حين تضعف الدول وتتعاظم التحديات، ينهض سؤال الهوية: من يحفظ المجتمع من التفكك؟ عبر قرونٍ من الاستعمار والاستبداد والتحولات الكبرى، لم تكن الجماعات والحركات الإسلامية مجرد أطر دعوية، بل تحوّلت إلى حواضن وعيٍ، ومدارس إصلاح، وشبكات حمايةٍ اجتماعية. في هذا المقال نتتبع مسارها في سوريا نموذجًا، من حلقات الإصلاح الأولى إلى مؤسسات العمل العام المعاصر، لنقرأ دورها في صيانة الهوية وبناء الاستقرار، وإمكاناتها في الإسهام في إعادة بناء الدولة.
مقدمة:
رغم القوة والمنعة التي بدأت بها الدولة العثمانية كخلافة إسلامية حرصت على تطبيق الشريعة، فإنّ مظاهر الضعف ما لبثت أن تسللت إليها؛ فانتشرت بعض الخرافات، وتراجع المستوى العلمي في أطرافها، مع ضعف مؤسسات الدولة وتآكل هيبة السلاطين وقدرتهم على ضبط شؤونها، الأمر الذي شجّع على ظهور التمردات في أقاليم متفرقة منها.
ومنذ بداية القرن السادس عشر بدأت الحركات الإصلاحية الدينية التي كانت تدعو إلى العدل والتمسك بالدين[1]، وركزت على محاربة البدع والخرافات التي انتشرت بصورة كبيرة، وكان المصلحون يرون أن انتشار البدع والخرافات والجهل سيصيب الدولة في مقتل، ولا بد من العمل على محاربة ذلك حفظًا للدولة والدين، وكان على رأس تلك الحركات الإصلاحية حركة “قاضي زادة”[2] التي كان لها تأثير كبير في السلطنة، وانتشرت في معظم أرجائها، وخاصة في الشام، على يد محمد أفندي الأسطواني (1608-1661م)، الذي كان له نشاطه في إسطنبول وكان له أتباعه، وقد ورث ابنه مصطفى دعوته ومكانته، فولي الخطابة بالجامع الأموي بدمشق حتى وفاته؛ مما يؤكد شيوع دعوته في الشام[3]، التي كانت تدعو للعودة إلى نقاء الدين كما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.
التدهور السياسي والعلمي في الدولة العثمانية بالتزامن مع الصعود الأوروبي جعل الأنظار تتجه نحو أوروبا، وبدأت البعوث العثمانية إلى أوروبا تعود بانطباعات تعلي من شأن الحضارة الأوروبية، وتتحسر على وضع الدولة العثمانية. من ذلك ما كان في عهد السلطان أحمد الثالث (1703-1730م) الذي أرسل سفيره محمد جلبي أفندي (1670-1732م)، الذي سجل وصفًا منبهرًا للإنجازات الفرنسية في الميادين العسكرية والعلمية والتقنية، إضافة إلى الجانب المعماري[4]، ودعا إلى الأخذ بالنظم الغربية دون أن يدعو صراحة للتخلي عن الإسلام.
لكن الهزائم التي منيت بها الدولة العثمانية في نهاية القرن 17 وبداية القرن 18، شجعت بعض الأصوات الداعية لترك الدين والاقتداء بالغرب، فالغرب الصاعد ترك الدين وراء ظهره واتجه نحو العلم والعقل، وإذا أردنا النهضة لا بد أن نحذو حذوهم؛ ما فتح المجال واسعًا أمام تيار التغريب، الذي تبنّاه كثير من المفكّرين في تلك الأيام، وتطرّفوا في آرائهم لدرجة رفضهم وتبرّئهم من كلّ ما يمتّ إلى الدين بصلة بحجة أنه قديم وتخلف، لكن جهود العلماء المسلمين أفرادًا وجماعات كانت سدًا منيعًا أمام موجة التغريب التي كادت تطيح بكل شيء.
الإصلاح الديني بداية النهوض:
بدأ العلماء المصلحون بالدعوة “إلى مواجهة التحديات الغربية للمسلمين بالعودة إلى مصادر الشريعة الأصيلة من قرآن وسنة، وإلى إحياء الإسلام فكريًا وسياسيًا، ونبذ الجهل والجمود والتزمت”[5]. لقد كان منهجهم منهجًا إصلاحيًا تعليميًا، يدعو لنبذ الجهل وطلب العلم والعودة إلى أصول الإسلام الأولى البعيدة عن الخرافات والبدع، فسوء الإدارة والأحوال المتردية هو السبب في تأخُّر الدولة العثمانية، ولن يكون الإصلاح بنبذ الدين والأخذ عن الغرب، بل لا بد من الإصلاح الديني والاجتماعي؛ لذلك فإنَّ مسألة محاربة الجمود والبدع والخرافات كانت قضية محورية في كتابات وخطب العلماء.
وكان لا بد من ناحية أخرى من وجود جماعات مركزية محورية، تأخذ على عاتقها موضوع نشر الوعي والفكر الديني الصحيح، فقد كان للشيخ جمال الدين القاسمي (1866-1914م) مثلاً حلقة خاصة ظهرت في دمشق، يجتمع فيها مع مجموعة من أصدقائه، على رأسهم الشيخ عبد الرزاق البيطار (1837-1916م)، يقرؤون بعض الكتب الدينية والفقهية والفكرية ويناقشون أفكارها، وهو ما أزعج السلطات العثمانية وجر على المجموعة جملة من التهم منها: الاجتهاد، وتهديد أمن الدولة[6]. أما الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935م) صاحب مجلة المنار، ورئيس المؤتمر السوري الذي نتج عنه أول دستور لسورية الحديثة عام 1920م، فقد اشترك في تأسيس بعض الجمعيات الإسلامية بهدف المطالبة بالإصلاح السياسي والإداري في السلطنة، كجمعية الشورى العثمانية، التي كانت تطالب بالحكم النيابي والعمل بالدستور[7]. ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأت الجمعيات الإسلامية بالظهور في الدولة العثمانية، وكان أولها في سوريا: جمعية المقاصد الخيرية التي انتشرت فروعها في كلِّ أنحاء سورية عام 1878م[8]. ثمّ بدأ ظهور الجمعيات ذات الطابع السياسي مع مطلع القرن العشرين التي ناقشت قضية الانحطاط وحاجة السلطنة العثمانية للإصلاح دون التخلي عن الهوية والدين[9].
مثّل العلماء المصلحون في أواخر العهد العثماني تيارًا إصلاحيًا سعى إلى معالجة مظاهر الضعف عبر العودة إلى أصول الشريعة، ومحاربة البدع والجمود، ونشر التعليم والوعي، وتأسيس حلقات وجمعيات إصلاحية جمعت بين الدعوة والعمل الفكري والمطالبة بالإصلاح السياسي مع الحفاظ على الهوية الإسلامية
الحفاظ على المجتمع المسلم ومقاومة المستعمر:
عندما دخل الفرنسيون سوريا شاعت عبارة القائد الفرنسي غورو أمام قبر صلاح الدين قائلاً: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”[10] في إشارة للحروب الصليبية، فاستنفر العلماء ورجال الدين لدفع هذا الخطر بكل إمكاناتهم التعليمية والتوعوية، فسارعوا لتشكيل الجمعيات الإسلامية التي بدا أن أهم أهدافها المحافظة على الدين والهوية ومحاربة الجهل والبدع التغريبية، فانتشرت الجمعيات الإسلامية في كل المدن السورية، وخاصة في العاصمة دمشق، وفي المدن الكبرى كحلب وحماة وحمص، فكانت الجمعية الغراء التي أسسها الشيخان علي الدِّقر (1877-1943م) ومحمد هاشم الخطيب (1890-1958م)، وكان الاثنان من تلاميذ الشيخ بدر الدين الحسني (1850-1935م) وجالا معه في مدن سورية لوعظ الناس وبيان أحكام دينهم، وحثِّهم على الجهاد ضد الفرنسيين”[11].
ومن الجمعيات التي نشأت في دمشق: جمعية الهداية الإسلامية التي ظهرت في 26 يوليو/ تموز 1930م على يد مجموعة من الدمشقيين[12]، بغاية: “محاربة ما حدث من البدع، ومقاومة ما تجدَّد من الأهواء، قيامًا بالواجب الشرعي، وانتصارًا للحق على الباطل”[13]. وركّزت الجمعية على التعليم الديني، وسعت لنشره في سورية[14]، في محاولة لحفظ هوية المجتمع ومنع التغريب ومظاهره وأفكاره من التغلغل فيه.
ومن الجمعيات في سوريا أيضًا: جمعية التمدن الإسلامي التي تأسست عام 1932م على يد مجموعة من رجال الدين والفكر في دمشق، منهم محمد بهجة البيطار (1894-1976م)، ومحمد جميل الخاني (1892-1951م)، ومصطفى الزرقا (1904-1999م)، وعلي الطنطاوي (1909-1999م)، وزهير الشاويش (1925-2013م)، وغيرهم، وكان أبرز من تولى رئاستها أحمد مظهر العظمة (1909-1982م)[15]، وقامت الجمعية من أجل الدعوة إلى الإسلام الصافي ولتحذِّر الناس من الإلحاد، وأمثال هذه الضلالات والمنكرات، وتأخذ بأيديهم إلى الإسلام المشرق، دين الهداية والمدنية والسعادة والتسامح الحق والحضارة المثلى.
وفي حلب ظهرت جمعية البر والأخلاق الإسلامية عام 1930م، وجعلت غايتها تثبيت العقائد الإسلامية وتقويتها في نفوس المسلمين، والعمل بأحكام الكتاب والسنة[16]. وكان الشيخ محمد راغب الطباخ (1876-1951م) من أبرز مؤسسيها[17]. ومن مؤسسيها أيضًا السياسي محمد معروف الدواليبي (1909-2004م)، وناصرت قضايا المسلمين في العالم. وكان لها فرع في إدلب، تولى رئاسته الشيخ محمد نافع شامي (1907-1991م)، وكان هذا الفرع يعمل على بث تعاليم الإسلام في المجتمع، ويشارك في العمل الاجتماعي والوطني والسياسي[18].
ومع عدد من علماء دمشق أسس الشيخ كامل القصاب (1873-1954م) جمعية العلماء سنة 1937م، وكانت تهدف لمحاربة الإلحاد والفساد في المجتمع، ونصّ دستورها على أن غاية الجمعية “الاهتمام بشؤون المسلمين ومؤسساتهم الدينية، ورفع مستوى العلماء والمتعلمين وجمع كلمتهم، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة“[19]. وفي 11 رجب عام 1357هـ/ 6 أيلول 1938م، أقامت الجمعية مؤتمرها الأول الذي ضم عددًا كبيرًا من علماء بلاد الشام والعراق، تباحثوا في أوضاع العالم الإسلامي ثم أصدروا بيانًا في تبرئة الإسلام مما يصمه به المستعمرون، وكشف النقاب عن دواعي الفرقة التي يبثها المستعمر في البلاد باسم حماية الأقليات، وطالبوا بمحاربة مظاهر الفساد والانحلال في المجتمع، والاهتمام بالعلوم الدينية واللغة العربية، والوقوف في وجه أعمال الاستعمار في البلاد المحتلة[20].
وبالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين فقد نشأت نتيجة مجموعة من الحوارات واللقاءات التي قامت بها مجموعة من الجمعيات الإسلامية السورية بداية ومنتصف الثلاثينيات، فتم تشكيل الجماعة عام 1945م[21]، واستطاعت مد نفوذها في جميع المدن السورية، وكان لها تأثير اجتماعي كبير، وضمت في صفوفها عددًا كبيرًا من رجال التربية والفكر، وهو ما فتح المجال أمامها للعمل من خلال منابر عديدة: تعليمية وإعلامية وسياسية[22].
وإذا انتقلنا إلى الجزائر التي احتلها الفرنسيون أيضًا فقد أنشأ عبدالحميد بن باديس (1889-1940م) ومعه البشير الإبراهيمي (1889-1965م) جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في 16 ذي الحجة 1350هـ /5 من مايو 1931م، وكانت تهدف إلى تطهير الإسلام من البدع والخرافات، وإحياء الثقافة العربية، واستقلال الجزائر، وأسست عددًا من المدارس والمساجد والنوادي في أهم المدن والقرى الجزائرية التي وصلت إليها دعوتها، وامتد نشاطها إلى فرنسا بقيادة الشيخ الفضيل الورتلاني (1900-1959م) ومن معه من العلماء؛ للعناية بأبناء الجالية الجزائرية في فرنسا. وقد تعرضت الجمعية لصعوبات كثيرة بسبب محاربة المستعمر لها وتضييقه على علمائها، لكنها نجحت في تكوين أجيال جزائرية تؤمن بإسلامها وعروبتها وتحافظ على هويتها وانتمائها إلى عالمها العربي والإسلامي[23].
وفي مصر ظهرت هناك مجموعات كثيرة، منها جمعية الشبان المسلمين التي تأسست عام 1346هـ/ 1927م من أجل محاربة التيار التغريبي، ووصف محب الدين المناخ الفكري في القاهرة آنذاك بقوله: “كان جو القاهرة الفكري والثقافي في ذلك الحين متشبعًا برطوبة الأخذ بثقافة الغرب بكل ما فيها من خير وشر وجد وهزل، وأكثر القائمين على الأندية والعاملين في الصحافة والمترددين على الأندية والمجتمعات يعدون كل نزعة إسلامية رجعية وجمودًا، وكان العالم الإسلامي قد أُصيب حينئذ بظهور الدعوة الكمالية إلى الفصل بين الدين وشؤون الدنيا، وتردد صدى ذلك في مصر على صفحات كتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبدالرازق وأنصاره الكثيرين، كانت الدعوة إلى تأسيس جمعية الشبان المسلمين مهددة من كتاب الصحف ورجال هذه الهيئات الثقافية بحملات التشكيك والتنفير لو وصل خبر تأسيسها إلى ألسنتهم وصفحاتهم وأجوائهم، فتقرر من الساعة الأولى أن تكون الدعوة إلى هذا العمل الجدي منطويًا في مسار الكتمان”[24]. وكانت هذه الجمعية متنبهة إلى ما يجري حولها، ومتيقظة لأعمال دعاة التغريب ودعواتهم، وأهدافهم التي يرمون إليها من إبعاد الشباب خاصة والمسلمين عامة عن تراثهم وماضيهم ولغتهم، بهدف سلخهم عن دينهم وتوجيههم إلى ما يريده الغرب ويريده الملحدون، وظلت هذه الجمعية تخدم قضيتها، وتحاول جمع الشباب المسلم والمثقف حولها من أجل الحفاظ على دينهم وأخلاقهم.
مع دخول الاستعمار الفرنسي إلى بلاد الشام والجزائر، برزت الجمعيات والحركات الإسلامية بوصفها استجابةً دينيةً ووطنيةً لحماية الهوية ومقاومة التغريب، فانتشرت في المدن الكبرى، وجمعت بين التعليم والدعوة والعمل الاجتماعي والسياسي، وسعت إلى تطهير العقيدة، وإحياء الثقافة العربية، وتحصين المجتمع في وجه مشاريع الاستعمار والتغريب.

مقارعة المستبدين وتوجيه المجتمع:
عاشت سوريا سنوات عجاف في ظل حكم آل الأسد، الذي استبد وقمع وحارب الدين وقيم المجتمع، وقد وقفت الجماعات الإسلامية في وجهه ولم تخضع لجبروته، وقامت بتوعية الناس وتوجيههم لمحاربة الاستبداد، ومع قيام الثورة السورية عام 2011م وقفت كثير من الجماعات الإسلامية في صف الثورة، ودعت لإسقاط الأسد ونظامه. ومن هذه الجماعات كانت جماعة زيد التي أنشأها الشيخ عبد الكريم الرفاعي (1904-1973م) في الأربعينيات، وقد انتشرت في مساجد دمشق وريفها، واستقطبت الشباب الجامعي وحازت ثقة المجتمع من خلال النشاط والعلاقات والعمل الاجتماعي والدعوي. ورغم أن نشاط الجماعة توقف بعد أحداث الثمانينيات بسبب إخراج قاداتها خارج سوريا، إلا أنها عادت للعمل الدعوي والخيري بعد عودة الشيخ سارية (1948-2025م) ومن بعده الشيخ أسامة عام 1994م، وانحاز الشيخان أسامة وسارية الرفاعي إلى صف الثورة السورية منذ بدايتها، وكانت خطب الشيخ أسامة في جامع الرفاعي بكفرسوسة وخطب أخيه الشيخ سارية بجامع زيد بن ثابت في منطقة الفحامة بباب سريجة -التي انتقدا فيها عنف النظام وطريقة تعامله مع أحداث الثورة- تصدح بين السوريين والسوريات. وعندما انتقل الشيخان إلى تركيا مع بعض أتباع جماعة زيد بدءا العمل الدعوي والإغاثي من جديد عبر جمعيات ومنظمات عدة، مثل: جمعية زيد بن ثابت، ومؤسسة الحضارة الإسلامية، ومنتدى الشباب، ومنتدى المرأة والطفل، بالإضافة لنشاط تدريس مسجدي في مسجد مهرماه سلطان في منطقة الفاتح بإسطنبول.
وفي 13/8/ 2012م أُعلن عن تفعيل رابطة علماء الشام برئاسة الشيخ أسامة الرفاعي، ومن ثم توسعت الرابطة وانضم لها علماء كانوا بالأصل خارج الشام، وكان لها نشاطات دعوية وإغاثية عديدة[25].
أما هيئة الشام الإسلامية، وهي منظمة مجتمع مدني دعوية مجتمعية، جاء في ميثاقها أنها تهدف إلى المحافظة على الهوية الإسلامية في المجتمع السوري، وتتبنى المواطنة كرابطة للتعايش المشترك بين أبناء الوطن الواحد[26]، فقد انشغلت -وما تزال- بالعمل الدعوي والعلمي البحثي والاجتماعي، وكانت واضحة في خطابها الإسلامي الوطني.
وفي مؤتمر صحفي تم الإعلان عن تشكيل المجلس الإسلامي في 14 نيسان عام 2014م، وضمّ أغلب الهيئات الإسلامية السورية في الداخل والخارج، وضم الهيئات الشرعية لأكبر الفصائل الإسلامية في سوريا. وقد وصل عدد أعضاء هيئته العامة بعد ثماني سنوات على تأسيسه 252م عالـمًا وفقهيًا وممثلاً عن هيئات وجماعات إسلامية سورية مختلفة في توجهاتها وتصنيفاتها الفكرية والعقدية والمذهبية[27]. وبضمه لعدد كبير من العلماء ورجال الدين السوريين المعروفين الذين لهم أتباع يحترمونهم ويأخذون عنهم؛ كان للمجلس خصوصية ومكانة عند السوريين لا يمكن تجاوزها، وقد كان من أهدافه أن يكون “هيئة مرجعية شرعية وسطية سورية، تسعى إلى جمع كلمة العلماء والدعاة وممثلي الكيانات الشرعية، وتوجيه الشعب السوري، وإيجاد الحلول الشرعية لمشكلاته وقضاياه، والحفاظ على هويته ومسار ثورته”[28]، إضافة إلى سعيه لتفعيل دور المؤسسة الدينية في المجتمع السوري. وقد أصدر المجلس وثيقة الهوية السورية التي أكد فيها أن الإسلام هو دين غالبية الشعب السوري، وهو ثقافة وحضارة لجميع أبناء سوريا، كما أن “المكونات التاريخية العديدة الموجودة في سورية والمتنوعة في ثقافاتها ولغاتها وأديانها وانتماءاتها هي مكونات أصيلة، وحقوقها مصونة مضمونة، وحريات الجميع مكفولة متناغمة مع الهوية السورية الأصيلة، ولا تعود عليها بالنقض”[29].
وقد نشأت بعد الثورة السورية مجموعة من الأحزاب السياسية ذات الخلفية الدينية، أو التي تسمي نفسها بالمحافظة، على يد مجموعة من الشخصيات المعارضة التي وجدت أن المرحلة تقتضي تشكيل أحزاب سياسية تعبر عن توجهات السوريين الدينية، دون ترك الساحة للتشكيلات السياسية العلمانية أو ذات التوجه اليساري. ولعل بعض تجارب الأحزاب السياسية ذات التوجه الديني في بعض البلدان العربية والمجاورة كانت محفزًا لهؤلاء للرغبة في الممارسة السياسية واكتساب خبرة بالعمل الحزبي المنظم.
برزت الجماعات والهيئات الإسلامية السورية في المرحلة السابقة للثورة، ثم تعزّز حضورها مع اندلاعها، فشكّلت فاعلًا دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا في مواجهة الاستبداد، وأسهمت في توجيه الشارع ودعم الثورة، ثم أعادت تنظيم حضورها عبر روابط وهيئات ومجالس وأحزاب سعت إلى الحفاظ على الهوية الإسلامية، وتفعيل المرجعية الشرعية، وخوض المجال العام ضمن أطر دعوية ومجتمعية وسياسية منظَّمة
أهمية وجود الجماعات في بناء الدولة:
كان للجماعات والحركات والتجمعات الإسلامية أثر كبير في الحفاظ على المجتمع في البلاد العربية والإسلامية، وهي جزء من النسيج المجتمعي وأحد أركانه الهامة، ولها دور مهم في نشر الوعي والتعليم والعمل الخيري، فلا يخلو كيان من هؤلاء من وجود أذرعة له لخدمة المجتمع، أو الحث على تأسيس ودعم الجمعيات الخيرية الخدمية[30]، والحفاظ على الهوية والاستقرار.
وإذا حاولنا تقييم عمل الجماعات الإسلامية خلال القرن المنصرم نجد أنها نجحت في تحقيق بعض الأهداف وفشلت في أخرى؛ فقد نجحت في حفظ هوية المجتمع المحافظة، واستطاعت تحريك الشارع لإلغاء قوانين وإقرار أخرى انطلاقًا من رؤية دينية إسلامية، واستطاعت أيضًا تحقيق أهداف سياسية في فترات صعبة، وكان نضالها لا يتوقف رغم التصادم مع الحكومات المختلفة. لكن وبسبب تركزها في المدن الكبرى غالبًا لم تستطع الوصول لكل أطياف المجتمع، فأهملت الأرياف والضواحي، كما أنها كانت بحاجة لتطوير الخطاب الاجتماعي الذي توجهت به للناس، فقد كان هذا الخطاب أحيانًا يقتصر على الوعظ دون الدخول في صلب المشاكل الاجتماعية، وكان لهذا دلالاته التي تستحق الدراسة المعمقة.

ورغم ذلك تبرز الحاجة لمثل هذه الجماعات أكثر في سوريا اليوم بعد الدمار الهائل الذي تركه النظام البائد، ليس فقط في العمران والاقتصاد إنما في الأخلاق والهوية والقيم الجامعة الرافعة. هذه الجماعات والتجمعات يمكن أن تكون سندًا للدولة ومعينًا للحكومة في مجالات عدة أهمها:
» في التوعية وفي ترسيخ الاستقرار المجتمعي؛ لأنها توفر الدعم الاجتماعي والأخلاقي، وتعمل كشبكات أمان عبر الخدمات الخيرية والتكافل الاجتماعي.
» تنظيم المبادرات وتقديم الخدمات التي يحتاجها الناس بشدة ولا تستطيع الحكومة تلبيتها.
» توجيه الأفراد أخلاقيًا، ونشر القيم الإسلامية التي تدعو للعمل وتحمل المسؤولية والبعد عن الفساد.
» تفكيك الأفكار المتطرفة ونشر الخطاب الديني الذي ينطلق من الكتاب والسنة.
» توفير مساحات للحوار والنقاش كجسر تواصل بين فئات المجتمع المختلفة.
كل هذا وأكثر منه، سيكون عونًا للحكومة على أداء مهامها، والنجاح في توفير الاستقرار اللازم للبناء.
للجماعات والحركات والتجمعات الإسلامية أثر كبير في الحفاظ على المجتمع في البلاد العربية والإسلامية، وهي جزء من النسيج المجتمعي وأحد أركانه الهامة، ولها دور مهم في نشر الوعي والتعليم والعمل الخيري
أخيرًا:
إن العمل على تنظيم هذه الجماعات وتشجيعها على العمل العام، وبناء علاقة صحية مع الحكومة سيشجع العاملين فيها على الشفافية والحوكمة، وهذا سيساعد في تلافي الإشكاليات والنواقص في عمل هذه الجماعات، وسيمكن الحكومة من بناء شراكة مثمرة معها تصب في مصلحة المجتمع وبناء الدولة.
د. رغداء زيدان
أكاديمية باحثة، مديرة مؤسسة سوريات للتنمية والتدريب
[1] ينظر: جدلية العلاقة بين الدين والدولة في الفكر العثماني بين متطلبات الإصلاح ومساعي التحديث، أمينة مولوة وناديا طرشون، مجلة دراسات وأبحاث، المجلة العربية للأبحاث والدراسات في العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 16، العدد 3، مايو 2024م، السنة 16، ص (160) وما بعد.
[2] ينظر: السلفية العثمانية: إحيائية إسلامية في مواجهة البدع الصوفية، كريم عبد المجيد، موقع إضاءات، 23/ 8/ 2015م، على الرابط: https://www.ida2at.com/ottoman-islamic-salafi-biological/. وينظر: الخلافة العثمانية ودورها في التجديد الديني وظهور الحركات الإصلاحية، حاكم المطيري، إسطنبول، 2019م، ص (127).
[3] ينظر: الخلافة العثمانية ودورها في التجديد الديني وظهور الحركات الإصلاحية، ص (130).
[4] سفير عثماني في فرنسا مطلع القرن التاسع عشر، عبدالرحيم محب أفندي، محمد العواد، مجلة ذخائر، العدد 7، موقع منار الإسلام للأبحاث والدراسات، 1/ 12/ 2020م، على الرابط: https://islamanar.com/ottoman-ambassador-in-france-at-the-beginning-of-the-nineteenth-century-abdul-rahim-mouhib-efendi/.
[5] تاريخ المشرق العربي المعاصر، أحمد طربين، دمشق، منشورات جامعة دمشق، ط 4، 1412هـ / 1992م، ص (373).
[6] جمال الدين القاسمي وعصره، ظافر القاسمي، ص (48-69).
[7] محب الدين الخطيب، “رفيق بك العظم”، مجلة الزهراء، العدد 2 (الربيعان، 1344هـ)، ص (230).
[8] الإدارة العثمانية في ولاية سورية (1864-1914م)، لعبد العزيز محمد عوض، ص (264-265).
[9] صفحات من تاريخ الجمعيات في بلاد الشام، سهيلة ياسين الريماوي، مجلة البحث التاريخي، العدد 7 (ربيع الأول 1402هـ/ كانون الثاني 1982م)، ص (136-137).
[10] ينظر: في الذكرى المئوية لزيارة الجنرال جورو لضريح صلاح الدين.. هل قال “ها قد عدنا يا صلاح الدين”؟ 3 من شهود العيان، عبد السلام حيدر، موقع عربي بوست، 24/ 6/ 2020م، على الرابط: https://2u.pw/T2Nfv2
[11] ذكريات علي الطنطاوي (1/219).
[12] هم: أبو الخير الميداني، راشد القوَّتلي، عارف الدُّوجي، عبد الرزاق الحفار، عبدا لقادر شمّوط، عبد القادر العاني، محمد كامل القصَّار، محمد توفيق عمار، محمد صالح العقَّاد، محمد صبحي الحفار، محمود ياسين، ياسين الجويجاتي.
[13] البيان التأسيسي لجمعية الهداية الإسلامية، مجلة الفتح، السنة الخامسة، العدد 232 (الخميس 12 شعبان 1349هـ)، ص (503).
[14] التعليم الديني في مدارس سورية وعد نسأل الله تعالى تحقيقه، محمود ياسين، مجلة الفتح، السنة 7، العدد 314 (الخميس 13 جمادى الآخرة، 1351هـ)، ص (221).
[15] الأستاذ أحمد مظهر العظمة في شعره ونثره، حسان الكاتب، مجلة العرفان، المجلد 65، العدد1 (يناير 1977م/ محرم-صفر1397هـ)، ص (50-59).
[16] ينظر، جمعية إسلامية في حلب، مجلة الفتح، السنة 5، العدد 235 (الخميس 3 رمضان 1349هـ)، ص (555).
[17] الأنوار الجلية في مختصر الأثبات الحلبية، محمد راغب الطباخ، ترجمة الشيخ بقلم ابنه محمد يحيى، ص (22).
[18] الشيخ محمد نافع شامي، لمحمد حسان ومحمد وائل شامي، رابطة العلماء السوريين: https://islamsyria.com/site/show_cvs/594
[19] تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، لمحمد مطيع الحافظ، ونزار أباظة، (2/661).
[20] المرجع السابق نفسه.
[21] ظهرت حركة الإخوان المسلمين في سورية عام 1945م، كفرع لجماعة الإخوان المصرية التي ظهرت منذ سنة 1928م على يد حسن البنا، واتفقت في مبادئها مع مبادئ الجماعة في مصر، القائمة على الدعوة بطريقة الاتصال المباشر بالناس، والتحرك السياسي والحوار المفتوح، بما يخدم الإسلام والمسلمين ويعين على تحقيق أهداف الجماعة، لكن كان هناك اختلاف في طريقة العمل على أرض الواقع، وفي طرق الدعوة، بما يتناسب مع اختلاف الظروف في كلا البلدين: مصر وسوريا.
[22] ينظر للتوسع حول جماعة الإخوان المسلمين وأعمالهم في سوريا: هذه تجربتي وهذه شهادتي، لسعيد حوى، وينظر: سورية في قرن، لمنير الغضبان.
[23] للتوسع ينظر: من أعلام الحركة والدعوة الإعلامية المعاصرة، لعبد الله العقيل، ص (159، 167).
[24] الشباب الإسلامي، محب الدين الخطيب، مجلة الزهراء، العدد4، جمادى الثانية، 1346هـ، ص (194).
[25] ينظر: موقع الرابطة الإلكتروني: https://www.rocham.org/
[26] ينظر: ميثاق الهيئة، على موقع هيئة الشام الإسلامية، على الرابط: https://islamicsham.org/association/174 .
[27] ينظر: كلمة المتحدث الرسمي للمجلس الإسلامي السوري حول أكبر عمل قام به المجلس منذ تأسيسه قبل ثماني سنوات، موقع المجلس الإسلامي على يوتيوب، 16/ 4/ 2022م، على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=mAIHZjE-jP4
[28] ينظر: موقع المجلس الإسلامي السوري على الإنترنت، على الرابط: http://sy-sic.com/?page_id=2330.
[29] ينظر: وثيقة الهوية السورية، على الرابط: http://sy-sic.com/?p=8794
[30] ينظر: العمل الخيري المؤسسي في تاريخنا، موقع محمد صالح المنجد، على الرابط: https://almunajjid.com/lectures/lessons/222.



