قضايا معاصرة

تاريخ نضال الشعب السوري ضد نظام البعث

على مدى أكثر من ستة عقود، واجه السوريون نظام البعث بأشكالٍ متعدّدة من المقاومة: احتجاجاتٍ مدنية، وجهودٍ علمائية ودعوية، ومعارضةٍ سياسية، ثم صداماتٍ مسلّحة انتهت بثورةٍ عامة. يتتبّع هذا المقال تطوّر هذه المسارات عبر محطّات مفصلية من 1963م حتى 2024م، ويبيّن كيف ظلّ المجتمع يحتفظ بقدرته على المقاومة رغم القمع والنهج الطائفي وسياسات الإخضاع، في قراءةٍ تاريخيةٍ تحليليةٍ لمسار الجهاد الطويل الذي انتهى بسقوط النظام.

“لقد ألقيتُ سيفًا من خشب، وأمسكتُ بسيفٍ من حديد”، كلماته لا تفارق مخيّلتي، قالها البطل والصديق حسن الخلف رحمه الله وهو يروي قصته مع حزب البعث، كان من أعضائه العاملين، ومن قادات “شبيبة الثورة”[1] على مستوى الوطن العربي، قبل أن يكتشف الحقيقة ويغير طريقه ويلتحق بكلية الشريعة، ويمضي للدعوة إلى الله وبيان انحراف الحزب وفساده رغم التضييق والملاحقة، حتى استدعته المخابرات ليموت في المعتقل ويُسلّم لأهله قبل الثورة ببضع سنين، تقبله الله في الشهداء.

لقد شهدت سوريا على مدى أكثر من ستة عقود واحدة من أطول تجارب النضال الشعبي ضد نظام استبدادي في التاريخ المعاصر، ورغم القمع الشديد لم يستسلم السوريون يومًا؛ إذ شهدت البلاد موجات متتالية من المقاومة والاحتجاج على مدى عقود من الزمن، تنوعت أشكالها وأساليبها، من المظاهرات السلمية إلى الانتفاضات المسلحة، ومن المقاومة الثقافية والفكرية إلى العصيان المدني.

ومع أنّ النظام نجح مرارًا في قمع هذه الموجات، إلا أنّ جذوة النضال ظلت متّقدة في النفوس، حتى تكلّلت بإسقاط نظام البعث بعد ثورة شعبية عامة استمرت قرابة أربعة عشر عامًا.

تعدد مسارات النضال ضد نظام البعث:

توزع النضال ضد النظام على كافة فئات الشعب، وكثيرًا ما تداخلت الجهود لتشكل جبهة مقاومة واسعة:

1- النضال الشعبي والمدني:

وقد كان للمرأة دور محوري في هذا النضال الشعبي، لم يقتصر على الدعم، بل كانت عنصرًا فاعلاً في الميدان؛ ففي انتفاضات 1976–1980م كان عدد من النساء يقمن بتهريب المنشورات ونقل الأخبار بين الأحياء، مستفيدات من قلة المراقبة عليهن مقارنة بالرجال، وفي إضراب دمشق عام 1980م، قادت نساء حي الميدان مسيرات نسائية جريئة رفعن خلالها لافتات تسأل عن مصير المعتقلين.

2- المقاومة الدينية ودور العلماء:

شكلت المؤسسة الدينية ممثلة بعدد من المشايخ والعلماء جبهة مقاومة دينية أخلاقية ضد النظام، من خلال الفتاوى والخطب والبيانات، والجهود الدعوية والتوعوية للجماهير.

تحولت المساجد إلى مراكز تنظيم للنضال، كجامع السلطان في دمشق وجامع الروضة في حلب وغيرهما، حيث كانت تُنظم منها الفعاليات وتُوزع المنشورات.

وكان لزوجات العلماء دور في الحفاظ على الوعي الديني المقاوم، حيث كنّ يدرن حلقات تدريس سرية للفتيات، ويحفظن الخطب التي منع تداولها. ومن الأمثلة البارزة والدة الشيخ سعيد حوّا، التي استمرت في إلقاء الدروس الدينية في منزلها بحماة حتى اعتقالها عام 1981م.

وبعد خفوت صوت المعارضة بسبب البطش الشديد بقي لعدد من العلماء والدعاة الصادقين دور مهم في التربية والتعليم والتوعية وبث الوعي بأفكار نظام البعث والتحذير منها، وتثبيت الناس على دينهم، وقد اتسمت كثير من أنشطتهم بالسرية بسبب الملاحقات الأمنية المكثفة، وتعرض العديد منهم للسجن والاعتقال والتحقيق.

وبعد انطلاق الثورة عام 2011م أعلنت العديد من المؤسسات الدعوية والعلمائية عن نفسها، وتأسست أخرى، وانطلقت بالعمل في الدعوة إلى الله تعالى والتعليم الشرعي في الأوساط الشعبية والعسكرية والتعليمية والقضائية، وتخصص بعضها في إصدار البحوث والفتاوى في نوازل الثورة ومقاومة النظام حتى بلغت العشرات، وكان لعدد من الفصائل العسكرية الكبرى مكاتب شرعية عملت في هذا المجال كذلك.

إلى أن توجت هذه الجهود بتأسيس المجلس الإسلامي السوري عام 2014م، الذي جمع كبرى هذه المؤسسات، وتولى دورًا مهمًا في التوعية الشعبية وقيادة الجهود الدينية من خلال الفتاوى والإشراف على عدد من الجهود الدعوية، والتصدي لمحاولات الالتفاف على مكتسبات الثورة بالبيانات والمواثيق الخاصة، وانبثقت عنه عدة مؤسسات في هذا المجال.

بعد خفوت صوت المعارضة بسبب البطش الشديد بقي لعدد من العلماء والدعاة الصادقين دور مهم في التربية والتعليم والتوعية وبث الوعي بأفكار نظام البعث والتحذير منها، وتثبيت الناس على دينهم، وقد اتسمت كثير من أنشطتهم بالسرية بسبب الملاحقات الأمنية المكثفة، وتعرض العديد منهم للسجن والاعتقال والتحقيق

3- المقاومة السياسية والأحزاب المعارضة:

عملت الجماعات والأحزاب على مقاومة النظام سياسيًا من الداخل عبر التنظيم السري والعمل الفكري، وقد شكل الإخوان المسلمون[2] القوة المعارضة الإسلامية الأبرز بما لهم من دور تنظيمي واسع، وأثر كبير في الشارع. كذلك كان لبعض الأحزاب اليسارية كـ “الحزب الشيوعي – المكتب السياسي”، و”حزب العمل الشيوعي” نشاطات سياسية[3]، وإن كان تأثيرها المجتمعي أقل بكثير من الأنشطة الإسلامية.

ولا يُنسى كذلك أنّ ظهور منتديات “الربيع الدمشقي” في مطلع الألفية الجديدة مثّل شكلاً من أشكال المقاومة الفكرية والسياسية، شاركت فيها شخصيات عديدة.

4- العمليات العسكرية، والانتفاضات المسلحة:

أول تجسيد لهذا النوع من النضال كان من قبل تنظيم “الطليعة المقاتلة”، وما تلاه من انتفاضات شعبية مسلحة وصولاً إلى الثورة السورية 2011م.

كانت الطليعة المقاتلة تنظيمًا سريًا مستقلاً[4]، ركزت على تنفيذ عمليات اغتيال منتقاة استهدفت كبار شخصيات النظام البارزة، وتوزيع المنشورات الفكرية، وقد تركت بصمات موجعة على النظام خلال بضع سنوات، وأفقدته العديد من الشخصيات.

ثم كانت حوادث حماة عام 1982م التي مثلت ذروة النضال المسلح؛ حيث هب آلاف المقاتلين الشعبيين للدفاع عن المدينة بعد حصارها من النظام بقواته المسلحة لملاحقة وقمع الحراك ضده.

وأخيرًا كانت الثورة السورية الكُبرى، التي انطلقت عام 2011م وأثمرت بعد جهاد وكفاح ونضال دام 14 عامًا إسقاط نظام البعث وحكم آل الأسد.

إرهاصات النضال ضد البعث (1940-1963م):

تأسس الحزب عام 1947م، ومنذ البداية واجه صعوده معارضة من الشعب وقواه السياسية التقليدية، التي رأت في فكره محاربة للهوية الإسلامية للمجتمع السوري، وفي توجهاته الاشتراكية تهديدًا لمصالحه الاقتصادية.

هذه المعارضة المبكرة لأيديولوجية البعث شكلت البذور الأولى للنضال الشعبي الذي سيتصاعد لاحقًا مع تحول الحزب من حامل لمشروع (قومي تحرري) إلى أداة للإفساد والقمع والاستبداد.

الانقلاب والاستيلاء على السلطة والمقاومة المبكرة (1963-1966م):

فجر الثامن من آذار/مارس 1963م استولى حزب البعث على السلطة من خلال انقلاب عسكري قادته “اللجنة العسكرية” السرية داخل الحزب. وعلى الرغم من رفع شعارات قومية وتحررية، إلا أنه سرعان ما كشف عن وجهه الاستبدادي من خلال سلسلة من الإجراءات القمعية التي استهدفت تركيز السلطة بيد الحزب والقضاء على أي معارضة.

ففور استيلائه على السلطة أعلن حالة الطوارئ التي منحته صلاحيات استثنائية لقمع المعارضة دون محاكمة، كما حظر الأحزاب السياسية، وشنّ حملة تطهير واسعة في مؤسسات الدولة، خاصة الجيش، لإقصاء من لا ينتمي للحزب أو لا يدين بالولاء له[5].

لم يقف الشعب مكتوف الأيدي أمام هذه الممارسات، فقد شهدت سوريا خلال السنوات الأولى من حكم البعث موجة من الاحتجاجات والمظاهرات المناهضة للنظام، خاصة في المدن ذات الطابع المحافظ مثل حماة وحمص وحلب.

في عام 1964م وقعت حادثة مدرسة عثمان الحوراني في حماة، حيث كتب طالب على لوح المدرسة: “لا حكم إلا للبعث”، ليرد عليه آخر: “لا حكم إلا لله” تطورت الأمور لاحتجاجات طلابية، تصدى لها المحافظ عبدالحليم خدّام بالرصاص؛ ما تسبب بقتل بعض الطلاب، فخرجت مظاهرات عارمة، ووقع إضراب عام في المدينة، واعتصام بجامع السلطان، فتم تطويق المساجد بالدبابات وقصفت المناطق وأصر “خدام” على الحل الأمني، لتنتهي الحوادث بقصف مسجد السلطان، وهي أول حادثة من نوعها في التاريخ السوري، فكان إضراب حماة[6] أول مواجهة شعبية كبرى ضدّ النظام البعثي، وقد لعبت المساجد دورًا محوريًا في تنظيمه؛ حيث كانت المنابر الوحيدة المتبقية للتعبير عن المعارضة بعد إغلاق كافة المنافذ السياسية، كما مثّلت هذه الحادثة بداية نمط من القمع الدموي الذي سيميز تعامل نظام البعث مع أي احتجاج شعبي لاحقًا.

انتقلت الاحتجاجات إلى مدن أخرى كدمشق وحلب واللاذقية، وحصلت إضرابات جماعية، وأغلقت المحال التجارية.

فور استيلاء حزب البعث على السلطة أعلن حالة الطوارئ التي منحته صلاحيات استثنائية لقمع المعارضة دون محاكمة، كما حظر الأحزاب السياسية، وشنّ حملة تطهير واسعة في مؤسسات الدولة، خاصة الجيش، لإقصاء من لا ينتمي للحزب أو لا يدين بالولاء له

الصراع البعثي على السلطة والمقاومة المتنامية (1966-1970م):

شهدت الفترة بين عامي (1966-1970م) صراعًا محمومًا على السلطة داخل حزب البعث، فقد وقع انقلاب داخلي في 23 شباط/فبراير 1966م قاده صلاح جديد وأطاح بالقيادة التاريخية للحزب، مثّل الانقلاب تحولاً جذريًا في مسار الحزب، حيث سيطر عليه الجناح العسكري الذي تبنّى سياسات أكثر تطرّفًا، وأهمها: العمل على تسريع وتيرة التأميم والإصلاح الزراعي؛ ممّا أثار استياء الطبقات الوسطى والتجار وملاك الأراضي[7].

رافق الصراعات الداخلية لحزب البعث وأثرها على البلاد تصاعد حركة المعارضة والمقاومة؛ فقد تصاعدت الحركات الطلابية في الجامعات ونظّمت إضرابات واعتصامات احتجاجًا على القمع السياسي وتدهور الأوضاع الاقتصادية، كما نشطت النقابات المهنية -خاصة نقابات المحامين والأطباء والمهندسين- في التعبير عن معارضتها لسياسات نظام البعث.

على الصعيد الديني، بدأت تتشكّل نواة المعارضة الإسلامية المنظمة التي استقطبت الشباب المتديّن المستاء من السياسات العلمانية المتطرفة للبعث.

وعلى الرغم من أن العلماء السوريين لم يشكّلوا معارضة سياسية منظمة بالمعنى الحركي، إلا أنّ العقدين السادس والسابع من القرن العشرين شهدا بروز فضاء ديني اجتماعي خارج هيمنة حزب البعث، أسهم في إيجاد مناخ اعترض فيه جزء من التيار الإسلامي على السياسات العلمانية المتشددة. وأظهر الشباب المتديّن في المدن الكبرى استعدادًا أكبر للانخراط في النشاط الديني، بسبب الدور البارز الذي لعبه بعض العلماء الإصلاحيين، مثل الشيخ محمد الحامد والشيخ سعيد حوا في حماة، والشيخ عبد الكريم الرفاعي والشيخ حسن حبنّكة الميداني في دمشق، والشيخ عصام العطار في مسجد جامعة دمشق، والشيخ طاهر خير الله في جامع الروضة بحلب، والشيخ عبد الله ناصح علوان في جامع عمر بن عبد العزيز؛ حيث اضطلع الشيخان الأخيران بدورٍ بارز في الخطابة والتحريض. وقد أسس عدد من هؤلاء المشايخ مؤسساتٍ تعليمية دينية مستقلة ودوائر تأثير شعبية جذبت أعدادًا متزايدة من الشباب.

كما أوجد نشاط هؤلاء العلماء شبكات دينية واجتماعية موازية لخطاب النظام، ووفّر بيئة مناسبة لصعود الحركات الإسلامية الأكثر تنظيمًا. ويرى كلٌّ من توماس بيريت ورافاييل لوفيفر أنّ هذا التشكل الجديد في الحياة الدينية كان جزءًا من الخلفية التاريخية التي صعدت فيها المعارضة الإسلامية المنظمة[8].

في المقابل، لجأ النظام إلى تشديد القمع، وتوسعت صلاحيات المحاكم العسكرية والاستثنائية، وازدادت حملات الاعتقال التعسفي، وتفشت ممارسات التعذيب في السجون والمعتقلات. كما تمّ تجنيد شبكة واسعة من المخبرين والعملاء لمراقبة المواطنين والإبلاغ عن أيّ نشاط معارض.

ترسيخ الديكتاتورية ومقاومة السبعينيات (1970-1979م):

مثّل الانقلاب المسمَّى بـ”الحركة التصحيحية” الذي قاده حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1970م نقطة تحوّل في تاريخ سوريا المعاصر؛ فقد أطاح الأسد برفاقه وأسس نظامًا جمع بين الشمولية الأيديولوجية لحزب البعث والطابع العسكري الأمني للدولة، مع تركيز غير مسبوق للسلطة بيد شخص واحد.

سعى الأسد إلى إضفاء شرعية دستورية على حكمه، فأصدر دستورًا جديدًا عام 1973م كرّس فيه هيمنة حزب البعث من خلال المادة الثامنة التي نصّت على أن “حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد للدولة والمجتمع”، كما أنشأ “الجبهة الوطنية التقدمية” التي ضمت أحزابًا صغيرة موالية، في محاولة لإعطاء انطباع بوجود تعددية سياسية.

كانت معركة الدستور عام 1973م واحدة من أكبر المعارك التي خاضتها قوى الشعب في السنوات الأولى لاستيلاء حافظ الأسد على الحكم، فقد أثار الدستور الذي فرضه استياءً شديدًا بما رافقه من ترسيخ لدكتاتورية الأسد المطلقة على الدولة والمجتمع، ومحاولة تبديل الهوية الإسلامية.

لكن الجانب الأخطر في نظام الأسد كان تحويله سورية إلى دولة مخابراتية بامتياز؛ حيث أنشأ شبكة معقدة من أجهزة الأمن والمخابرات المتنافسة (المخابرات العسكرية، الأمن السياسي، المخابرات الجوية، أمن الدولة)، منحها صلاحيات مطلقة للمراقبة والاعتقال والتعذيب، وقد أدى هذا النظام الأمني إلى نشر الخوف والرعب بين المواطنين، وخلق ثقافة من الصمت والخضوع.

وعلى الرغم من القمع المنظّم لم تتوقف المقاومة الشعبية؛ فقد شهد عام 1973م موجة من الاحتجاجات ضد الدستور الجديد، خاصة المادة التي لم تشترط أن يكون رئيس الجمهورية مسلمًا، وحذف المادة التي تنص على أن الفقه الإسلامي هو مصدر رئيسي للتشريع.

وقد أصدر عدد من العلماء عدة بيانات من حلب وحماة وحمص، بدأها الشيخ سعيد حوى، وكان للشيخين محمد الشامي[9] والشيخ محمد النبهان جهد بارز فيها، وتكللت الجهود بتكفل الشيخ حسن حبنكة بتوقيع 70 من علماء سورية، ثم وقعه الكثير من أهل العلم والدعوة، يتضمن مناقشة للدستور وعواره وعيوبه، فانتشرت البيانات عبر البريد ووزعت على خطباء الجوامع، وتحدث بها الناس، وتحمس الناصريون والاشتراكيون وأصدروا بينات كذلك[10].

وترافق ذلك بحراك شعبي بالمظاهرات والاعتصامات والتي قوبلت بالاعتقالات والقتل، وأسفر الأمر في نهاية المطاف إلى رضوخ حافظ أسد لتراجع جزئي في تعديل بعض مواد الدستور، دون تعديل تلك المادتين، كما أصدر ثمانون من رجال الدين العلويين بيانًا رسميًا يقولون فيه أنهم فرقة من فرق الإسلام وأن كتابهم هو القرآن، وأنهم مسلمون شيعة[11]، وصادق على بيانهم موسى الصدر رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان[12].

رغم ذلك استمر القمع والاعتقال والتعذيب، مما اضطر قطاعات من المنتفضين والمحتجين إلى التسلح والعمل السري.

في عام 1976م بدأت موجة من عمليات الاغتيال ضدّ شخصيات بارزة في النظام سياسية وعسكرية، معظمهم من الطائفة العلوية[13] في دمشق وحلب وحماة، ضمن عمليات “الطليعة المقاتلة”.

ردّ النظام بحملة قمع غير مسبوقة، شملت اعتقالات جماعية واسعة، وعمليات إعدام ميدانية، وتعذيب منهجي في السجون، كما لجأ إلى سياسة العقاب الجماعي؛ حيث تم استهداف عائلات وأقارب المشتبه بهم، وأحيانًا أحياءً ومدنًا بأكملها.

وقد كان لعلماء حلب حراكٌ في غاية الأهمية، ومن ذلك البيان التاريخي الذي أصدروه عام (1979م) يحرّمون فيه التعاون مع أجهزة الأمن ويدعون إلى العصيان المدني.

هذه المواجهة المتصاعدة مهّدت الطريق لمرحلة أكثر دموية في الثمانينيات تركت ندوبًا عميقة في الذاكرة الجمعية للسوريين، ستبلغ ذروتها في مجزرة حماة عام 1982م.

سعى الأسد إلى إضفاء شرعية دستورية على حكمه، فأصدر دستورًا جديدًا عام 1973م كرّس فيه هيمنة حزب البعث من خلال المادة الثامنة التي نصّت على أن “حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد للدولة والمجتمع”، كما أنشأ “الجبهة الوطنية التقدمية” التي ضمت أحزابًا صغيرة موالية، في محاولة لإعطاء انطباع بوجود تعددية سياسية

ذروة المواجهة – الثمانينيات وانتفاضة حماة (1980-1982م):

بدأت هذه المرحلة بحادثة “مدرسة المدفعية” في حلب في 16 حزيران/يونيو 1979م، حيث قام إبراهيم اليوسف[14] أحد المدرسين فيها بجمع الطلاب الضباط في قاعة الطعام، ثم سمح لمسلحين بدخول المدرسة وإطلاق النار عليهم، مما أدى إلى مقتل قرابة 80 ضابطًا معظمهم من الطائفة العلوية، وفق المصادر المختلفة.

شكّلت هذه الحادثة نقطة تحوّل في طبيعة الصراع، فانفجرت بعدها دورةٌ من العنف والانتقام لم تتوقف إلا بعد سنوات، وقد كانت ممارساتُ نظام البعث -بما أفضت إليه من استقطابٍ طائفي عبر إعادة تشكيل مؤسسات الدولة على أسسٍ طائفية، ولا سيما المؤسسة العسكرية التي غلبت عليها هيمنةُ الأقليات، مع قمعٍ واستهدافٍ واضحٍ للقوى السنّية- عاملًا رئيسًا في تغذية هذا الانفجار.

في آذار/مارس 1980م، وتحديدًا في الذكرى السابعة عشرة لانقلاب البعث، شهدت سورية موجة غير مسبوقة من الإضرابات والاحتجاجات الشعبية، أُصيبت معظم المدن السورية بالشلل التامّ، حيث أغلقت المحالّ التجارية أبوابها، وتوقفت حركة المواصلات، وخرج عشرات الآلاف في مظاهرات حاشدة مناهضة للنظام. وقد ميز هذه الموجة من الاحتجاجات اتّساع قاعدتها الاجتماعية، كما تجاوزت المطالب الدينية إلى مطالب سياسية واقتصادية واجتماعية، كإلغاء حالة الطوارئ، وإطلاق الحريات السياسية، وتحسين الأوضاع المعيشية.

واجه النظام هذه الاحتجاجات بقوة غير مسبوقة؛ حيث أرسل الآلاف من الجنود المدعومين بالدبابات والمروحيات إلى المدن المنتفضة، خاصة حلب التي شهدت معارك شوارع حقيقية، أسفرت حملة القمع عن مقتل المئات من المتظاهرين، واعتقال الآلاف، وتدمير أحياء بأكملها في بعض المدن.

وفي 26 حزيران/يونيو 1980م نجا حافظ الأسد من محاولة اغتيال في دمشق[15]، حيث ألقى مهاجمون قنبلتين عليه، أثارت محاولة الاغتيال هذه غضب النظام وفتحت شهيته للانتقام؛ ففي اليوم التالي -27 حزيران/يونيو- قامت سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد شقيق الرئيس بارتكاب مجزرة مروعة في سجن تدمر، حيث تم إعدام حوالي 1152 سجينًا سياسيًا معظمهم من الإسلاميين، في عملية انتقامية وحشية.

بعد أقل من شهر، أصدر النظام القانون رقم 49 الذي نصّ على إعدام كل من ينتمي لجماعة الإخوان المسلمين[16]، وقد طبق هذا القانون بأثر رجعي، ممّا أدى إلى إعدام المئات من المنتمين أو المتعاطفين مع الجماعة، بل كل من كان عليه سمات الالتزام الإسلامي، كما أدى إلى هجرة الآلاف إلى خارج البلاد.

استمرت المواجهات المسلحة بين النظام والمعارضة الإسلامية طوال عامي 1980-1981م، مع تصاعد وتيرة العمليات المسلحة ضدّ رموز النظام، والرد القمعي العنيف من قبل الأجهزة الأمنية. وقد أدت هذه المواجهة المفتوحة إلى استنزاف كلا الطرفين، وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في البلاد، بعد سنوات من الظلم والاستبداد التي مارسها نظام البعث.

ثم كانت حادثة الأزبكية[17] أبرز الأحداث في تلك المرحلة؛ ففي ظهر يوم الأحد 29 نوفمبر 1982م انفجرت في منطقة الأزبكية في دمشق سيارة مفخخة مستهدفة شعبة التجنيد التي يجري فيها اجتماع عام لمسؤولي الشُّعَب في دمشق، أسفرت عن 64 قتيلاً وجرح 175 آخرين. سارعت الأجهزة الأمنية إلى اتهام الإخوان المسلمين، وفي المقابل أصدرت جماعة الإخوان المسلمين بيانًا تدين فيه هذه المجزرة. واللافت أن جميع ما أصدرته السلطات في حينه لم يكن أكثر من روايات بلا أي أدلة.

استخدم النظام حادثة الأزبكية حجة لما وقع بعد من أحداث ومواجهات كان قد بيَّت الاستعداد لها، بلغت ذروتها في شباط/فبراير 1982م مع اندلاع انتفاضة حماة، عندما حاصرت قوات الأمن بعض أحياء المدينة بحثًا عن مطلوبين أمنيًا، تطور الأمر سريعًا إلى مواجهات مسلحة، ثم إلى انتفاضة شعبية شاملة، حيث سيطر الثوار على أجزاء واسعة من المدينة، وأعلنوا تحريرها من سلطة النظام.

ردّ النظام بعملية عسكرية واسعة النطاق استمرت 27 يومًا، استخدم فيها كافة أنواع الأسلحة الثقيلة، ثم اقتحمت قوات بقيادة رفعت الأسد المدينة وارتكبت مجزرة مروعة. تم إعدام الآلاف من المدنيين بشكل جماعي، وتضاربت التقديرات حول عدد الضحايا، فبينما تحدثت مصادر النظام عن مقتل بضعة آلاف، قدرت منظمات حقوق الإنسان والقوى السورية المعارضة عددَ القتلى بين 20 إلى 40 ألف ضحية، معظمهم من المدنيين. كما أدت المجزرة إلى تشريد عشرات الآلاف من سكان المدينة، وإلى تدمير جزء كبير من نسيجها العمراني والتاريخي.

مثّلت مجزرة حماة نقطة تحوّل في تاريخ سورية المعاصر؛ حيث نجح النظام في كسر شوكة المعارضة بشكل شبه كامل، وفرض حالة من الرعب والصمت على المجتمع السوري لسنوات طويلة، كما أصبحت المجزرة رمزًا لوحشية النظام المطلقة، وللثمن الباهظ الذي يمكن أن يُدفع نتيجة أيّ تحدّ لسلطته.

استمرت المواجهات المسلحة بين النظام والمعارضة الإسلامية طوال عامي 1980-1981م، مع تصاعد وتيرة العمليات المسلحة ضدّ رموز النظام، والرد القمعي العنيف من قبل الأجهزة الأمنية. وقد أدت هذه المواجهة المفتوحة إلى استنزاف كلا الطرفين، وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في البلاد، بعد سنوات من الظلم والاستبداد التي مارسها نظام البعث

المقاومة الصامتة (1983-2000م):

أعقبت مجزرة حماة فرض سيطرة أمنية محكمة على المجتمع، مع توسع صلاحيات أجهزة المخابرات بالملاحقة والاعتقال والتعذيب، وتجنيد شبكة واسعة من المخبرين والعملاء لمراقبة المواطنين والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه، مما أدى إلى عموم حالة من الصمت والخوف أرجاء البلاد. لكنّ هذا الصمت الظاهري أخفى وراءه أشكالاً متنوعة من المقاومة الصامتة التي استمرت طوال الثمانينيات والتسعينيات.

فقد تحولت المقاومة إلى أشكال أكثر سرية وغير مباشرة؛ حيث لجأ المثقفون والكتاب إلى استخدام الرمز والإيحاء في أعمالهم الأدبية والفنية للتعبير عن رفضهم للنظام، دون أن يعرّضوا أنفسهم للخطر المباشر.

كما ظهرت أشكال من المقاومة الثقافية من خلال النكات السياسية التي انتشرت في المجتمع، كانت تسخر من النظام ورموزه، وتفضح تناقضاته، وعلى الرغم من بساطتها، فقد شكّلت متنفّسًا للشعب، وأداة للحفاظ على الوعي النقدي في ظل القمع.

على الصعيد السياسي، استمرت بعض المجموعات المعارضة في العمل بشكل سري داخل سورية رغم المخاطر الكبيرة؛ فقد حافظت لجان حقوق الإنسان السرية على نشاطها في توثيق انتهاكات النظام، وتهريب المعلومات إلى المنظمات الدولية، كما استمرت بعض الخلايا السياسية المعارضة في التواصل سرًّا، وتوزيع المنشورات، وتنظيم لقاءات محدودة.

ولعب السوريون في المنفى دورًا محوريًّا خلال هذه الفترة، فقد شكّلوا تنظيمات وتجمعات في أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج، عملت على فضح انتهاكات النظام، والتواصل مع المنظمات الدولية، وإصدار الصحف والمجلات المعارضة.

ويمكن التمثيل على هذا النشاط بعدد من التجمعات، من بينها: “لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية” التي تأسست في باريس عام 1989م[18]، و “المنظمة العربية لحقوق الإنسان – فرع سورية”[19] التي نشطت في لندن، كما أصدر المعارضون في المنفى عددًا من الصحف والمجلات، مثل “المنار” و “النذير” و “الرائد”، التي كانت تُهرّب أحيانًا إلى داخل سورية.

إلى جانب المقاومة السياسية والثقافية ظهرت أشكال من المقاومة الاجتماعية والاقتصادية؛ فقد لجأ كثير من السوريين إلى الانسحاب من المجال العام، ورفض المشاركة في مؤسسات النظام وفعالياته، في شكل من أشكال العصيان المدني الصامت، كما انتشرت ظاهرة الاقتصاد الموازي والتهريب، كردّ فعل على سيطرة النظام على الاقتصاد وفساده.

محاولات الإصلاح وربيع دمشق (2000-2010م):

مع هلاك حافظ الأسد في 10 حزيران/ يونيو 2000م، وتولي ابنه بشار السلطة في العام نفسه، سادت أجواءٌ من التفاؤل الحذر؛ فقد أثار الرئيس “الشابّ”، الذي درس في بريطانيا وعاش زمنًا فيها، آمالاً بإمكانية إحداث إصلاحات سياسية واقتصادية تخفف من القبضة الأمنية وتفتح المجال أمام قدْرٍ من الحريات، ممّا شجع المثقفين والناشطين على كسر حاجز الخوف والمطالبة بالإصلاح؛ فبدأ ما عُرف بظاهرة “ربيع دمشق”[20]، وهي فترة قصيرة من الانفتاح السياسي النسبي امتدت من صيف 2000 إلى خريف 2001م.

خلال هذه الفترة ظهرت عشرات المنتديات الثقافية والسياسية في مختلف المدن مناقشة قضايا الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي، من أبرزها “منتدى الأتاسي” الذي أسسته سهير الأتاسي في دمشق، و”منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي”، و”منتدى رياض سيف” الذي أسسه النائب المستقل رياض سيف.

كما شهدت هذه الفترة إصدار عدد من البيانات والوثائق المطالبة بالإصلاح، أبرزها “بيان المثقفين الـ 99” الذي وقعه 99 مثقفًا ومفكرًا سوريًا في أيلول/ سبتمبر 2000م، وطالب بإنهاء حالة الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإقرار التعددية السياسية، تلاه “بيان الألف” في كانون الثاني/يناير 2001م، الذي وقّعه أكثر من ألف مثقف وناشط، وتضمّن مطالب أكثر تفصيلاً بالإصلاح السياسي والاقتصادي والقانوني.

استجاب النظام في البداية بقدر من التسامح، حيث أطلق سراح مئات المعتقلين السياسيين، وسمح بهامش محدود من حرية التعبير. لكنْ سرعان ما عاد إلى أساليبه القمعية، خاصة مع اتّساع نطاق المطالب وتجاوزها للخطوط الحمراء التي وضعها.

في خريف 2001م بدأت حملة قمع واسعة ضدّ نشطاء “ربيع دمشق”، كما تمّ إغلاق المنتديات، ومنع التجمعات، والعودة إلى سياسة القبضة الأمنية.

وعلى الرغم من هذه النكسة لم تتوقف محاولات الإصلاح والمقاومة السلمية؛ ففي تشرين الأول/أكتوبر 2005م تم الإعلان عن تأسيس “إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي”[21]، وهو تحالف واسع ضمّ أحزابًا وشخصيات معارضة من مختلف التيارات السياسية، من ليبراليين وإسلاميين، ويساريين، وقوميين، وأكراد.

طالب “إعلان دمشق” بإقامة نظام ديمقراطي في سورية، وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وإطلاق الحريات العامة، وحلّ المشكلة الكردية حلاً عادلاً. وقد شكّل هذا التحالف أول محاولة جدية لتوحيد صفوف المعارضة السورية منذ عقود.

ردّ النظام بحملة اعتقالات واسعة طالت قيادات “إعلان دمشق”، خاصة بعد انعقاد المجلس الوطني للتحالف في كانون الأول/ ديسمبر 2007م[22]، وحكم عليهم بالسجن[23].

إلى جانب المقاومة السياسية المنظمة شهدت هذه الفترة ظهور أشكال جديدة من المقاومة، خاصة مع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد برز جيل جديد من المدوّنين والناشطين الإلكترونيين الذين استخدموا الفضاء الافتراضي للتعبير عن آرائهم ونقد النظام، متجاوزين الرقابة التقليدية.

وقد واجه هؤلاء الناشطون حملات اعتقال وملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية، لكنهم نجحوا في كسر جدار الخوف وفتح فضاءات جديدة للتعبير والنقد.

كما شهدت هذه الفترة تنامي الحركات الاحتجاجية حول قضايا محددة، مثل الاحتجاجات ضد الفساد، والمطالبة بتحسين الخدمات، والاحتجاج على مصادرة الأراضي، وعلى الرغم من محدوديتها، فقد شكلت هذه الاحتجاجات بذورًا للحراك الثوري الذي سينفجر لاحقًا.

لكنّ الحدث الأبرز في هذه المرحلة كان الاستعصاء الشهير الذي حصل في سجن صيدنايا سيّء السمعة، الذي كان يلقّب بالمسلخ البشري؛ ففي عام 2008م[24] ازدادت الضغوط على السجناء في صيدنايا -وغالبهم من معتقلي الرأي من الإسلاميين وغيرهم- وشكّلت عمليات التعذيب الجسدي والنفسي، والإهانات وسبّ الدين والأعراض، وإهانة المصحف الشريف، وسبّ الذات الإلهية بشكل هستيري من قبل جلاوزة النظام؛ السبب الرئيسي للاستعصاء، كما كان المعتقلون في غالبهم من ذوي الاعتقالات التعسفية لسنوات عديدة دون محاكمات أو معرفة التهمة الموجهة إليهم، ليجتمع عليهم العذاب النفسي والجسدي.

في السابع والعشرين من شهر مارس لعام 2008م انفجر المعتقلون غضبًا، بعد نفاد الصبر وشدّة الحال، لتحصل أكبر حركة تمرّد داخل السجن استمرت أكثر من ستة أشهر، قامت فيها قوات الفرقة الرابعة مع ما عُرف حينه بقوات مكافحة الإرهاب الإجرامية بأبشع الممارسات الإجرامية والقتل والقنص بحق السجناء، ما تسبّب في مجزرة قتل فيها العشرات من المعتقلين والمجندين الإلزاميين الذين زُج بهم في المواجهة لإخضاع السجناء، ولم تكن قوات النظام تفرق في القتل بين المعتقلين والمجندين.

حصلت في تلك الفترة احتجاجات ومطالبات للأهالي بأبنائهم، وكان النظام يرسل برسائل إلى أهالي المعتقلين لابتزازهم في أبنائهم من خلال طلب المال لقاء إخراج أبنائهم من المعتقل! كانت أحداثًا دموية شكّلت إرهاصات الثورة السورية عام 2011م.

ومع اندلاع الثورات العربية في تونس ومصر أواخر 2010م وبداية 2011م، بدأت تتشكّل الظروف لانفجار شعبي في سورية؛ فقد شجّعت هذه الثورات السوريين على كسر حاجز الخوف والمطالبة بالتغيير، خاصة مع نجاح الثورتين التونسية والمصرية في الإطاحة برأسي النظامين.

طالب “إعلان دمشق” بإقامة نظام ديمقراطي في سورية، وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وإطلاق الحريات العامة، وحلّ المشكلة الكردية حلاً عادلاً. وقد شكّل هذا التحالف أول محاولة جدية لتوحيد صفوف المعارضة السورية منذ عقود

الثورة السورية من السلمية إلى الجهاد المسلح (2011-2024م):

مثّلت الثورة السورية التي اندلعت في آذار/مارس 2011م ذروة النضال الشعبي ضد نظام البعث، وأطول وأعنف فصوله، فعلى مدى حوالي أربعة عشر عامًا خاض السوريون نضالاً مريرًا ضد النظام، ليتحول من احتجاجات سلمية إلى مقاومة مسلحة، ثمّ إلى حرب تحرير ضد احتلالات متعددة وميليشيات طائفية، أدت إلى مقتل أكثر من مليون من الشعب السوري، ومئات ألوف المعتقلين والمغيبين، وملايين المهجرين والنازحين، وتدمير شامل للبنية التحتية من قبل النظام المجرم وداعميه من الاحتلالين الروسي والإيراني وميليشيات الحقد الطائفية، في حرب تحرير ونضال طويلين ضد نظامٍ مجرمٍ، قبل أن تُتوّج هذه الثورة العظيمة بكلّ تضحياتها بسقوط النظام في نهاية عام 2024م.

كانت أولى إرهاصات الثورة السورية في منتصف مارس، في الخامس عشر منه عام 2011م، بدأت شرارة الأحداث تلوح من باحات الجامع الأموي بدمشق، حين خرج العشرات في مظاهرة سرعان ما تم تفريقها من قبل موالين للنظام، وتكرر المشهد في اليوم التالي أمام وزارة الداخلية في ساحة المرجة، حيث اشتبك المتظاهرون مع الشرطة.

غير أنّ الثامن عشر من آذار/مارس 2011م شكّل نقطة التحول الدامية، وكانت شرارتها في مدينة درعا جنوب البلاد، فقد سبقت هذا اليوم أحداثٌ فجّرت الغضب الشعبي، تمثّلت في قيام قوات الأمن باعتقال مجموعة من الأطفال والفتيان بتهمة كتابة شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم، من بينها عبارة “الشعب يريد إسقاط النظام” التي كانت قد تحولت إلى شعارٍ للثورتين التونسية والمصرية.

وتفاقم الاحتقان عقب تعرّض أهالي الأطفال وبعض وجهاء المدينة للإهانة والتهديد من رئيس فرع الأمن السياسي حين طالبوا بالإفراج عن أبنائهم، وهو ما أثار موجة غضبٍ واسعة في درعا، تُرجمت بخروج مظاهرة حاشدة يوم الجمعة 18 آذار/مارس، عُرفت بـ”جمعة الكرامة”، لتفتح البلاد بذلك على مسارٍ جديد من المواجهة الدموية.

واجهت قوات الأمن المتظاهرين بالرصاص الحي، ما أدى إلى سقوط أول شهداء الثورة السورية. وبدلاً من أن يؤدي القمع إلى إخماد الاحتجاجات، اتّسعت وانتشرت في عموم سورية انتشار النار في الهشيم؛ فقد تحولت مراسم تشييع الشهداء إلى مظاهرات أكبر، وبدأت الاحتجاجات تنتشر إلى مدن أخرى، في بانياس، ثم دوما، ثم إلى حمص، وحماة، واللاذقية، وإدلب، ثم شملت كافة المحافظات السورية.

اتّخذت الاحتجاجات في البداية طابعًا سلميًّا؛ حيث رفع المتظاهرون شعارات تطالب بالإصلاح والحرية والكرامة، ومع استمرار القمع العنيف من قبل قوات الأمن بدأت الشعارات تتصاعد وصولاً إلى المطالبة بإسقاط النظام.

حاول النظام في البداية احتواء الاحتجاجات من خلال مزيج من القمع والوعود بالإصلاح، لكن استمرار القمع العنيف جعل الثورة تتحول تدريجيًا نحو المقاومة المسلحة لحماية الحراك السلمي والأهالي من بطش النظام واعتداءاته. وفي حزيران/ يونيو 2011م أعلن الملازم أول حسين هرموش انشقاقه عن الجيش النظامي ورفض تنفيذ أوامره ضد الشعب، وأسس “كتيبة الضباط الأحرار” في أول انشقاق علني عن الجيش، تبعه المئات من الضباط والجنود الذين رفضوا إطلاق النار على المتظاهرين، ثم بدأت القوى الشعبية تتحرك بأقل وسائل الدفاع عن المظاهرات وردع أرتال مجرمي نظام البعث، فتأسست عدة كتائب ثورية شعبية، ومن أبرز ما اشتهر منها: كتائب أحرار الشام التي أسسها كل من حسان عبود أبو عبدالله الحموي وخالد أبو أنس سراقب، ولواء التوحيد الذي أسسه عبدالقادر الصالح، ولواء الإسلام بقيادة زهران علوش رحمهم الله جميعًا، وكان طابعها إسلاميًا، كما تأسست الكثير من الكتائب والألوية الثورية في مرحلة مبكرة من الثورة عرفت باسم “الجيش الحر” لاحقًا[25].

بحلول عام 2012م كانت سورية قد دخلت في حرب تحرير شاملة؛ فقد سيطرت الفصائل الثورية المسلحة على مناطق واسعة من البلاد، خاصة في الشمال والشرق، وأجزاء من دمشق وحمص، وفي المقابل انحسرت سيطرة النظام إلى دمشق والساحل وبعض المدن الرئيسية.

لاحقًا، ومع تصاعد حدة المعارك وتقدم فصائل الثورة؛ بدأت القوى الإقليمية والدولية بالتدخل، فتلقت كثير من فصائل الثورة دعمًا متفاوتًا من تركيا وقطر والسعودية والأردن، في حين وقفت إيران وروسيا إلى جانب النظام بكل قوة ودعم مادي وعسكري متنوع؛ مما أدى إلى تعقيد المشهد وإطالة عمر النظام.

شهدت الساحة السورية تطورات دراماتيكية في السنوات التالية؛ ففي عام 2013م ظهر تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) كقوة جديدة في الصراع، وحارب فصائل الثورة وسيطر على مناطق نفوذها حتى انتهى به الحال إلى السيطرة بشكل شبه كامل على شرق سورية، وفي عام 2015م تدخلت روسيا عسكريًا لدعم النظام، مما غيّر موازين القوى لصالحه.

وبدعم روسي وإيراني استعاد النظام السيطرة على مناطق واسعة كان قد فقدها، بما فيها حلب (2016م) والغوطة الشرقية ودرعا (2018م)، وبحلول عام 2019م كان النظام قد استعاد السيطرة على معظم الأراضي السورية، باستثناء إدلب وأرياف حلب الشمالية والغربية والشرقية ومناطق محدودة في ريف حماة الشمالي، بالإضافة إلى مناطق شرق الفرات التي سيطرت عليها قوات سورية الديمقراطية المدعومة أمريكيًا.

على الرغم من هذه الانتكاسات، لم تتوقف المقاومة المسلحة في مناطق محدودة، خاصة في إدلب وريف حلب.

في كانون الأول/ ديسمبر 2024م وبعد أربعة عشر عامًا من اندلاع الثورة، شنت فصائل الثورة هجمات واسعة النطاق على مواقع النظام في مختلف أنحاء سوريا، ففي الشمال قادت غرفة ردع العدوان وجيش الحرية عمليات عسكرية منسقة، بينما تحركت في الجنوب غرفة فتح دمشق وجيش سوريا الحرة، إلى جانب فصائل محلية وتجمعات شعبية أخرى.

جاءت هذه التطورات في ظل انهيار اقتصادي حاد، وتفكك متسارع في أجهزة الدولة، وتراجع الدعم الروسي والإيراني، إضافة إلى تحولات دولية مفاجئة، ولا سيما في أعقاب حرب السابع من أكتوبر في غزة؛ ما أدى إلى انهيار نظام البعث بسرعة لافتة، فقد هرب بشار الأسد من دمشق منهيًا حكْم عائلة الأسد الذي استمر 54 عامًا، وحكْم حزب البعث الذي استمر 61 عامًا، وهكذا انتصرت الثورة السورية أخيرًا، بعد نضال طويل ومرير، وبتضحيات جسيمة قدمها الشعب السوري.

اتّخذت الاحتجاجات في البداية طابعًا سلميًّا؛ حيث رفع المتظاهرون شعارات تطالب بالإصلاح والحرية والكرامة، ومع استمرار القمع العنيف من قبل قوات الأمن بدأت الشعارات تتصاعد وصولاً إلى المطالبة بإسقاط النظام

الخاتمة:

يمثّل سقوط نظام البعث في سوريا نهاية حقبة تاريخية مظلمة وبداية مرحلة جديدة مليئة بالتحديات والآمال، وقد دفع الشعب ثمنًا باهظًا في الوصول إليها، لكنّ هذا النضال أثبت أيضًا قدرة الشعوب على الصمود في وجه أعتى أنظمة القمع والاستبداد، ويقدم دروسًا قيمة من أهمّها: أنّ النضال قد يكون طويلاً وصعبًا، وقد يمرّ بانتكاسات وهزائم، لكنه في النهاية سينتصر طالما ظلّت إرادة الحرية حية في نفوس الناس.

واليوم تواجه سورية تحديات هائلة في مرحلة ما بعد البعث؛ فهي بحاجة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس من العدالة والكرامة والحرية والقيم، وإعادة إعمار ما دمره النظام، وعودة اللاجئين والنازحين، وبناء اقتصاد قادر على تلبية احتياجات المواطنين.

إن الشعب الذي صمد في وجه الاستبداد لعقود، وقدم تضحيات جسيمة في سبيل حريته، قادر على مواجهة هذه التحديات وبناء سوريا جديدة، حرة وكريمة ومزدهرة، تليق بتضحيات شهدائها وآمال أبنائها، بالتوكل على الله والاستعانة به.

إنّ الشعب الذي صمد في وجه الاستبداد لعقود، وقدّم من التضحيات ما يفوق الوصف، قادرٌ على أن يبني سورية جديدة، حرّةً كريمةً، تليق بدماء شهدائها وآمال أبنائها


م. حسام طرشة

مهندس مدني، مهتم بالعلوم الشرعية والسياسية والاجتماعية


[1] منظمة تابعة لحزب البعث، تعمل على ضم الشباب وتربيتهم تربية حزبية على مبادئ وأهداف حزب البعث.

[2] وكان على رأس الجماعة في ذلك الوقت الدكتور مصطفى السباعي الذي توفي عام 1964م، وخلفه في منصب المراقب العام الأستاذ عصام العطار.

[3] كان الحزب الشيوعي بقيادة رياض التّرك، وحزب العمل الشيوعي بقيادة ميشيل كيلو.

[4] وينسب تأسيسها للشيخ مروان حديد رحمه الله.

[5] للاستزادة عن تاريخ حزب البعث، تراجع مقالة الكاتب في العدد الرابع والثلاثين بعنوان: “تاريخ حزب البعث في سوريا: الاستيلاء والأفول”.

[6] برنامج: شاهد على العصر، عدنان سعد الدين، على موقع الجزيرة، وشهادة أمين الحافظ على نفس البرنامج على الجزيرة، ومذكّرات أكرم حوراني.

[7] التأميم: سياسة اقتصادية تقضي بنقل ملكية المؤسسات الخاصة الكبرى (الصناعية، التجارية، المصرفية) إلى الدولة، والإصلاح الزراعي: مجموعة تشريعات تهدف إلى إعادة توزيع الأراضي الزراعية عبر تحديد سقف الملكية ومصادرة ما زاد عليه لصالح الدولة أو الفلاحين.

وقد بدأ تطبيق هاتين السياستين في سورية خلال فترة الوحدة مع مصر (1958–1961) في ظل التوجه الاشتراكي لجمال عبد الناصر، ثم توسّع تطبيقهما بعد انقلاب 1966م الذي قاده الجناح العسكري الراديكالي في حزب البعث، حيث جرى تسريع وتوسيع عمليات المصادرة وتحديد الملكية. وقد أسهم ذلك في إضعاف كبار ملاك الأراضي والقطاع الخاص، وأثار استياءً واسعاً في أوساط الطبقات الوسطى والتجارية، ولا سيما في المدن التقليدية مثل دمشق، وحلب، وحماة، وغيرها. وقد أدت هذه الإجراءات إلى تجريد النخب الاقتصادية التقليدية من قوتها ونفوذها، وإضعاف القطاع الخاص، وسيطرة الدولة الشمولية على الاقتصاد، الأمر الذي أدى إلى تحويل شركات سورية اقتصادية كان لنجاحها صيت عربي وعالمي، إلى “سكراب” بشطبة قلم. للاستزادة: “مقالات: هكذا ابتلع الأسد أملاك السوريين… تشريعات لم تكن لتسقط” (سلسلة من 3 مقالات)، للكاتبة هبة الكل، موقع مجلة المجلة.

[8] ينظر كتاب: الدين والدولة في سوريا: علماء السنة من الانقلاب إلى الثورة، توماس بيريه، Thomas Pierret, Religion and State in Syria: The Sunni Ulama from Coup to Revolution, Cambridge University Press, 2013. – الذي يناقش شبكات العلماء السنة ودورهم في تشكيل فضاء ديني مستقل. ويتناول بالتفصيل كلاً من الشيخين عبد الكريم الرفاعي والشيخ حسن حبنّكة ودورهما في تكوين بيئات دينية تعبويّة خارج سيطرة الدولة.

[9] شهادة د. محمد صهيب الشامي على تلفزيون العربي في ثلاثة أجزاء، متوفرة على منصة يوتيوب.

[10] ينظر: مقال “معركة الإسلام والدستور في سورية وتونس”، سيد أحمد بن محمد السيد، موقع رابطة أدباء الشام، 15 تموز 2022م. ومقال “المؤسسة العسكرية في المواثيق الدستورية.. مضامين نحو المستقبل”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية. وشهادة د. محمد صهيب الشامي على تلفزيون العربي في ثلاثة أجزاء، على منصة يوتيوب.

[11] المكتبة الإسلامية العلوية: https://alawiyoun.net/ar/node/1422

[12] التحالف الشيعي النصيري، مقال للشيخ محمد سرور زين العابدين رحمه الله، على موقع الشيخ: https://www.surour.net/

[13] سيرة الجهادية الشامية في السبعينات والثمانينات، “حسام جزماتي”، على موقع تلفزيون سوريا: https://www.syria.tv/. و: سقوط أحكام وقواعد حماه، مقال لمركز كارنيغي يذكر فيه المعلومة: https://carnegieendowment.org/ar/middle-east/diwan/2016/09/no-more-hama-rules?lang=ar&utm_source=chatgpt.com.

[14] ينتمي اليوسف لإحدى خلايا “الطليعة المقاتلة” وتذكر بعض المصادر أن قيادة الطليعة لم توافق على العملية لمخالفتها لنهجها في العمل السري الانتقائي، لكن الظروف الأمنية وصعوبة التحرك قد ساهمت في عدم وصول هذه الأوامر بشكل صحيح لليوسف.

[15] نفذها أفراد من العسكريين السنة جندهم فرع الطليعة في حلب، على ثرى دمشق، أيمن شربجي، وينظر: خفايا عملية اغتيال حافظ الأسد قبل هلاكه، بودكاست الثورة، على يوتيوب:

[16] موقع اللجنة السورية لحقوق الإنسان: https://www.shrc.org/?p=7449

[17] موسوعة سوريا السياسية، على يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=u8mHVft9PVQ

[18] نبذة عن لجان الدفاع عن الحريات، على موقع الذاكرة السورية.

[19] موقع المنظمة العربية لحقوق الإنسان: https://aohrarab.com/blog/543.

[20] ربيع دمشق.. “العقد الضائع” الذي سبق الثورة السورية، مقال على موقع الجزيرة.

[21] إعلان دمشق القصة الكاملة – جورج صبرة، العربي الجديد: www.alaraby.co.uk/opinion.

[22] سيرة رياض سيف وشهادته للتاريخ.. وقائع سورية، عمر كوش، العربي الجديد. واعتقال وليد البني، على موقع الذاكرة السورية: https://syrianmemory.org/archive/figures/5f182d95245fef0001ec71e5

[23] اعتقالات في أعضاء المؤتمر، موقع العربية،

https://www.alarabiya.net/articles/2007%2F12%2F15%2F42958

[24] استعصاء سجن صيدنايا 2008، الذاكرة السورية: https://syrianmemory.org/

[25] أطلق اسم “الجيش الحر” على مجموعة كبيرة من الفصائل المسلحة والتي لم تكن ذات طابع أو مشروع إسلامي بالمعنى المتعارف عليه، وكان لها حضور كبير في كافة المناطق، وإنجازات كبيرة، لم تجمعها قيادة واحدة وإن تعددت المحاولات لكن بقيت في الإطار النظري في كثير من تفاصيلها، وكان أول من أعلن عن هذه التسمية هو العقيد رياض الأسعد في تموز/ يوليو 2011م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *