الورقة الأخيرة

أو تكونا من الخالدين

الفضائح التي كشفتها قضية إبستين المنكَرة تذكرنا بأكبر أكذوبة تعرضت لها البشرية منذ بدايتها، حين صوّر عدوّها معصية ربها بأنه الطريق إلى الخلود {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ}، ثم رزق الله أبوينا عليهما السلام التوبة، وأهبطهما الأرض مع إبليس الذي أقسم أن يحتنك ذريتهما إلا قليلاً، نعوذ بالله من شرّ الشيطان وشركه، ومن همزه ونفخه ونفثه.

تلك الأكذوبةُ الأولى لم تكن حادثةً عابرةً في تاريخ الإنسان، بل نموذجًا يتجدّد في كل عصرٍ بصورٍ شتّى، تصطلي البشرية اليوم بنار سلوكها، ثم تفاجأ بأن الطريق الذي ظنّته خلاصًا كان هو عين الهلاك، وتنكشف الأسرار التي تقيّد الكبار عن حسم القضايا الكبرى؛ بسبب ما أخفوا من أسرار وهتكوا من أستار.

ويتعرض الناشطون والساعون في إنهاض مجتمعاتهم لمحاولات إغواءٍ واستدراجٍ تهدف إلى إسقاطهم ثم إحكام السيطرة عليهم: رسالةٍ عابرة، أو علاقةٍ مشبوهة، أو خطوةٍ صغيرة يُظنّ أنها بلا أثر، فإذا بها تتحوّل إلى قيدٍ يُمسك بصاحبها. لكن ما الذي يجعل هؤلاء يقعون فريسةً لتلك المحاولات؟ أهي نزوةٌ عابرة؟ أم انهيارُ عقلٍ في لذّة لحظة؟ وهل يملك أحدٌ أن يزعم أنه بمعزلٍ عن هذا الباب؟ ثم أهو مستنقعٌ واحد يأتي على لونٍ واحد، أم تتبدّل ألوانه بتبدّل الناس وأحوالهم؟

مقتضى التكليف أنّ في داخل كلّ بشر شيطانًا وملاكًا، وكما في الحديث أنّ للملك لَـمّة، وللشيطان لَـمّة، من إيعاد بالخير وتصديق بالحق، أو إيعاد بالشرّ وتكذيب بالحق. وسيبقى الخطر الأدهم: غفلة الإنسان عن إبليس الخانس وفرعون الصغير الذي يعيش داخل النفس الأمارة بالسوء.

لا أحد يبدأ طريقه قاصدًا هلاك نفسه أو إحراق مستقبله، لكن خطواتٍ يستهين بها صاحبها قد تقوده إلى ما لم يكن يتصوّره، وتتجلّى هذه الحقيقة في صورٍ متعددة، تختلف مواقع أصحابها، لكن يجمعها مسارٌ واحد:

فالرئيس أو الوزير أو الحاكم الذي يفصل نفسه عن مجتمعه، ويحيط نفسه ببطانة سوء تخونه بتزييف الحقائق والتصفيق لكل شيء، ويعزل نفسه عن أهل العلم والفكر والمشورة والحكمة والتجربة، فيبقى يتخبطه الشيطان، حتى يوقعه في شر أعماله، ثم يتبرأ منه.

والخبير الكبير والباحث المتعمق والخطيب المفوه وإمام المسجد والمعلم المتأنق، الذي يعزّ عليه أن يدُله الناس على أخطائه، يخشى على سلطانه ومكانته؛ فيقرّب منه المادحين، ويقصي الناقدين، ويحارب المنافسين بدلاً من التكامل معهم، يبحث عن مجده في الأرض، فيسقط مجده، يموت لا يسمع به أحد، ويُبقي الله لسان صدق لمن حاربهم وسعى في الوشاية بهم وسجنِهم وإبعادِهم عن ساحة كبريائه الشيطاني.

والشاب الناشئ والطالب الدارس والساعي في رسم مستقبله، يعزل نفسه عن الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ويختار منطقة الراحة، ويبتعد عن البيئة التي تعصمه من الزلل، ويغفل عن المغريات التي قد تحرف مساره إلى مستنقعات الشهوة والاستدراج، فيقترب من مواطن لا يدرك خطرها إلا بعد فوات الأوان.

والطبيب المختص، والصيدلاني الباحث، حين يضعفان أمام ضغوط السوق أو إغراء الربح؛ فيُخفيان حقيقة التشخيص، أو يبالغون في وصفات العلاج، أو يسكتون عن آثارٍ ينبغي بيانها، يختلّ ميزان الأمانة، ويضيع حق المريض في العلاج الناجح، ويعلق الناس في دوامات الدواء واللقاح التجاري المصنوع لصالح جلادي البشرية ومصاصي دمائها وأموالها، حتى تصير مافيا الدواء أثرى من مافيا السلاح والمخدرات.

والمهندس المؤتمن استشاري تخطيط المشاريع وتنفيذها، الذي يترك الطيّب من أجرته الحلال، فيتبع استشراف نفسه إلى الثراء على حساب جودة التنفيذ، غير آبه بعناء الناس من بعده، ولا بعذابات الضعفاء عند انهيار بنيانهم في الزلازل، أو تآكله قبل اكتمال فرحتهم به.

والتاجر والمستثمر صاحب الشركات الذي يفرّط فيما بناه، ويسعى نحو ربح عاجل مشبوه، يبحث عن المفتي المتساهل الذي يزين له امتصاص الحقوق باسم الشطارة، ويدخله في دوامة الشبهات والمحرمات وأكل الربا، حتى يتخبطه الشيطان.

والزوج والزوجة والأشقاء والأرحام، حين يختارون التلاعب مع الشيطان على المتاجرة مع الله تعالى، يبحثون عمن يؤيد مواقفهم حقًا كانت أم باطلاً، فيَسعد بهم مَن يوافق أهواءهم ويسكت عن تلاعبهم وخداعهم ومكرهم، ويزين لهم سوء أعمالهم، وويل للناصح الصريح من سهامهم.

ألا ما أبعد هؤلاء عن النقاء، وما أقربهم إلى الشقاء والعناء، وهم يحسبون أنّهم من الخالدين.


د. خير الله طالب


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *