قضايا معاصرة

التحولات المجتمعية وأثرها في الأزمات النفسية والاجتماعية للشباب

تركت التحولات الاجتماعية المتسارعة آثارًا عميقة على بنية الشخصية لدى الشباب، فأضعفت منظومة القيم التقليدية، ووسّعت الفجوة بينهم وبين مصادر التأثير التربوي الأصيلة. كما تكشف الدراسات الحديثة عن تصاعدٍ في معدلات الاضطرابات النفسية بين المراهقين نتيجة عوامل متعددة. هذا المقال يحاول تحليل هذه التحولات في إطار علمي متكامل، وصولاً إلى فهم أعمق للأزمات التي يعيشها جيل الشباب اليوم، واقتراح مسارات ترميم واستعادة للتوازن النفسي والاجتماعي.

تعاني المجتمعات العربية في العصر الحديث من تحولات اجتماعية ونفسية متسارعة أثرت على أفراد المجتمع بشكل عام وعلى الشباب منهم بشكل خاص، والتي ساهم المجتمع في انتشارها دون تعمد مقصود، ولكن يعود ذلك لعدة عوامل متنوعة ومتداخلة (اجتماعية، اقتصادية، ثقافية وسياسية) ساعدت على بروز بعض الظواهر السلبية والتي تتضمن انحلالاً أخلاقيًا وقيميًا أفقد الشباب ثقته بنفسه وبمن حوله، وجعله يعيش حالة من القلق والاضطراب النفسي وفقدان التوازن الاجتماعي، بل وربما رسخ بعض المفاهيم غير الأخلاقية لديهم والتي تعتمد على الغش والنفاق والكذب، وغياب الأمانة، والكثير من السلوكيات غير المحمودة.

والشباب هم ثمار مجتمعاتهم بخيرها وشرها، ولا يمكن فصلهم بحال من الأحوال عما يعتري المجتمع من تغيرات أو انحلال عقائدي، قيمي أو حتى أخلاقي. يقول أستاذ علم النفس في جامعة الكويت عويد المشعان: “سن المراهقة من أصعب المراحل العمرية؛ فعند بلوغها ينتقل المراهق من مصدر التأثير الاجتماعي من تقليد الأب إلى تقليد الأقران الأكبر سنًا، غير مدرك سلبية أو إيجابية ذلك”[1].

لذا فإننا عندما ندرس ظاهرة انتشار الأمراض النفسية والاجتماعية بين الشباب العربي لا بد وأن ننظر بعين الواقع للمجتمع لندرس ما طرأ عليه من تغيرات انعكست آثارها سلبًا على الشباب فسلبته بعضًا من أمنه وسلامه النفسي، وساهمت في تفشي بعض الظواهر النفسية كالعزلة والاكتئاب وضعف الهوية والانتماء، فيما يشير تقرير لمنظمة الصحة العالمية على الصعيد العالمي إلى أن شخصًا واحدًا من كل سبعة أشخاص تتراوح أعمارهم بين 10 أعوام و19 عامًا يعاني من اضطراب نفسي، وهو ما يمثل نسبة 15٪ من العبء العالمي للمرض في هذه الفئة العمرية[2].

فقدان البوصلة وغياب الهوية:

إن الحفاظ على ثوابت المجتمع وهويته لهو الضمان للحفاظ على أفراد المجتمع من تفشي الانحلال القيمي والأخلاقي بينهم، وعندما نستعرض التغيرات الاجتماعية والنفسية التي طرأت على المجتمعات العربية نلحظ تغيرًا ملحوظًا ظهر في تلك المجتمعات بكل فئاتها وفي القلب منهم الشباب، ويعود ذلك إلى فقدان التوجه والهوية لديهم، والذي ترتب عليه غياب الكثير من ثوابت وضوابط المجتمع ما جعلهم يشعرون بفقدان الاتزان والتخبط والارتباك، الأمر لم يأت من فراغ بل هو نتيجة لتغير مصادر التأثير على الشباب وتوجيههم في الاتجاه الصحيح؛ حيث دخل العالم الافتراضي لينافس العالم الواقعي في تأثيره على سلوك الشباب وقيمه وأخلاقه، ما جعلهم يشعرون بالتخبط والضبابية وذلك عزز لديهم الشعور بالاغتراب ومن ثمّ ظهور بعض الأمراض النفسية والاجتماعية بينهم.

كتب الأستاذ عبد الله عيسى السلامة: “إن ضياع البوصلة يُضيع المهتدين بها من الفرد إلى الأمّة، حيث إن البوصلة المعنوية الفكرية هي التي تحدّد الأهداف المعنوية الفكرية! وهذه ليست آلة مادية، بل هي عقول الحكماء، وذوي الخبرة من البشر!

والهدف قد يكون فرديًا، يخصّ فردًا أو أسرة! وقد يكون الهدف جماعيًا، يشمل قبيلة أو حزبًا أو مؤسّسة أو دولة!

وضياع البوصلة أخطر بكثير من ضياع الهدف؛ فضياع الهدف يظلّ مؤقّتًا، محصورًا في إطار محدّد، ويمكن إيجاده بوجود البوصلة، أمّا ضياع البوصلة فيشكّل كارثة حقيقية على المستويين المادّي والمعنوي! وكلّما اتّسعت دائرة المتأثرين بالهدف اتّسع الخطر بضياعه، فضياع الهدف الفردي يضيع فردًا أو أسرة، وضياع الهدف الجماعي، يضيع حزبًا، قبيلة، مؤسّسة، أو دولة”[3].

من هنا ندرك أن ضياع الهدف والرؤية، وتخبط الطريق واضطراب الموازين وكذا انحراف البوصلة كان لهما كبير الأثر على أخلاق الشباب ومفاهيمهم.

البطالة والأزمات الاقتصادية:

ساهمت المشكلات الاجتماعية وعلى رأسها البطالة، الغلاء، التنحية المتعمدة للشباب وغيابهم عن التصدر والقيادة في فقدانهم للثقة بالنفس والبحث عن سبل أخرى لتحقيق الذات قد يغيب عنها الجانب الأخلاقي أو القيمي، وهذا ما يخلق لديهم الشعور بالنقمة على المجتمع قد تصل للكراهية لأنهم من أوصلوه لذلك المستوى المتدني.

“كشفت دراسة علمية حديثة أن الشباب الذين قضوا وقتًا كبيرًا في التعليم ولم يجدوا وظيفة مجدية، هم الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية الناتجة عن البطالة.

ووفقًا للدراسة الجديدة التي قام بها باحثون من معهد الطب النفسي وعلم النفس وعلم الأعصاب (IoPPN) التابع لجامعة كينجز كوليدج لندن، ومن جامعة ديوك في ولاية نورث كارولاينا، ومن جامعة ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، فإن الجيل الحالي من الشباب يواجه فرصًا أقل للعمل وأكثر سوءًا مقارنة بالسنين السابقة، لذلك يشعرون بالاكتئاب والعديد من مشاكل الصحة.

ووجد الباحثون أن الشباب الذين يعانون من عدم الحصول على فرص عمل مناسبة كانوا أكثر عرضة لتعاطي المخدرات مثل الحشيش والبانجو والهيروين.

وتوصل الباحثون خلال الدراسة التي شملت 1000 شخص من الشباب الخريجين من الجامعات، والتي نشرت في مجلة علم النفس والطب النفسي للأطفال، إلى أن الشباب الذين لا يجدون فرص عمل مناسبة وكانوا يعانون من البطالة كانوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض الصحة النفسية وخاصة الاكتئاب.

وأضافت البروفيسور تيري موفيت من كلية كينجز كوليدج في لندن أن النضال وبذل مجهود مضاعف من أجل العثور على عمل يؤثر على الصحة النفسية للشباب، ويؤدي إلى حدوث مشاكل بما في ذلك الاكتئاب، والقلق، وتعاطى المخدرات وزيادة العنف”[4].

التفكك الأسري:

لا شك أن التفكك الأسري وغياب دعم الوالدين لأبنائهم ساهم بشكل كبير في خلق أزمات نفسية لديهم، أبرزها: الاكتئاب والقلق والاضطراب النفسي، كما أن تحلل الأسرة من دورها الواقي للأبناء خلق منهم شخصيات ضعيفة تفتقد الشعور بالأمان، فكيف تمنحه لغيرها؟!

أشارت دراسة بعنوان: (عوامل الخطر والحماية المرتبطة بالأسرة وتأثيراتها على انحراف الأحداث: ما الذي نعرفه؟) إلى أن:

» الأولاد الذين ينتمون إلى أسر مفككة هم أكثر عرضة للانخراط في السلوكيات المنحرفة من الأولاد الذين لا يزال والديهم معًا، ولكنهم ليسوا أكثر عرضة للخطر من الأولاد الذين لا يزال والديهم معًا ولكنهم يأتون من بيئات عائلية متضاربة.

» بعد التحكم في الجنس والدخل والإشراف الأبوي، استنتج الباحثون أن زيادة التحولات الأسرية ترتبط بشكل كبير بارتفاع معدل السلوك المنحرف وتعاطي المخدرات.

» وبحسب نتائج دراسة روتشستر، أظهر 90% من الشباب الذين شهدوا خمسة تحولات عائلية أو أكثر علامات السلوك الانحرافي، مقارنة بـ 64.1% من الشباب الذين لم يشهدوا مطلقًا تحولات عائلية[5].

لذا فإن تفكك الأسرة يلقي بظلاله السلبية على تربية الأبناء وسلوكهم، حيث يقول الدكتور جمال نصار: “إن العاصم من الفساد الأخلاقي بالدرجة الأولى هو الأسرة ودورها في ضرورة التوجيه السليم والتربية الصحيحة، وتأتي الصحبة الصالحة ثم المدرسة، وبصلاح الأُسَر تصلح المجتمعات.

فدور الأسرة لا يقتصر على التوجيه والتنبيه والإشارة إلى ما هو صحيح أو خطأ، بل يجب أن تكون التربية مبنية على الحوار الهادئ الهادف بين الأبناء والآباء، ومن التربية أن تتم مراقبة ما يعرضه الإعلام في جميع وسائله، مع تجسير العلاقات مع المدرسة، وتفقّد الصحبة المرافقة له أو لها على الدوام”[6].

إن الأسرة هي المصدر الأهم الذي يستقي منه الشباب قيمهم وأخلاقهم، وهي السياج الواقي لهم من الانحراف، وعندما يغيب دور الأسرة التربوي والتوجيهي فهذا بالقطع يؤثر بشكل سلبي على أخلاق الشباب وتوجهاتهم.

“دور الأسرة لا يقتصر على التوجيه والتنبيه والإشارة إلى ما هو صحيح أو خطأ، بل يجب أن تكون التربية مبنية على الحوار الهادئ الهادف بين الأبناء والآباء، ومن التربية أن تتم مراقبة ما يعرضه الإعلام في جميع وسائله، مع تجسير العلاقات مع المدرسة، وتفقّد الصحبة المرافقة له أو لها على الدوام”

د. جمال نصار

مواقع التواصل الاجتماعي:

لا ننكر أن انفتاح الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي دون حسيب أو رقيب ساهم في تحللهم من الكثير من القيود الدينية والأخلاقية، وكذا عزلهم عن مجتمعاتهم وصعوبة تواصلهم مع الآخرين، وتقوقعهم داخل عالمهم الافتراضي وغيابهم عن واقعهم؛ ما خلق فجوة بينهم وبين الواقع جعلتهم يشعرون بالغربة والتوتر الدائم، بل والاكتئاب.

وقد أوردت إحدى الدراسات ما يلي:

» يختلف استخدام المراهقين لبعض منصات التواصل الاجتماعي باختلاف الجنس؛ فالفتيات المراهقات أكثر استخدامًا لتيك توك (73% مقابل 60%)، وإنستغرام (69% مقابل 55%)، وسناب شات (64% مقابل 54%). أما الفتيان، فهم أكثر استخدامًا ليوتيوب (97% مقابل 92%)، وتويتش (26% مقابل 13%)، وريديت (20% مقابل 8%).

» ويقول حوالي ثلث المراهقين (36%) إنهم يقضون وقتًا طويلاً جدًا عليها، بينما يقول 55% إنهم يقضون وقتًا مناسبًا تقريبًا عليها، بينما يقول 8% فقط إنهم يقضون وقتًا قصيرًا جدًا عليها. والفتيات أكثر ميلاً من الفتيان للقول إنهن يقضين وقتًا طويلاً جدًا على وسائل التواصل الاجتماعي (41% مقابل 31%).

» يرى حوالي 32% منهم أن تأثيرها كان سلبيًا في الغالب على من هم في مثل سنهم، بينما يقول 9% منهم الشيء نفسه عن تأثيرها عليهم[7].

“فيما أظهرت الدراسات وجود علاقة كبيرة بين الاستخدام الزائد والمستمر لمواقع التواصل الاجتماعي والاكتئاب، حيث يجعل الجهاز العصبي في حالة تأهب للقتال الدائم والجدال أو الهروب، الأمر الذي يزيد من اضطرابات الحركة ونقص التركيز والاكتئاب والمعارضة الدائمة، بالإضافة لمحاولة تقليد ما يرونه على السوشيال ميديا سواء كانت أفكارًا تناسبهم أم لا، أو ما يمكننا تسميته بالتقليد الأعمى من أغاني وملبس وحتى المأكل والمشرب، والرغبة في السفر، والحصول على كل شيء، والذي قد لا يكون حقيقيًا وربما زائفًا، وقد يتعدى الأمر لأن يتم النقاش بالمعتقدات الدينية والأفكار”[8].

إن الانفتاح اللامحدود للشباب على وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في انتشار ظواهر العنف والبلطجة في المجتمع، كما روج لأفكار شاذة وغريبة عن مجتمعاتنا، كذا فقد خلق اضطرابًا في منظومة القيم والأخلاق المجتمعية لدى الشباب.

لقد نافس العالمُ الافتراضيُّ الواقعَ في التأثير على قيم الشباب وسلوكهم، مما عزّز لديهم الشعور بالضبابية والاغتراب، وأدّى لظهور اضطرابات نفسية واجتماعية. ومواجهة ذلك تبدأ بالوعي الرقمي، وتقوية الروابط الأسرية، وتوجيه الشباب لاستخدامٍ رشيدٍ للتقنية يعيد ربطهم بالمعرفة والعمل والواقع.

طوق النجاة:

الشباب هم عماد الأمم وأساس نهضتها، والمؤكد أن ما يصيب الشباب من ضرر تعود تبعاته على المجتمع بأسره.  عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: “ما بعث الله نبيًا إلا شابًّا، ولا أوتي العلم عالم إلا شابًّا”، ثم تلا هذه الآية: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} [الأنبياء: 60][9]؛ لذا فمن الضروري أن نرى الصورة بشكل أكثر واقعية لنضع الحلول المناسبة لتلك المشاكل، وأهمها:

تعزيز القيم الدينية والأخلاقية:

يبقى الدين هو السياج الأقوى لحماية مجتمعاتنا العربية والإسلامية من الانحلال وما يتبعه من عواقب وخيمة، لذا فإن تنشئة الشباب على ضوابط الدين والأخلاق يخلق رقيبًا عليهم من داخل أنفسهم يحميهم من الانزلاق كلما حاد بهم الطريق، كما أن تفعيل الدور التقويمي والتربوي للمساجد يساهم بشكل كبير في توفير الأمن والاستقرار النفسي للشباب، حيث إن الدين يخرج بهم من نطاق قدرتهم الضيقة لرحاب وسعة قدرة الله، وهذا كفيل بأن يمنحهم القوة التي يواجهون بها صعوبات الحياة برضا كامل وثقة بالنفس وثبات.

يقول الدكتور عبد الحميد أحمد أبو سليمان في كتابه (أزمة العقل المسلم): «ومع ما عليه حال العالم اليوم، ومع ما عليه حال الغرب اليوم، لم يعد أمام إنسان هذا العصر، ولم يعد أمام الأمة الإسلامية إلا الإسلام ومنطلقاته لتعيد ركب الأمة والإنسانية من جديد إلى الصراط المستقيم، وإعادة التوازن والسلامة إلى مسيرة الإنسانية والحضارة على أساس منهاج الحق والعدل والغاية الأخلاقية القويمة، تبني ولا تهدم، وتصلح ولا تفسد، وتحقق مشيئة الله في الإصلاح والإعمار»[10].

لذا فالحل يكمن في التربية منذ الصغر على مبادئ الدين وقيمه، وجعلها المرجع الأول لكل الأفعال التي يقوم بها الأبناء: الصدق، الأمانة، الجود والرحمة وغيرها من الخصال الجميلة هي أخلاق دينية قبل أن تكون قيمًا إنسانية، وذلك الربط يجعل الأبناء أكثر قوة في مواجهة مغريات الحياة، ويمكن أن نضع عدة نقاط لتحقيق التربية الإسلامية السليمة، ومنها:

1. تعزيز مفاهيم حب الله وتوقيره لدى الأبناء، وجعله المرجع الأول لتقييم كل أفعاله.

2. الحرص على أداء العبادات بشكل جماعي في أجواء إيمانية هادئة مثل الصلاة في جماعة، وقراءة القرآن، والذكر، والصيام.

3. حثهم على الأخلاق الحميدة من منطلق إيماني قبل أن يكون إنسانيًا.

4. اصطحابهم لدور العبادة وتعظيم قيمتها في نفوسهم؛ كصلاة الجمعة، والعيد، والتراويح، وكذا حضور المناسبات الدينية التي تقام في دور العبادة.

5. غرس أسس العقيدة فيهم عن طريق القصص والنقاش الممتع.

6. من المهم أن يقدم الوالدان القدوة الحسنة لأبنائهما وأن تطابق أقوالهم أفعالهم.

هذه بعض الأمور التي يجب أن يحرص الوالدان عليها لغرس قيم الدين داخل نفوس النشء.

الاحتواء مع كثير من الحب:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول)[11]. إن حماية الوالدين لأبنائهما فرض ديني لا مناص منه، لذا فمن الواجب عليهما أن يحتضنا أولادهما ويمنحانهم من الحب والاحتواء ما يعينهم على مجابهة ما يواجهونه بالخارج من انحراف وانحلال قد يعبث بعقولهم ويحيد بهم عن الطريق، وقد يصيبهم بالاكتئاب والقلق الدائم، مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (‌كلكم ‌راع وكلكم مسؤول… والرجل راع على أهله وهو مسؤول، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة)[12].

ومن هنا فواجب الرعاية يتخطى الرعاية المادية إلى الرعاية الأخلاقية؛ الدينية والنفسية، وكذا على الوالدين أن يكونا القدوة الحسنة لأبنائهما، حتى يقتدوا بهما في السلوك والأخلاق، ولا يغيب الدور الرقابي والتوجيهي للوالدين مع الحرص على استخدام أساليب مقنعة منطقية عند التعامل مع الأبناء؛ فذلك الجيل لا يجدي معه العنف أو التوجيهات الصارمة، بل يحتاج للاحتواء مع كثير من الحب.

ولترسيخ احتواء الأبناء يجب أن يحرص الوالدان على عدة أمور، منها:

1. احترام مشاعرهم والتفاعل معهم في أوقات الفرح والحزن.

2. غمرهم بالمشاعر الفياضة والكلمات الطيبة.

3. تقبل عيوبهم والسعي لإصلاحها دون تجريح من منطلق أن دور العباد الإصلاح، أما الصلاح فهو هبة ربانية من الله عز وجل.

4. تخصيص وقت لهم لمناقشتهم فيما يشغلهم وتوجيههم في الاتجاه الصحيح بالإقناع لا الأوامر.

5. الحرص على توفير جو أسري دافئ يتشاركون فيه السمر والنقاش.

6. الرفق بهم وقت الخطأ ليشعروا أنهم ومهما أخطؤوا يبقى الوالدان هما ملاذهم الآمن الذي يحتوي ويوجه ويدعم.

هذه بعض الأفكار التي ترسخ الحب في نفوس الأبناء وتخلق مساحة آمنة بينهم وبين الآباء.

واجب الرعاية يتخطى الرعاية المادية إلى الرعاية الأخلاقية والدينية والنفسية، مع الرقابة والتوجيه المستمر

التربية قبل التعليم:

ظهر الانحلال في مجتمعاتنا العربية يوم تخلى المعلمون عن رسالتهم التربوية، وتخلت المدارس والجامعات عن دورها في التربية والتوجيه، لذا فإن استعادة مؤسساتنا التعليمية لدورها التربوي مقدم على دورها التعليمي، واستعادة المعلم لقيمته وهيبته مقدم على تحقيق المكاسب المادية.

“تؤكد الدكتورة أمل عبد الله القبيسي -عضو المجلس الوطني الاتحادي- ضرورة اهتمام المدارس برصد الظواهر والسلوكيات السلبية التي تصدر عن بعض الطلبة أولاً بأول، ومن خلال التربويين يتم تصنيفها حتى توضع لها الحلول المناسبة، ومن ثم توعية المعلمين والقائمين على المدارس بكيفية التصدي لها ومعالجتها بحكم قربهم من طلابهم، كما يجب أن تتضمن مناهجنا الدراسية دروس ومفاهيم التوعية السليمة للأبناء، وزرع المحبة والتآخي بين الطلبة أنفسهم، وتعزيز علاقة الاحترام بين المعلم والطالب”[13].

إن من أولويات الدول التي تسعى لاحتواء الشباب وإعدادهم الإعداد الجيد ليكونوا القادة الزعماء أن تعيد للمؤسسات التعليمية دورها التربوي الداعم والموجه للشباب، ويتمثل ذلك في عدة نقاط، أهمها:

1. دعم المعلم تربويًا ليكون قائدًا وقدوة ويستعيد مكانته التربوية لدى الطلاب.

2. وضع القوانين المحفزة للطلاب على الانضباط واحترام المؤسسة التعليمية.

3. الاهتمام بالأنشطة الصفية وغير الصفية لتفريغ طاقة الطلاب فيما يفيد وتنمية الإبداع لديهم.

4. تعزيز القيم الأخلاقية الإسلامية لدى الطلاب والحرص على تفعيلها داخل المؤسسة التعليمية.

والمؤكد أن استعادة المؤسسات التعليمية لدورها التربوي جنبًا إلى جنب مع التعليمي يساهم بشكل كبير في ترسيخ القيم لدى النشء وتحفيزهم على السلوك الإيجابي وتقويم السلوكيات السلبية.

الاحتواء المجتمعي وتمكين الشباب:

عندما ينفتح المجتمع على الشباب ويعزز لديهم الثقة بالنفس ويخلق هدفًا قوميًا أو اجتماعيًا يلتف الشباب حوله هنا تغيب المشاكل النفسية.

فالشباب يشعر بالاكتئاب لتغييبه المتعمد عن المشهد، وهذا خطأ كبير يعاني منه الشباب في مجتمعاتنا العربية، والحل هو تمكين الشباب في كافة المجالات، والاستفادة من طاقاتهم الخلاقة وسواعدهم الفتية في البناء والتنمية قبل أن تتحول رغمًا عنا للهدم والتخريب.

لذا فمن واجب المجتمع أن يعيد بناء منظومة الدين والقيم والأخلاق لدى الشباب، وأن يوفر لهم بيئة صحية وآمنة تُشعرهم بالانتماء والثقة بأنفسهم، وكذا توفير فرص التعليم والتدريب المناسبة لهم لتمكينهم من النجاح والتطور.

وكذا من المهم استغلال المبدعين من الشباب والاستفادة من قدراتهم الخلاقة لتحقيق النهضة، وتكوين كوادر قيادية يمكنهم أن يكونوا قدوة للشباب في العمل والتميز.

إن الشباب بما يملكون من طاقات خلاقة يمكنهم أن يكونوا ركائز النهضة لأي أمة تسعى للتقدم، ولكن من المهم الإعداد الجيد لهم، واستغلال طاقاتهم الفياضة في البناء والنهضة.

من واجب المجتمع أن يعيد بناء منظومة الدين والقيم والأخلاق لدى الشباب، وأن يوفر لهم بيئة صحية وآمنة تُشعرهم بالانتماء والثقة بأنفسهم، وكذا توفير فرص التعليم والتدريب المناسبة لهم لتمكينهم من النجاح والتطور.

حافظوا على الشباب فهم عماد الأوطان:

“تلعب فئة الشباب دورًا محوريًّا في نهضة الأمم وتقدمها، فهم عماد الأمة وحاملو لواء مستقبلها، إذ يمتلكون الطاقة والحيوية والإبداع اللازم لتحقيق التطور والابتكار، وإذا ما أُحسن استثمار طاقاتهم وتوجيهها بشكل صحيح، يمكن للشباب أن يقودوا الأمة نحو آفاق جديدة من التقدم والتنمية.

فالشباب يمتلكون طاقة متجددة تمكنهم من العمل الدؤوب والسعي لتحقيق الأهداف، هذه الطاقة تجعلهم قادرين على مواجهة التحديات، وتحقيق الإنجازات التي تعود بالنفع على المجتمع.

ويتميز الشباب بالتفكير الخلّاق والقدرة على تقديم حلول مبتكرة للمشاكل القائمة، مما يساهم في تطوير المجتمع والنهوض به، وهم أكثر الفئات استعدادًا للتغيير ومواجهة العادات السلبية والتقاليد البالية، ودورهم في المطالبة بالإصلاحات الاجتماعية والسياسية يجعلهم قوة لا يمكن تجاهلها في أي مجتمع”[14].

يمثل الشباب نسبة 25% من سكان الوطن العربي أي ما يعادل ربع سكان الوطن العربي، ومن هنا فإن حمايتهم من الانحراف، وتنشئتهم على القيم والأخلاق واجب ديني ووطني يتسع من نطاق الفرد والأسرة لنطاق المجتمع بأكمله.

ونختتم بقول الأديبة الأميركية هيلين كيلر: ليس من الممكن أن تتراجع الحضارة إلى الوراء بينما يوجد شباب في هذا العالم، قد يبدو الشباب مُتجهم الوجه، لكنه سيُقدم للعالم بَصمته الخاصة.


هند معوض

كاتبة وأديبة مهتمة بالقضايا الاجتماعية والأخلاقية – مصر


[1] ندوة بعنوان “كيف نتعامل مع المراهق” أقامها مركز خدمة المجتمع المستمر في الكويت 2006م.

[2] صحة المراهقين النفسية، موقع منظمة الصحة العالمية: https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/adolescent-mental-health.

[3] مقال: ضياع البوصلة يضيع المهتدين بها من الفرد إلى الأمة، عبد الله السلامة، موقع رابطة العلماء السوريين: https://share.google/5nDi1IEk6nk8fooyB.

[4] البطالة تؤثر سلبًا على الصحة النفسية للشباب، جريدة اليوم السابع: https://www.youm7.com/2360838.

[5] عوامل الخطر والحماية المرتبطة بالأسرة وتأثيراتها على انحراف الأحداث: ما الذي نعرفه؟ موقع الحكومة الكندية: https://www.youm7.com/2360838.

[6] مقال: التحديات التي تعوق تطبيق الأخلاق في حياتنا، د. جمال نصار، موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: https://iums.me/26173.

[7] المراهقون ووسائل التواصل الاجتماعي: النتائج الرئيسية لاستطلاعات مركز بيو للأبحاث: https://www.pewresearch.org/short-reads/2023/04/24/teens-and-social-media-key-findings-from-pew-research-center-surveys/

[8] تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الشباب، المركز الليبي للدارسات الاستراتيجية: https://lcss.gov.ly/articles/blog/post-128/

[9] أخرجه ابن أبي حاتم (8/2455).

[10] أزمة العقل المسلم، ص (119).

[11] أخرجه أبو داود (1692).

[12] أخرجه البخاري (5188) ومسلم (1829).

[13] مقال: انحراف الأبناء يؤرق الميدان التربوي، صحيفة الخليج، بتاريخ 17-7-2010م.

[14] مقال: دور الشباب في نهضة الأمة وسُبل تمكينهم، للدكتور كمال أصلان، موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: https://iums.me/36775

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *