قراءات

قراءة في كتاب “حتى لا يستباح الحرم.. قراءة حالية ومستقبلية في أبعاد المشروع الإيراني” لـلدكتور “عبد العزيز مصطفى كامل”

لم يعد المشروع الإيراني سرًا كما كان قبل عقود، بل تحوَّل من أقاويل وإشاعات إلى واقع تشهده الأمة الإسلامية، فهو مشروع يهدف إلى التوسُّع الممنهج بوسائل سياسية وعسكرية، نحو وجهة محددة يسير نحوها، ويجند في سبيل ذلك كلَّ ما يمكن لخدمة هذه الوجهة والغاية، فما هي غايته؟ وإلى أين يسعى للوصول؟  حاول كتاب “حتى لا يستباح الحرم” تقديم قراءة في أبعاد هذا المشروع، وهذه المقالة قراءة في الكتاب.

الكاتب في سطور:

عبد العزيز مصطفى كامل كاتبٌ وداعيةٌ مصريٌّ، حصل على شهادة الماجستير في الشريعة من جامعة الإمام في المملكة العربية السعودية، ثمَّ تابع دراسة الدكتوراه في جامعة الأزهر، كان عضوًا في هيئة تحرير مجلة البيان الإسلامية، إلى جانب عمله محاضرًا في جامعة الملك سعود، له العديد من المؤلفات والمقالات المنشورة في المجلات الإسلامية.

مدخل إلى الكتاب:

تتعرَّض البلدان الإسلامية لمكائد أعداء الإسلام منذ عصورٍ قديمةٍ، إذ لم تسلم هذه الأرض من غزوات الصليبيين المتتابعة، والتي لم تتوقَّف حتَّى يومنا هذا، متَّخذةً أشكالاً مختلفةً، فقد أطلقوا على تلك الأرض اسم (منطقة الشرق الأوسط) وبدؤوا يخطِّطون لتدميرها والاستيلاء عليها. ثمَّ وقف وراءهم اليهود الذين ادَّعوا أنَّ هذه الأرض (أرض ميعادهم) وحرَّفوا توراتهم ليؤكِّدوا حقَّهم في استلاب الأرض. أمَّا أصحاب المشروع الإيراني الفارسي فهم يرون أنَّ هذه الأرض هي مَخْرَج منتظَرِهم الذي سينشر منها مذهبهم في التَّشيع إلى العالم. واليوم أرض الشام تتنازعها راياتٌ مختلفةٌ، والعراق وقع تحت الهيمنة الشيعية العربية، وكذلك اليمن اكتوى بنار الطائفية، أمَّا الحَرَمان الشريفان وما حولهما فتتربَّص بهما شيعة الفرس والعرب، ضمن مشروعٍ صفويٍّ جديدٍ. لذلك تزحف إيران من الأطراف؛ أي من بلدان العراق والشام واليمن، إلى القلب أي جزيرة العرب، وصولاً إلى الحرمين الشريفين، غاية الغاية؛ لتتمكَّن من تنفيذ خطَّتها.

يتألَّف الكتاب من أربعة فصولٍ، سنستعرضها بإيجاز، ونبدأ بـ:

الفصل الأول: الخلفيات الخرافيَّة للمشروع الإيراني:

  • فرقة الشيعة الإمامية (متى وكيف)؟

نشأت فرقة الشيعة في العراق على يد عبد الله بن سبأ المنافق الذي ادَّعى الإسلام في عهد عثمان بن عفان t، وانقسمت الشيعة إلى فرق يجمعها الغلوّ في عليّ t، أشهرهم (الشيعة الاثنا عشرية) الذين قالوا بأولوية الخلافة لعليِّ t وأولوية ذرّيته من بعده بولاية أمر المسلمين حتى نهاية الزمان، وكفّروا مَن لا يقول بقولهم، وهذه الفرقة هي الأكثر عددًا وانتشارًا في عصرنا، وسمُّوا بذلك لاعتقادهم بعقد الإمامة في اثني عشر إمامًا آخرهم محمد بن الحسن العسكري مهديهم المنتظر. ومن فِرَقهم (الزيدية) في اليمن، و(النصيرية العلوية) في سوريا.

  • المنظومة الاعتقادية الاثنا عشريَّة:

ويجملها الكاتب في عدَّة نقاط، وهي:

1- الإمامة لعليٍّ t ولأحد عشر إمامًا من بعده، وعصمتهم كعصمة الأنبياء.

2- تقديس قبور الأئمة والأولياء.

3- تكفير معظم الصحابة y، وعموم أهل السنة.

4- ادّعاء تحريف الصحابة للقرآن وأنَّ نصه الكامل موجود مع المهدي المنتظر.

5- استحلال (التَّقِيَّة)، وربّما إيجابها، وهي الكذب لاتِّقاء خصومهم من أهل السنّة وغيرهم.

6- اعتقادهم رجوع بعض الأموات إلى الحياة للانتقام ممَّن ظلمهم، وعلى رأسهم عليٌّ وابنه الحسينƒ.

7- عودة مهديّهم المنتظَر.

  • مهدي الضَّلال ونهج الدَّمار:

يُعِدُّ الشيعة مخططاتٍ سياسيةً وعسكريةً استعدادًا لاستقبال المهدي المنتظَر، الغائب في سردابه لأكثر من ألف ومئتي عام؛ ليثأر من قَتَلة الحسين، ويحشدون لذلك كلَّ ميراث الغلِّ التاريخي ضدَّ أعدائهم من أهل السنّة، مثيرين بذلك الفتن والحروب التي تمهِّد لظهوره بعد طول زمن الانتظار. كما يزعمون خروج رجل اسمه (اليماني الموعود) ليهيِّئ لخروج المهدي، ويحارب أعداءه، ورجل آخر يدعى (الخراساني) الذي سيقاتل لتمكين خروجه.

  • مهام مهدي الضَّلالة عندما يخرج:

يجمع المهديُّ الشيعةَ -حسب مصادرهم- في مكان لا مكان لسواهم فيه؛ فيحكمهم وفق شريعة اليهود، ويقتل جميع العرب الأحياء، ويحيي موتى قريش ويعيد قتلهم، كما يقتل سَدَنة الكعبة، ويهدمها وينقل حجرها إلى مسجد الكوفة، ويكسر مباني مسجد المدينة، ويقيم الحدَّ على عائشة أم المؤمنين ~، ويحيي موتى من أتباعه لينصروه، ويفنى بمجيئه ثلثا البشر، ولا يبقى إلا أنصاره، ويتمنَّى مَنْ انتظروه أنَّهم لم يروه لكثرة سفكه للدماء!

  • معتقد أهل السنة في مهدي الحقّ والسنة:

بلغت الأحاديث التي ذكرت المهدي حدَّ التواتر، وهو من أشراط الساعة، يأتي ليملأ الأرض عدلاً كما مُلِئت جورًا، واسمه محمد بن عبد الله من نسل فاطمة، رجل صالح غير معصوم، مبدأ ظهوره في الشرق، ويُبايعه الناس في مكة بعد الكثير من القلاقل والفتن، يقيم الخلافة على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، وينزل في زمانه المسيح عليه السلام.

يُعِدُّ الشيعة مخططاتٍ سياسيةً وعسكريةً استعدادًا لاستقبال “المهدي المنتظَر”، الذي سيحكمهم وفق شريعة اليهود، ويثأر من قَتَلة الحسين بقتل العرب، وإعادة قتل موتى قريش، وينقل أحجار الكعبة إلى مسجد الكوفة، ويكسر مساجد المدينة! ويحشدون لذلك كلَّ ميراث الغلِّ التاريخي ضدَّ أهل السنّة، مثيرين الفتن والحروب التي تمهِّد لظهوره

  • عقيدة التَّمهيد.. والممهِّدون المعاصرون:

سعى الخميني إلى بعث الثّقة في الشيعة من خلال ربطه بين الثورة الإيرانية وظهور المهدي، وتلاه في ذلك الخامنئي وأحمدي نجاد. ولم يقتصر الأمر على الممهِّدين الفرس، بل زاحمهم على ذلك الممهّدون من شيعة العرب، وعلى رأسهم مقتدى الصدر الذي سمَّى جماعته (الممهِّدون للمهدي)، وفي الآونة الأخيرة بدؤوا يروِّجون للممهِّد الأخير (الموعود اليماني) ويختلفون في مكان خروجه هل هو من اليمن أم من العراق؟ حتَّى ألّف رجل الدِّين الشيعي عليّ الكوراني العاملي كتابًا حول هذا الموضوع سمَّاه (اليمانيون قادمون) ليقنعوا أتباعهم بخرافتهم التي يستعلون بها على العالم كله.

  • قبور الأئمة.. مشاريع احتلال:

يبالغ الشيعة في تقديس مقامات وأضرحة أئمتهم وأوليائهم إلى درجة كبيرة، وفي عقائدهم أنّ زيارة قبر الحسين t تعدل مئة حجة مبرورة، ومئة عمرة متقبَّلة، وهم يبذلون من أجل حمايتها الروح، كما أكَّد على ذلك حسن روحاني في خطابه قائلاً: “إنَّ الشعب الإيراني سيقدِّم النَّفْسَ والنَّفيس دفاعًا عن مراقد الأئمة الأطهار”، وتتوزَّع قبور الأئمة بين النجف وكربلاء وبغداد وسامراء بالعراق، وبين البقيع وخراسان، ومصر أو الشام، ولا قيمة للمساجد الثلاثة الكبرى (الحرام – النبوي – الأقصى) عندهم؛ لأنَّها لا ترتبط بأئمتهم، بل إنّ المسجد الأقصى في عقائدهم هو مسجدٌ موجودٌ في السماء الرابعة، ويفضِّلون مسجد الكوفة ومراقد أئمتهم عليه، ودعواهم الدفاع عن فلسطين والقدس والأقصى مجرّد شعارات لها غاياتها.

وبالتالي فإنَّ المشروع الشيعي لن يكون له أيُّ أهمية من دون السعي لفرض السيطرة على الأماكن المذكورة، ويعمدون في سبيل ذلك إلى تكفير أهل تلك البلاد الذين يسمُّونهم (النواصب) واستباحة دمائهم وأعراضهم وأموالهم كما فعلوا في العراق وسوريا.

الفصل الثاني: الأبعاد الواقعية للمشروع الشيعي:

  • من إيران الصفوي إلى إيران الخميني:

آثر الشيعة انتظار المهدي وعدم تأسيس دولة لهم؛ وذلك لاعتقادهم أنَّ الفراغ الذي تسبَّب به غياب إمامهم الثاني عشر يجب ألا يملأه أحدٌ غيره، حتى جاء إسماعيل الصفوي الذي حكم إيران وحوّلها إلى المذهب الشيعي قسرًا عام 907ه، وعمل على محاربة الدولة العثمانية وعرقلة فتوحاتها والتحالف مع أعدائها.

بعد سقوط الدولة الصفوية بزمن عاد الشيعة للانتظار، حتى جاء قائد ثورة إيران (آية الله الخميني) قاطعًا هذا الانتظار، مطبِّقًا نظريته المسمَّاة (ولاية الفقيه) وتعني أنَّ الإمام الفقيه يمكن أن يقوم مقام الإمام الغائب، ودولته دولة ضرورة لحين خروج المهدي، وجعل رجال الدين في مقدِّمة حكومته، وفتح باب تصدير الثورة التي يمكن أن يلتحق بها كلُّ من يلتزم بمبدأ ولاية الفقيه؛ ليعارضه بعض شيعة العرب ويتابعه آخرون ومن أبرزهم (حسن نصر الله).

  • إيران الخامنئي.. من الدولة إلى الإمبراطورية:

عمل خامنئي بعد أن تولَّى منصب مرشد الثورة على الانتقال بثورة إيران إلى الخارج، مستخدمًا القوَّة الخشنة والناعمة؛ فاتجه بإيران نحو الإمبراطورية وتحقيق حلم (إيران الكبرى) الذي أصبح هدفًا استراتيجيًا لدولة شيعة الفرس.

وقد أثمر هذا التوجّه ما عُرف بـ (الخطة الخمسينية) وهي عبارة عن رسالة سرّية مسرّبة تدعو إلى التغلغل السلمي في دول الجوار التي بها كثافة شيعية عبر مراحل، أولها: تثبيت الوضع الداخلي في الدولة الإيرانية لحساب الجماهير المناصرة لولاية الفقيه، وثانيها: الترويج للمذهب الشيعي في دول الجوار، وثالثها: توثيق العلاقة بين أصحاب رؤوس الأموال الشيعة وكبار الموظفين في الدول المستهدَفة، ورابعها: تقديم المعونة للدول التي يحدث فيها قلاقل؛ لتظهر إيران بمظهر المنقِذ، وخامسها: التدخُّل في شؤون الدول المهيَّأة للثورة، وبذلك يتَّسع نفوذها وتزيد هيمنتها.

آثر الشيعة انتظار المهدي وعدم تأسيس دولة لهم، حتى جاء الخميني مطبِّقًا نظريته المسمَّاة (ولاية الفقيه)، وجعل رجال الدين في مقدِّمة حكومته، ثم عمل على الانتقال بثورة إيران إلى الخارج، مستخدمًا القوَّة الخشنة والناعمة؛ فاتجه بإيران نحو الإمبراطورية وتحقيق حلم (إيران الكبرى) الذي أصبح هدفًا استراتيجيًا لدولة شيعة الفرس.

  • من الإمبراطورية إلى العالمية:

يرى محمد جواد لاريجاني أنَّ مشروع إيران يجب ألا يقف عند الإمبراطورية، بل يجب أن يتَّجه نحو (الإمامة العالمية)، بحيث تكون الدول المرتبطة بإيران تحت قيادة (أمِّ القرى) في طهران! وفلسفة لاريجاني في جعل (أمِّ القرى) في طهران بدلاً من مكَّة: أنّه من الممكن أن تكون (أمُّ القرى) لقوم ما في مدَّة ما، وبعد مدّة يسقط هذا الوصف لهم ولها!

  • الأبعاد الاعتقادية للمشروع الشيعي:

قام المشروع الشيعي الإيراني الفارسي على خرافاتٍ ما لبثت أن تحوَّلت إلى وقائع حقيقيةٍ متكاملةٍ مرتبطة بالمشروع السياسي، ولعلَّ أكثر ما بنى دعائم هذا المشروع هو الحقد التاريخي الذي يغذِّي هذا المشروع ويدعو للثأر من أعدائه مهما طال الزمن، إضافة إلى الاعتقاد الجازم بالمهدي المنتظر، والسعي لتعجيل ظهوره، والتقيّة، وتعظيم المقدّسات وحمايتها، وغير ذلك.

  • الأبعاد العنصرية للمشروع الشيعي:

الضغينة التي يحملها المشروع الشيعي الإيراني للعرب ممتدَّة منذ ما قبل الإسلام، وجاء الإسلام وعزَّز وجودها عندما أسقط إمبراطوريتهم، فكان معظم مَنْ دخل في الإسلام يبطنون النفاق، ويتحيّنون الثأر من العرب، لذلك تشيَّع منهم الكثير وانضموا تحت عباءة ابن سبأ، ومع ظهور الدولة الصفوية استعدَّ الكثير منهم للانتقام من العرب خصوصًا وأهل السنة عمومًا، وكذلك حَدَث بعد الثورة الإيرانية التي لم تعترف بالسنّة، ولم تقلِّدهم مناصب في الدولة الإيرانية، والتي لا تزال حتى اليوم تمارس سياستها العنصرية في كلِّ مكان ضدّهم.

  • الأبعاد السياسية والاستراتيجية للمشروع الشيعي:

تَعدُّ إيرانُ الدولَ المجاورة لها امتدادًا لمشروعها، ولإقامة كيانها السياسي تستخدم أسلوبين؛ الأول: استراتيجية خشنة استخدمتها في العراق واليمن وسوريا، الثاني: استراتيجية ناعمة استخدمتها في لبنان والبحرين من خلال إنشاء الحوزات والأنشطة الخيرية؛ لتمكين المذهب الشيعي، ولتنفيذ فكرة (أم القرى) والحزام الشيعي الذي يضمُّ إيران والعراق وسوريا ولبنان.

  • نوايا إيران النووية:

يهدف البرنامج النووي الإيراني إلى امتلاك (قنبلة نووية شيعية)، ويمثّل هذا البرنامج خطرًا على أمن الخليج والمنطقة العربية بخاصّة. وقد مرَّ المشروع النووي الإيراني بمراحل كثيرة حتى تمّ الاتفاق بين إيران والدول العظمى على الحدّ من تقدّم إيران في هذا المشروع، في مقابل رفع العقوبات عنها، وتمكينها من التسلّح. لكنّها ستبقى رغم ذلك “دولة نووية محتملة”.

تَعدُّ إيرانُ الدولَ المجاورة لها امتدادًا لمشروعها، ولإقامة كيانها السياسي تستخدم أسلوبين؛ الأول: استراتيجية خشنة استخدمتها في العراق واليمن وسوريا، الثاني: استراتيجية ناعمة استخدمتها في لبنان والبحرين من خلال إنشاء الحوزات والأنشطة الخيرية؛ لتمكين المذهب الشيعي، ولتنفيذ فكرة (أم القرى) والحزام الشيعي الذي يضمُّ إيران والعراق وسوريا ولبنان.

  • مخاطر القدرات العسكرية الإيرانية:

تسعى إيران للتوسُّع وتحقيق مشروعها بشكل جامح؛ لذلك فهي تعتني بالتسلّح وتجري مناورات عسكرية ضخمة سنويًا، ولديها سيناريوهات متعددة للسيطرة على الخليج والدول المجاورة، لكنّها -وعلى الرغم من هذا الجموح- فإنّها محتاجة إلى عوامل ضبط تضمن لمشروعها الاستقرار والاستمرار، ولذا فإنّها تحاول الالتزام ببعض القواعد السياسية، ومنها:

– الإمساك بزمام الشعب الإيراني تحت قيادة سياسية قوية ذات طبيعة طائفية لا تسمح بوجود تعدّدية من أيّ نوع.

– الضغط السياسي على الدول المجاورة من خلال زعامات الطائفة الشيعية المتنفِّذة فيها.

– فرض رأي سياسي مؤثِّر في النظام الدولي.

– محاولة تصدّر الواجهة السياسية في بعض القضايا المركزية بالمنطقة كالقضية الفلسطينية.

– الوقوف الصوري في وجه مشاريع الهيمنة الغربية.

  • الأبعاد الثقافية والإعلامية للمشروع الشيعي:

يعتمد الإعلام الشيعي على عدَّة استراتيجيات، أهمها اختراق الأوساط السنّية، والتوسُّع في نشر الدعوة الشيعية عن طريق المراكز الثقافية وغيرها من وسائل الإعلام، والانتشار الإعلامي من خلال القنوات الفضائية التي تسعى إلى تدمير مكونات الثقافة الإسلامية السنيّة.

  • موقع شيعة العرب من مشروع شيعة الفرس:

يتَّفق الاثنان في الأصول الاعتقادية، وبُغضهم لأهل السنّة، ولكنَّهما يختلفان من باب التفاخر والتحاسد، فبينما يرى شيعة العرب أنَّ لهم أولوية الزعامة الدينية، لا يستطيع شيعة الفرس التخلُّص من احتقارهم للعرب، ومع ذلك فإنَّ شيعة العرب لا يفتؤون يقدِّمون ولاءهم المطلق لإيران قولاً وفعلاً! فلا يمكن فصل نشاط جماعة حزب الله أو الحوثيين عن مجمل أهداف المشروع الإيراني الفارسي.

الفصل الثالث: المشروع الإيراني واستكمال الهلال:

  • كيف تتحوَّل منظومة العقائد إلى برنامج عمل؟

تسعى إيران لتحقيق مشروعها من خلال: الاستقطاب المذهبي، والضمِّ السياسي، والتَّمكين الاستراتيجي، وتحاول عدم التصادم مع القوى الأخرى التي لها مصالح في المنطقة، بل تقاسم الغنيمة معهم، وغايتهم الأولى بلاد الحرمين الشريفين.

وتعتمد إيران (مبدأ التَّقِيَّة) في السياسة؛ ذلك لأنَّ مخططاتها غير معلنة، فهي تستفيد من كلِّ المشروعات بشكلِ مباشَرٍ أو بالشراكة أو من خلال النتائج، وتسعى إلى فصل أجزاء من مواطن أهل السنة التي فيها أكثرية شيعية، وهي لا تتردَّد في إيجاد فرصة لها في المواطن ذات الأكثرية السنية.

  • العراق في المشروع الإيراني:

يحتلُّ العراق مكانةً بارزةً في المشروع الإيراني، ويعود ذلك لمكانته التاريخية والجغرافية، ويدَّعي الشيعة أنَّ التشيع دخل العراق منذ دخول الإسلام؛ لذلك اتَّخذه عليٌّ t مقرًّا لحكمه، بعد أن فُرضت عليه الإقامة الجبرية، وبايع أبا بكر t بزعمهم مكرهًا، كما أنَّ الأماكن التي يقدسونها تتركَّز في العراق، وأولها النجف حيث مرقد عليٍّ t، وثانيها كربلاء حيث مقتل الحسين t، وثالثهما سامراء التي تضم قبري إمامين من أئمتهم، وبينهما سرداب مهديهم المنتظر.

أرادت إيران منذ عهد الخميني السيطرة على العراق، ونشبت بين الطرفين حربٌ دامت لمدة ثماني سنوات أنهكت البلدين اقصاديًا وبشريًا، ثمَّ اتَّسعت هذه الحرب لتضمَّ دول الخليج التي كانت تسعى لإيقاف المدِّ الشيعي. وبعد احتلال أمريكا للعراق نُقلت السلطة من السنّة إلى الشيعة، وقُسّم العراق إلى ثلاثة أقسام: شيعي في الجنوب، وسنّي في الوسط، وكردي في الشمال؛ تمكّنت إيران حينها من إحكام سيطرتها على العراق والانطلاق منه إلى خارجه؛ لتنفيذ استراتيجية (الهلال الشيعي) الذي يحيط بجزيرة العرب مَقصدِهم النهائي.

تسعى إيران لتحقيق مشروعها من خلال: الاستقطاب المذهبي، والضمِّ السياسي، والتَّمكين الاستراتيجي، وتحاول عدم التصادم مع القوى الأخرى التي لها مصالح في المنطقة، بل تقاسم الغنيمة معهم، وغايتهم الأولى بلاد الحرمين الشريفين، وتعتمد (مبدأ التَّقِيَّة) في السياسة؛ فمخططاتها غير معلنة، وتستفيد من كلِّ المشروعات بشكلِ مباشَرٍ أو بالشراكة أو من خلال النتائج

  • بلاد الشام في المشروع الإيراني:

أولاً: سوريا: المطامع الإيرانية في سوريا قديمة ترجع إلى ما قبل الثورة، وقد وجدت إيران في الطائفة النصيرية ضالّتها المنشودة للاتّكاء عليها في إيجاد مرتكز باطني يقوم عليه الجزء المتعلّق بالشام من مشروعها، فعملت على مساندة حكم (حافظ الأسد)، ودعمت (بشّار) في حربه على الغالبية السنّية، وساهمت معه في تشريد السوريين ودفعهم للهجرة من بلادهم، وإحلال شيعةٍ من إيران وأفغانستان وغيرهما مكانهم؛ بما يمكن أن يغيّر التركيبة السكّانية فيجعل الشيعة أكثرية والسنّة أقليّة في المناطق الحيوية. إضافة إلى استعدادها -عند طرح مشروع تقسيم سوريا- للدفاع عن حقّ النصيرية في دولة مستقلّة على الساحل؛ تكون مدينةً لها بالبقاء وضامنة لاستمرار نفوذها على جزء من بلاد الشام.

ثانيًا: لبنان: تعدّ حركة (حزب الله) بقيادة (حسن نصر الله) أكبر عون لإيران في تنفيذ مخططها من خلال: العمل على تمكين الشيعة في لبنان، والعمل على إضعاف السنّة سياسيًا والقضاء على زعاماتهم، والتعاون مع نظام الأسد في جرائمه ضد سنّة سوريا، ومحاولة الظهور -بتوجيه من إيران- في واجهة الصراع مع إسرائيل وتصدّر أعمال المقاومة ضدّها، رغم الوعود المتكررة التي يطلقها (نصر الله) بحماية حدود إسرائيل.

ثالثًا: الأردن: عمل الإيرانيون على استغلال الشيعة الذين فرُّوا من حرب العراق؛ لنشر المعتقد الشيعي، فأقاموا مشاريع اقتصادية لاقت تسهيلات من الحكومة الأردنية، وطالبوا بإنشاء حسينيات؛ لمواصلة مهمتهم في التبشير، معتمدين على عنصر الزمن لجني النتائج.

رابعًا: فلسطين: “اليوم إيران وغدًا فلسطين” شعار الخميني الذي سعى من خلاله إلى تسويق أفكار الشيعة في فلسطين، فأنشأت إيران “المجلس الشيعي الأعلى” في فلسطين الذي أغلق بسبب معارضة الفلسطينيين الذين أدركوا خطر المد الشيعي، ولكنّ ذلك لم يقف في وجه محاولاتهم الدائبة لاختراق الساحة الفلسطينية مذهبيًا عن طريق الترويج لدعاية أنّ إيران أكبر داعم للمقاومة الفلسطينية، والحفاوة المبالغ بها بالرموز الفلسطينية وتقديم الدعم المادي والمعنوي الصوري لهم، وقد أثمر هذا عددًا من المكاسب أهمّها: إشادة كثير من القادة الفلسطينيين بإيران ودعمها سياسيًا، وتأثّر حركة (الجهاد الإسلامي) بالشيعة بل وإظهار بعض قادتها تشيّعهم علنًا.

  • مصر في المشروع الإيراني:

لمصر أهمّية عند الشيعة، ففيها مراقد لبعض أهل البيت، كما أنّها وجهة المهدي المنتظر بحسب عقيدتهم؛ لذا فهم يتطلّعون إلى مدّ نفوذهم فيها؛ لكن محاولاتهم باءت بالفشل، وقوبلوا بالرفض على الصعيدين الرسمي والشعبي، ولكنَّ التبشير الشيعي لا يترك وسيلة إلا واستخدمها، مستغلاً جهل بعض الناس وحاجتهم.

الفصل الرابع: جزيرة العرب.. الغاية والنهاية:

  • جزيرة العرب.. وثلاثية العداء:

المشروع الإيراني المعادي للسنّة قائم على ثلاثية العداء الطائفي والازدراء العنصري والطمع المادي، وهذه العناصر تتجمّع أسبابها في جزيرة العرب، وبما أنّ دول الخليج بها أكبر كثافة سكانية شيعية بعد إيران والعراق فالمشروع الإيراني يستهدفها ويركّز عليها.

  • عوامل أهمية منطقة الخليج العربي في المشروع الإيراني:

  • سياسيًا: تعطي السيطرة على المنطقة لإيران حضورًا عالميًا، فهي محطُّ أطماع القوى الغربية نظرًا لثروتها وموقعها الاستراتيجي.
  • اقتصاديًا: فدول الخليج أغنى مناطق العالم بالنفط، وفيها أهم الممرات التجارية العالمية.
  • عسكريًا: تشكِّل دول الخليج خطَّ دفاع متقدِّمٍ يحمي الحدود الإيرانية.
  • اليمن في المشروع الإيراني:

ظهر التشيّع في اليمن في وقت مبكّر على المذهب الزيدي، وهو أقلّ غلوًّا من المذهب الاثني عشري. وعندما شكَّلت دول الخليج (مجلس التعاون الخليجي) لمواجهة أطماع إيران ولم تُدخِل اليمن معها؛ استغلّت إيران ذلك، وتوجّهت إلى اليمن لتجعلها منفذًا لها إلى بقية جزيرة العرب وبوابةً للوصول إلى الحرمين الشريفين، وتسيطر من خلالها على مضيق باب المندب؛ فعملت على استقطاب رموز الشيعة الزيدية، وتحريضهم للتحوُّل للمذهب الاثني عشرية؛ فاستجاب الحوثيون الذين أصبحوا أداة إيران في اليمن، وشاركوا في ثورة 2011م ثم انقلبوا على المعارضة واستولوا على العاصمة صنعاء والكثير من المدن اليمينة.

  • البحرين في المشروع الإيراني:

تعدّ إيرانُ البحرينَ أرضًا إيرانية من الناحية التاريخية، ويساعدها في أطماعها أنّ بها كثافة شيعية وإن كانت عربيّة، وكان الخميني عازمًا على غزوها وضمِّها إلى إيران، ولكنَّ هذا الغزو لم يكتب له النجاح بسبب نشوب حرب الخليج الأولى.

تسعى إيران لإيجاد ما يسمّى (البحرين الكبرى) والتي تضمّ (الكويت، والبحرين، الإمارات العربية، وقطر، المنطقة الشرقية من السعودية) لتكون رديفة عربية شيعية لـ (إيران الكبرى) الفارسية، وبهذا تتمكّن من خدمة مشروعها، ومحاصرة الجزيرة العربية والتمكُّن من مقدّساتها وثرواتها.

مطلب إيران في الحرمين يُختصر في شعار (تدويل الحرمين)، ويقصد به تحرير الحرمين من السنّة، وجعلهما تحت إدارة مشتركة من عدّة دول، بحيث يكون للشيعة وغيرهم حرّيتهم في تسيير شؤونهم العبادية والشعائرية، وهذا يعني: أن يُشرك بالله باسم حرية ممارسة العبادة، وأن يُجهر بلعن الخلفاء الثلاثة، ويُستعلن بمشاهد اللطميات والنواح والندب

  • (تدويل الحرمين).. سُعار في شعار:

مطلب إيران في الحرمين يُختصر في شعار (تدويل الحرمين)، ويقصد به تحرير الحرمين من السنّة، وجعلهما تحت إدارة مشتركة من عدّة دول، بحيث يكون للشيعة وغلاة الصوفية وغيرهم حرّيتهم في تسيير شؤونهم العبادية والشعائرية، وهذا يعني: أن يُشرك بالله باسم حرية ممارسة العبادة، وأن يُجهر بلعن الخلفاء الثلاثة، ويُستعلن بمشاهد اللطميات والنواح والندب، وليس بعيدًا أن نرى الفسوق والفجور والدعارة التي يتمُّ الترويج لها باسم (زواج المتعة). وإيران لا تكلّ من تكرار هذا المطلب في كلِّ مَحْفَل، وافتعال الحوادث والكوارث في مواسم الحج؛ للتأكيد على أنَّ سدنة الحرمين غير جديرين بهذه المهمة.

وإلى جانب الدوافع الاعتقادية للسيطرة على الحرمين هناك أسباب اقتصادية؛ فالسعودية من أكثر المناطق غنىً بالنفط في العالم، وهي تتركَّز بالمنطقة الشرقية ذات الأكثرية الشيعية، ولذلك يهدف شيعة إيران وشيعة العرب إلى تحرير هذه المنطقة لتصبح كيانًا مستقلّاً تتحكَّم إيران به وبمقدراته.

والصراع بين السنّة والشيعة ليس صراعًا سياسيًا تتحكَّم به مفاوضات ومعاهدات، بل هي حربٌ دينيةٌ مذهبيةٌ لن تنتهي إلا بنهاية أحد الطرفين، لذلك فإنَّ رموز السياسة الإيرانيين لا يفتؤون يهدِّدون خصومهم، كالتهديد الذي وجَّهه (قاسم سليماني) للسعودية بسبب تدخُّلها في اليمن، وغيرها من التهديدات التي جاءت على ألسنة قادتهم والتي تهدف لخدمة مذهبهم وتسعى لانتشاره.

  • السعودية.. الهدف الاستراتيجي:

تهدف الدول العظمى إلى تقسيم المنطقة المحيطة بفلسطين بغرض حماية إسرائيل، وكانت أولى الخطوات إلى التقسيم: غزو العراق ردًّا على احتلال الكويت، قال (لوران مورافيتش) الباحث في معهد راند للأبحاث الاستراتيجية في تقريرٍ ما يبيت للمنطقة: “إنَّ الحرب على العراق مجرَّد خطوةٍ تكتيكيةٍ ستغيِّر وجه الشرق الأوسط والعالم، أمَّا السعودية فهي هدف استراتيجي، وأمَّا مصر فهي الجائزة الكبرى في نهاية الطريق”.

وفي سبيل إتمام هذه المخططات فإنّ الدول العظمى تستغلّ إيران وتدعمها في مساعيها للقضاء على ما يسمّى (الإسلام السياسي السنّي) في المنطقة لأنّه يشكّل بالنسبة لهم خطرًا حقيقيًا والصراع معه صراع وجود ومصير، في حين إنّ الخلاف مع إيران أو ما يسمّونه (الإسلام السياسي الشيعي) هو خلاف تكتيكيٌ مؤقّتٌ ومحدود. وهذا لا يعني أن إيران والغرب سيكونون أصفياء متحابّين؛ فالصراع بينهما تاريخي (صراع الروم والفرس)، وسيأتي اليوم الذي يبدأ فيه الطرفان بتصفية الحسابات فيما بينهم.

  • سيناريو الصدام.. ماذا سيحدث حينها:

تحاول إيران تنفيذ مشروعها بسرعة جامحة، تدفع أمريكا والدول الأوربية للحاق بها خوفًا على مصالحهم في المنطقة، وخشية استفراد إيران بالغنيمة كلِّها، وكما استنفرت أمريكا العالم الإسلامي لإسقاط الاتحاد السوفيتي ستستنفرهم لمواجهة خطر الامتداد الشيعي الذي يستهدف أرض أقدس المقدسات وثرواتها.

يتوقَّع المحللون الاستراتيجيون قيام حربٍ إقليميةٍ طائفيةٍ تُساق إليها المنطقة، فاتفاق (لوزان) بشأن البرنامج النووي الإيراني ليس إلا توريطًا لإيران والبلدان السنّية التي ستنهمك في حربٍ يدمِّر كلُّ منهما الآخر، لتتدخَّل أمريكا والكيان الصهيوني؛ ليجهزا على ما تبقَّى منهما، وتبقى ورقتهما الورقة الرابحة.

خاتمة:

تساند القوى الخارجية المعادية والقوى الداخلية المداهنة المشروع الإيراني الشيعي، ولن يكبح جموح هذا المشروع إلا قيام مشروعٍ سنيٍّ شاملٍ يقوده رجال يواجهون المنهج الباطل بالحق والعدل، فيكونوا هم المنتصرين، كما يقول الله تعالى في محكم آياته: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 55-56].


د. فاطمة علي عبُّود
أستاذة اللغة العربية في جامعة سلجوق في تركيا.


 

X