
والحق أن تحرير هذه الأمثلة يكشف أن معظمها ليس من هذا الباب أصلاً، بل من أبواب أخرى، من ذلك:
– دعاء سيدنا نوح عليه السلام في ابنه:
فقد سأل نوحٌ عليه السلام ربَّه أن ينجز له وعده بأنه ينجيه وأهله، {فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} [هود: 45]، مستندًا إلى أن ابنه من أهله نسبًا، فجاء البيان الإلهي {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46]، أي ليس من أهلك المؤمنين الذين وعدت بتنجيتهم.
فالاستدراك هنا تعليمي تصحيحي، وليس ردًّا ولا حرمانًا، ومن ثم يكون هذا مثالاً على تصحيح فهمٍ خاطئ لمعنى الوعد الإلهي، لا على رد الدعاء!
وكان الرد النبوي بأكمل تسليم: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47].
– دعاء سيدنا إبراهيم عليه السلام لذريته:
لما قال الله تبارك وتعالى لإبراهيم عليه السلام: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة: 124] دعا سيدنا إبراهيم عليه السلام أن يكون من ذريته أئمة كذلك، فكان الجواب من الله تبارك وتعالى: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]. هذا الجواب ليس رفضًا للدعاء، بل تقييد له بشرط العدل والصلاح، فهو في الحقيقة تأكيد للاستجابة لا نفي لها.
– استغفار سيدنا المصطفى عليه الصلاة والسلام لعمه أبي طالب:
حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إسلام عمّه أبي طالب، فدعاه على فراش الموت إلى كلمة التوحيد، فقال: (يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله)، فأبى ومات على الكفر.
فلما مات قال عليه الصلاة والسلام: (لأستغفرن لك ما لم أنه عنه)[5]، رجاءً لرحمة الله، فنزل قوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113]، ورجح كثير من أهل العلم أن الاستغفار وقع من النبي صلى الله وسلم لعمه ورووا في ذلك آثارًا، خصوصًا أن أبا طالب مات قبل الهجرة وسورة التوبة مدنية، ثم لما نزلت الآيات بالنهي عن الاستغفار للكفار امتنع عليه الصلاة والسلام[6]، فكان ذلك توجيهًا تشريعيًا يبيّن أن الاستغفار لمن مات على الشرك غير جائز، لا مثالاً على ردّ الدعاء.
3- دعاء استجيب بعضه، وبعضه لم يستجب:
من الأمثلة المناسبة لتسلية مَن لم تستجب دعوتهم؛ ما جاء في الحديث عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين، وصلينا معه ودعا ربه طويلاً، ثم انصرف إلينا فقال صلى الله عليه وسلم: (سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعَنيها)[7].
ففي هذا الحديث استجاب الله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في مسألتين، هما: أن لا يُهلِكَ الأمة بالسَّنة، أي: بالجَدب والقَحط والمَجاعة التي تَستأصِلُهم وتُضعِفُهم، وألَّا يُهلِك الله الأمة بالغَرق: كما حصل مع قوم فرعونَ في اليمِّ، وقوم نوحٍ بالطُّوفان، فاستجاب الله لهاتين الدعوتين، لكنه تبارك وتعالى لم يستجب للمسألة الثالثة (أن لا يجعل بأسهم بينهم) أي: ألّا يقَعَ بينهم فُرقةٌ وقتالٌ تُهلِكُهم وتُضعِفُهم، والبأسُ الحروبُ والفتنُ، (فمَنعَنِيها) لم يُجِبْه اللهُ عزَّ وجلَّ في تلك الدعوة؛ لكونِها مُخالفةً لقضائهِ المُبْرَم ومَشيئتِه التي لا يُسأَلُ عنها[8]، ولله الحكمة البالغة.
منشأ الاضطراب الحقيقي:
لا تجد مسلمًا يستشكل قدرة الله تعالى في إجابة أي دعاء، ولا أن الدعاء في ذاته عبادة، وإنما منبع الاستشكال الحقيقي هو: لماذا يتأخر تحقق الدعاء رغم استكمال شروطه الظاهرة؟
والجواب المختصر:
لأن الله تعالى يُربّي عباده بالدعاء، قبل أن يعطيهم الجواب؛ فالدعاء في جوهره تربية قلبية، ومدرسة للتسليم، ومقام للافتقار، وليس مجرد وسيلة لتحقيق المرادات.
المشكلة -إذن- في سوء فهم العبد لموضعه من حيث إنه هو المُمتَحن من الله تبارك وتعالى، وليس مقام الألوهية هو محل الامتحان منه! ولم يقم هذا الوجود لأجل أن يوافق أهواء البشر منه ومراداتهم، بل ليُختبروا في صدق عبوديتهم. ومن لا يدخل على الله تبارك وتعالى مدخل العبودية لم يدخل عليه أصلاً؛ إذ ليس لمقام الألوهية مدخل إلا مدخل العبودية والتسليم.
ومن هنا يمكن إدراك كيف أن بعض التساؤلات حول الدعاء قد تصدر أحيانًا عن فهمٍ ملتبس لطبيعة العلاقة مع الله، حيث يغيب عن القلب مقام العبودية الخالصة، فيُنظر إلى الإجابة على أنها استحقاق له، لا فضلاً ومنّة محضة من الله تعالى عليه؛ فالأمر كله بيد الله وحده، والملك ملكه، والفضل فضله، {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8].
ومن مداخل الاضطراب في الدعاء كذلك: الدخول على الله تعالى مدخل المتشكك المتذبذب، لا بمعنى الجحود الصريح لقدرة الله تعالى على الإجابة، بل هي حالة نفسية دقيقة يتلبّس بها العبد وهو لا يكاد يشعر؛ فيدعو الله بلسانه، لكن قلبه معلّق بالحسابات والاحتمالات، يراقب الزمن، ويقيس الإجابة على الصورة التي رسمها لنفسه، فإن تأخرت أو جاءت على غير مراده اضطرب يقينه؛ فهو يسأل لكن بروح المجرّب لا بروح المتوكّل، ينتظر الاستجابة ليطمئن، لا يطمئن فينتظر.
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المعنى حين قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ)[9]، لأن التردد في الرجاء يقطع مدد الطمأنينة، ويحوّل الدعاء من عبادة خضوع إلى معاملة مشروطة، بينما حقيقة العبودية أن يسكن القلب إلى حكمة الله قبل ظهور العطاء، وأن يثق أن تأخير الإجابة أو صرفها لونٌ من ألوان العناية، لا علامة إعراض.
منشأ الاضطراب ليس في قدرة الله ولا في صدق وعده، بل في تصور العبد لمعنى الإجابة، وفي دخوله على الدعاء بروح الاستحقاق أو التردد.
كيف نصحح منهج دعائنا ليكون تعبّدًا لله تعالى لا تأمّرًا عليه؟
البداية من تصحيح موضع العبد من ربه، وتصحيح فهمه لوعد الله بالاستجابة، فقد أخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام في الحديث: (لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يَدْعُ بإثم، أو قطيعة رحم، ما لم يَسْتَعْجِل) قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: (يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجيب لي، فَيَسْتَحْسِرُ عند ذلك ويَدَعُ الدعاء)[10].
وتأمل في هذا المثال: فقير يقف على باب الكريم، لا يأتيه مرة واحدة ثم ينصرف، بل يلازم بابه، ويُظهر فقره، ويُكرر رجاءه، واثقًا بجود مَن يقصده، فليس مجرد الوقوف على الباب هو المقصود، وإنما دوام التعلّق، وحسن الظن، ومعرفة أن العطاء فضلٌ لا استحقاق. وكذلك الدعاء؛ قيمته في صدوره عن قلبٍ منكسِرٍ متعلّقٍ بالله، يُلحّ ولا يملّ، ويعلم أن الفتح يأتي في الوقت الذي يقدّره الله، لا في الوقت الذي يريده العبد.
ولله تبارك وتعالى المثل الأعلى؛ فإذا حصل لك مراد، فليس ذلك لمجرد أنك طلبته، وإنما مردّه إلى مشيئة الله وحده، لا إلى سببٍ سواه. ولذلك فليست حقيقة الدعاء في مجرد طلب المطلوب، بل في قيامك بالعبودية عند السؤال؛ فتكون حاجات العبد ومراداته وأهواؤه سببًا في رجوعه إلى الله تعالى، وتوسّله إليه، وتقرّبه إلى مقام الألوهية؛ فبحسب ما يظهر من صدق عبوديتك وتعدد وجوه تذللك وافتقارك، يكون ترقيك في مراتب العبودية وتحققك بها، ومحبة الله تعالى لك.
والله تبارك وتعالى مُطَّلع على السرائر، وهو العليم الخبير اللطيف بعباده، فهو يمنع ويمنح وفق حكمته المطلقة وحكمه المطلق، فلا يُسأل ولا يُساءَل. إلا أننا في زمن يرفض فيه كثير من الناس لزوم حدّ العبودية، فيسائلون الله عمّا لم يُؤتَوا، ولا يسائلون أنفسهم عمّا أُعطوا. نرى أنفسنا مستحقين للنعم التي نلناها، ومستحقين لما لم ننله، وغير مستحقين للابتلاء، مع أن الإسلام يفرض علينا أدب العبد الذي يوقن أنه لا يملك من الأمر شيئًا.
وبدل أن ندخل على الله تبارك وتعالى مدخل المتشرط المستحق، أو مدخل المتشكك المتذبذب قاطع الرجاء والأمل، ينبغي أن ندخل عليه مدخل العبد الذي يطمع طمع العبد، فيسأل المالك من ملكه، ويرجوه رجاء العبد الذي يوقن أن سيده لا يريد به إلا خيرًا، وأن كل ما يقضي به خير، وكل ما يكون من الجميل جميل.
هذه كلها من الآداب القلبية التي يُرجى من عبادة الدعاء أن تربيها وتنميها في قلب الداعي؛ فيُخلِص النيّة لله وحده، ويُقبل على الدعاء بقلبٍ حاضر خاشع، ويُلحّ في الدعاء بتكراره وتجديد شعور الافتقار في نفسه، من غير استعجال للاستجابة ولا سآمة من جدوى الدعاء، بل مع حسن الظن بالله، والتسليم لاختياره وحكمته، عالمًا أن الله أعلم بمصالح عباده من أنفسهم.
ثم على الداعي التزام الآداب العملية التي دلّ عليها الشرع وهدي السلف؛ فيبدأ بحمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله، ثم يُصلّي على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر حاجته ويسأل ربّه ما شاء من خير الدنيا والآخرة، فإذا فرغ من دعائه ختمه بحمد الله تعالى والصلاة على نبيّه صلى الله عليه وسلم، راجيًا القبول، مسلّمًا الأمر إلى الله.
موانع إجابة الدعاء:
يجب التنبه إلى الموانع التي تحول دون قَبول الدعاء، بل وقد تكون سببًا لغضب الله على العبد، كأن يكون مَطعم العبد أو مَكسبه من حرام أو فيه شبهة؛ فإن لذلك أثرًا بالغًا في حجب الدعاء، ومنها الاعتداء في الدعاء، إما بسؤال ما لا يليق، أو بتكلّف الألفاظ، أو بتجاوز حدود الأدب مع الله، كالدعاء بإثم أو إعانة على معصية أو تيسير حرام أو قطيعة رحم… إلخ. وفي المقابل، يستحب تحري أوقات الإجابة التي ورد بها الشرع، كأوقات السَّحَر، وبين الأذان والإقامة، وفي السجود، وحال الصيام؛ فيُكثر فيها من الدعاء، وهو على يقين بأن الله يسمع دعاءه، ويعلم حاله، ويختار له ما هو أصلح له في دنياه وآخرته[11].
ليست حقيقة الدعاء في مجرد طلب المطلوب، بل في قيامك بالعبودية عند السؤال، والثقة بأن العطاء فضلٌ لا استحقاق.
ختامًا:
إن الله تبارك وتعالى هو السميع القريب، يتقبّل الدعاء ويجيب عباده على ما تقتضيه حكمته ورحمته، متى التزم الداعي آداب الدعاء ومقامه المشروع، فالأمر من جهة الرب جلّ وعلا منتهٍ إلى كمال العلم والحكمة والعدل، وليس للعبد الاشتغال بما في مقام الرب تبارك وتعالى، وإنما يبقى النظر كلّه إلى جهة العبد: إلى صدق عبوديته، وحسن وقوفه بين يدي ربّه، وقيامه بمعنى الافتقار والتسليم.
وحينئذٍ لا يكون السؤال عند الدعاء: هل أُعطيتُ عين ما سألت؟ بل: كيف دعوتُ، وبأي قلبٍ وقفتُ، وعلى أي حالٍ قمتُ بين يدي الله؟
ومن قدَر الله حقّ قدره بقي دائمًا خائفًا من تقصيره هو، لا شاكًّا في وفاء ربه.
أ. هدى عبد الرحمن النمر
كاتبة ومؤلّفة ومتحدِّثة في الفكر والأدب وعُمران الذات
[1] أخرجه أحمد (11133).
[2] فتح الباري (11/95-96).
[3] نقله عنه الحافظ في فتح الباري (11/141).
[4] أخرجه مسلم (2735) والبخاري (6340) مختصرًا.
[5] أخرجه البخاري (3884).
[6] للتوسع ينظر: روح المعاني، للألوسي (6/32).
[7] أخرجه مسلم (2890).
[8] الشرح مستفاد من موقع الدرر السنية، https://dorar.net/hadith/sharh/20458، وجاء في حديث الترمذي عن خَبَّاب بن الأرَتِّ رضي الله عنه أنه صلى اللهُ عليه وسلم، قال: (وسألتُه ألّا يُسلِّطَ عليهم عدوًّا مِن غيرهم، فأعْطانِيها) أي: لا يَكون هلاكهم بعَدوٍّ مِن الكفار يَستبيحُهم، فيَستأصِلُهم ويُضعِفُهم، والمرادُ بذلك ألّا يَغلِبوا المسلمين غَلبةً تَستبيحُ بَيضة الإسلام، وتَستأصِلُ المسلمين جميعًا، فلا يَرِد ما يَحصُلُ في بعض الأحيان مِن غَلَبة بعض أعداء الإسلام على بعضِ المسلمين.
[9] أخرجه الترمذي (3479).
[10] أخرجه مسلم (2735) والبخاري (6340) مختصرًا.
[11] لمزيد تفصيل في آداب الدعاء وحيثياته، ينظر: الجواب الكافي، لابن القيم. و: صيد الخاطر، لابن الجوزي، فصل: امتناع إجابة الدعاء. و: غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، للسفاريني، مطلب في آداب الدعاء، و: آداب الدعاء، ليوسف المقدسي. ورسائل ابن رجب الحنبلي.



