الافتتاحية

هل يترخص العالم في بيان الحق؟

مكانة العلماء:

لا يخفى ما جعله الله تعالى لأهل العلم مِن مكانةٍ ومنزلةٍ في الدين، فقد أثنى الله عليهم، ونوّه بشأنهم فقال سبحانه: ﴿‌قُلْ ‌هَلْ ‌يَسْتَوِي ‌الَّذِينَ ‌يَعْلَمُونَ ‌وَالَّذِينَ ‌لَا ‌يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وبيّن أنّهم أهلُ خشية الله فقال: ﴿‌إِنَّمَا ‌يَخْشَى ‌اللَّهَ ‌مِنْ ‌عِبَادِهِ ‌الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وأخبر المصطفى ﷺ أنّ (فضلَ العالِـم على العابد كفضل القمر ليلةَ البدر على سائر الكواكب، وإنَ العلماءَ ورثةُ الأنبياء)([1]).

وقد وصف الله الأنبياءَ بأنّهم ﴿‌الَّذِينَ ‌يُبَلِّغُونَ ‌رِسَالَاتِ ‌اللَّهِ ‌وَيَخْشَوْنَهُ ‌وَلَا ‌يَخْشَوْنَ ‌أَحَدًا ‌إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: 39]، فإذا كان العلماءُ هم أهل خشية الله، وهم ورثة الأنبياء فينبغي كذلك أن يرثوا الأنبياء في تبليغ رسالات الله وعدم التقصير في بيانِها للناس.

أخذ الميثاق:

ولأنّ العلماءَ هم الموقّعون عن الله في بيان شرعه وأحكام دينه فقد أخذ الله عليهم العهدَ المؤكّد أنْ يبيّنوه للناس ولا يكتموه، وأن لا يقولوا عليه إلا الحقّ فقال: ﴿‌وَإِذْ ‌أَخَذَ ‌اللَّهُ ‌مِيثَاقَ ‌الَّذِينَ ‌أُوتُوا ‌الْكِتَابَ ‌لَتُبَيِّنُنَّهُ ‌لِلنَّاسِ ‌وَلَا ‌تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187] وقال: ﴿‌أَلَمْ ‌يُؤْخَذْ ‌عَلَيْهِمْ ‌مِيثَاقُ ‌الْكِتَابِ ‌أَنْ ‌لَا ‌يَقُولُوا ‌عَلَى ‌اللَّهِ ‌إِلَّا ‌الْحَقَّ ‌وَدَرَسُوا ‌مَا ‌فِيهِ﴾ [الأعراف: 169].

وتوعّد الله سبحانه الذين يكتمون العلم ويحجبونه عن الناس الذين يحتاجون إليه فقال عز وجل: ﴿‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يَكْتُمُونَ ‌مَا ‌أَنْزَلْنَا ‌مِنَ ‌الْبَيِّنَاتِ ‌وَالْهُدَى ‌مِنْ ‌بَعْدِ ‌مَا ‌بَيَّنَّاهُ ‌لِلنَّاسِ ‌فِي ‌الْكِتَابِ ‌أُولَئِكَ ‌يَلْعَنُهُمُ ‌اللَّهُ ‌وَيَلْعَنُهُمُ ‌اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]، كما توعّد الذين يمنعهم مِن تبليغ العلم ابتغاءُ عرَض الدنيا بقوله: ﴿‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يَكْتُمُونَ ‌مَا ‌أَنْزَلَ ‌اللَّهُ ‌مِنَ ‌الْكِتَابِ ‌وَيَشْتَرُونَ ‌بِهِ ‌ثَمَنًا ‌قَلِيلًا ‌أُولَئِكَ ‌مَا ‌يَأْكُلُونَ ‌فِي ‌بُطُونِهِمْ ‌إِلَّا ‌النَّارَ ‌وَلَا ‌يُكَلِّمُهُمُ ‌اللَّهُ ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ ‌وَلَا ‌يُزَكِّيهِمْ ‌وَلَهُمْ ‌عَذَابٌ ‌أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174].

وما ذلك إلا لأنّ قيامَ أهلِ العلم بواجبِهم في تبليغ دينِ الله وحراستِه شرطٌ لازمٌ ومقدّمةٌ ضرورية لقيام الدِّين وظهور معالمه ودوام بقائه؛ فحفظُ الدِّين -الذي هو مِن الضروريات الخمس التي اتفقت عليها الشرائع- لا يكون إلا بثلاث ركائز: بيانُ أحكامه وتوضيحُ شرائعه وتنزيلُها على وقائع الناس، ثم التزامُها والعملُ بها وتطبيقُها، إضافةً إلى حمايتِها والذبِّ عنها بالحجّة والبرهان، وبالسيف والسِّنان. وللعلماء ِمِن هذه الركائز النَّصيبُ الأوفى، والقِدْحُ الـمُعَلَّى، فهم المنفردون دون غيرهم ببيان الأحكام وتبليغها، وبالذّبِّ عن الشريعة وحمايتها بالحجة والبيان، “وهو جهادُ خواصِّ الأمّة وورثة الرسل، والقائمون به أفرادٌ في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلِّين عددًا فهم الأعظمون عند الله قدْرًا”([2]).

ثمّ هم شركاءُ الناسِ فيما سوى ذلك مِن الركائز في تطبيق الأحكام، وجهاد المعاندين بالسيف، بل الناسُ تبعٌ للعلماء في جهادهم وتطبيق دينِهم، “فقِوامُ الدِّين بكتابٍ يهدي، وسيفٍ ينصر، ﴿‌وَكَفَى ‌بِرَبِّكَ ‌هَادِيًا ‌وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 31]. ودينُ الإسلامِ: أن يكون السيفُ تابعًا للكتاب. فإذا ظهر العلمُ بالكتاب والسنّة وكان السيفُ تابعًا لذلك كان أمرُ الإسلام قائمًا، وأمّا إذا كان العلمُ بالكتاب فيه تقصيرٌ، وكان السيفُ تارةً يوافق الكتاب وتارةً يخالفه؛ كان دينُ مَن هو كذلك بحسَب ذلك”([3]).

“كما قال مَن قال مِن السَّلف: صنفان إذا صلحوا صلح الناس: الأمراء والعلماء. وقالوا في قوله تعالى: ﴿‌أَطِيعُوا ‌اللَّهَ ‌وَأَطِيعُوا ‌الرَّسُولَ ‌وَأُولِي ‌الْأَمْرِ ‌مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] أقوالاً تجمع العلماءَ والأمراءَ، ولهذا نص الإمامُ أحمد وغيرُه على دخول الصِّنفين في هذه الآية؛ إذ كلٌّ منهما تجب طاعتُه فيما يقوم به مِن طاعة الله”([4]).

 

العلماء هم الموقّعون عن الله في بيان شرعه وأحكام دينه؛ لذلك فقد أخذ الله عليهم العهدَ المؤكّد أنْ يبيّنوه للناس ولا يكتموه، وأن لا يقولوا عليه إلا الحقّ، لأنّ قيامَ أهلِ العلم بواجبِهم في تبليغ دينِ الله وحراستِه شرطٌ لازمٌ ومقدّمةٌ ضرورية لقيام الدِّين وظهور معالمه ودوام بقائه

 

واجب العلماء بيان الحق:

ومِن هنا ألزمت الشريعةُ المكلّفين أنْ يَصدُروا عن أقوال أهل العلم فيما لا يعلمونه مِن أحكامها كما قال سبحانه: ﴿‌فَاسْأَلُوا ‌أَهْلَ ‌الذِّكْرِ ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ ‌لَا ‌تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، ولا يخفى أنّ الخطاب بهذه الآية كما يشمل العامّةَ فهو شاملٌ أيضًا للولاة الذين ليسوا مِن أهل العلم، فهم داخلون في عموم الآية؛ لشمولِها كلَّ مَن لا علمَ عنده بأحكام الله تعالى، “والتحقيقُ أنّ الأمراءَ إنما يُطاعون إذا أَمروا بمقتضى العلم؛ فطاعتُهم تبعٌ لطاعةِ العلماء؛ فإنّ الطاعةَ إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلمُ، فكما أنّ طاعةَ العلماءِ تبعٌ لطاعة الرسولِ فطاعةُ الأمراءِ تبعٌ لطاعة العلماء”([5]). فتبيّن بهذا أنّ مدارَ بيانِ الدِّين وتطبيقِه وحفظِه وحراستِه على العلماء، وقيامِهم بواجبهم، وعدم تقصيرهم في مسؤوليتهم.

ومِن ثمّ فسكوتُ العلماء عن بيان الحق، وإقرارهم للباطل عند خوف الأذى لا ينبغي أن يُنظَرَ فيه إلى ما يترتب مِن المفاسد على أشخاصهم فقط، بل ينبغي أن يُراعى ما يتعدّى منه إلى دين الناس ومعالم الشريعة، ولذلك قال أبو ذر : “لو وضعتم الصَّمْصامةَ([6]) على هذه -وأشار إلى قفاه- ثم ظننتُ أني أُنفِذُ كلمةً سمعتُها مِن النبي ﷺ قبل أن تُجيزوا عليَّ لأنفذتُها”([7]). وهو “يعني ما سمع مِن رسولِ الله ﷺ مِن الفرائض والسُّنن، وما ينتفع الناس به في دينهم مما أخذ اللهُ به الميثاقَ على العلماء ليُبيِّنُنّه للناس ولا يكتمونه”([8]).

ولا شكّ أنّ ذلك مِن الجهاد في سبيل الله كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: (أفضلُ الجهادِ كلمةُ عدلٍ عند سلطانٍ جائر)([9])، فتحمّلُ الأذى الذي قد يصل إلى القتلِ في سبيل تبليغ أحكام الله وإقامة دينِه مقامٌ عظيمٌ لا يقومه إلا أهلُ العزائم، ولهذا استحقّوا أنْ يكونوا في أعلى مراتبِ الشهداء؛ فـ(سيدُ الشهداءِ حمزة بن عبد المطلب، ورجلٌ قام إلى إمامٍ جائرٍ فأمره ونهاه فقتله)([10]).

ولكن، أليس للعالم أن يترخّص إذا خاف على نفسه؟ هذا يستدعي أولاً مراجعة سريعة لمفهومي الرخصة والعزيمة والأحكام المتعلقة بهما.

بين الرخصة والعزيمة:

يتوهّم كثيرون حينما يقال في قضية ما “إنّ فيها رخصةً”: أنّ المرءَ مخيّرٌ فيها بين أنْ يفعل أو لا يفعل على وجه السَّواء، أو أنّ الأخذَ بالرُّخصةِ أفضلُ دائمًا؛ لأنّ الله تعالى يحبُّ أنْ تؤتى رُخَصُه كما يحبّ أنْ تؤتى عزائمُه، بينما يظنُّ آخرون أنّ الأخذَ بالعزيمة هو الأفضل مطلقًا؛ لأنّها الأصل، ولا تعدو الرخصةُ أن تكون تخفيفًا عن المكلَّف يأخذ به إذا شاء.

ولعلّ فصلَ الخطاب في هذه القضية ينبني على النظر في مسألتين:

  • الأولى: هل نحن متعبَّدون بالرخصة أو بالعزيمة أو بهما، وبعبارة أخرى: ما حكم الأخذ بالرخصة؟
  • والثانية: هل يختلف الحكمُ الأصلي للأخذ بالرخصة -فيتعيّن أحيانًا، ويُمنع أخرى، ويتأكّد في حالٍ، ويحسُنُ في وقتٍ، ويقبُح في آخر- باعتبار الشخص المترخّص، كما لو تعلّق الأمرُ بشخص مقتدًى به منظورٍ إليه؟

وقبل التعرَّض للمسألتين السابقتين نشير إلى تعريف الرُّخصة والعزيمة بما يحصل معه إدراك المقصود منهما، والتفريق بينهما، فالعزيمةُ “حكمٌ ثابتٌ بدليلٍ شرعيٍ خالٍ عن معارضٍ راجحٍ”، والرُّخصةُ: “ما ثبت على خلافِ دليلٍ شرعيٍّ لمعارض راجح”([11]).

وبالتأمل في التعريفين السابقين يظهرُ أنّ العزيمةَ لا تعني الوجوبَ دائمًا، كما أنّ الرخصةَ -عند وجود سببِها- لا تعني الإباحةَ دائمًا، ومِن هنا قرّر أهلُ العلمِ -وهو متعلِّقٌ ببيان المسألة الأولى- أنّ العزيمةَ تتناول الأحكامَ التكليفية الخمسة؛ لأنّها أحكامٌ ثبتت بأدلة شرعية بلا معارض، بينما الرخصة لا تكون محرّمةً ولا مكروهةً، بل قد تكون مباحةً كالجمع بين الصلاتين في السفر أو المطر أو المرض عند مَن يقول به، وقولِ كلمة الكفر عند الإكراه. وقد تكون مستحبّةً كالقَصر بين الصلاتين في السفر. وقد تكون واجبةً كأكل المضطر للميتة.

وبهذا يتبين أنّه لا يُطلق القولُ بأننا مكلّفون دائمًا بالعزيمة فقط أو بالرُّخصة فقط، فنحن مِن حيث الأصل وعند عدم وجود المعارض الراجح مكلَّفون ومتعبَّدون بالعزيمة فقط، ولا يُشرع لنا الأخذُ بالرخصة. وأمّا عند وجود سبب الترخُّص -وهو المعارِض الراجح- فقد نكون متعبَّدين بالرخصة فقط وعلى سبيل الإلزام، ولا يجوز لنا الأخذ بالعزيمة كما في أكل الميتة للمضطر، وكما في قصر الصلاة عند الموجِبين له، وقد نكون متعبّدين بالرخصة والعزيمة على سبيل التخيير مع تفضيل الرخصة واستحباب الأخذ بها مِن غير منعٍ مِن البقاء على العزيمة، كما في القصر بين الصلاتين في السفر عند جمهور أهل العلم، وقد نكون مخيَّرِين بينهما مع كون الأخذ بالعزيمة أعلى رتبةً وأعظم أجرًا كما في قول كلمة الكفر تحت الإكراه؛ فإنّ مَن صبر على الأذى والإكراه كسيدنا بلال t أعلى رتبةً وأفضلُ حالاً ممّن أجاب تحت الإكراه كسيدنا عمار بن ياسر رضي الله عنهما.

قال السرخسي: “والرخصة في إجراء كلمة الشرك ثابتةٌ في حق الـمُلجَأ بشرط طمأنينة القلب بالإيمان إلا أنّ هنا إن امتنع كان مثابًا على ذلك؛ لأنّ الحرمة باقية، فهو في الامتناع متمسك بالعزيمة، والمتمسك بالعزيمة أفضل مِن المترخّص بالرخصة”([12])، وقال في موضعٍ آخر معلِّلاً ذلك: “لأنّ في تمسكه بالعزيمة إعزازَ الدين، وغيظَ المشركين، فيكون أفضل”([13]).

وقد يختلف أهلُ العلم في الأفضل منهما كما في فطر رمضان للمسافر.

وفيما يتعلّق بالمسألة الثانية فلا يخفى أنّ الشريعةَ جاءت باعتبار المآلات ونتائج التصرّفات، وأنّ الحكمَ الشرعي سواء كان رخصةً أو عزيمةً قد يتغير بالنظر إلى ما يؤدّي إليه مِن مصالح ومفاسد.

فالعالم الشهير المقتدَى به ليس ترخّصُه كترخّص غيره؛ لأنّ كثيرًا مِن الناس يتخذه قدوةً يتابعه على فعلِه وقولِه، “وهو في الاعتبار قائمٌ مَقامَ الفُتيا بالقول؛ إِذ قد عُلِمَ أَنه مُتَّبَعٌ ومنظورٌ إِليه، وهو مع ذلك يُظْهِر بفعلِه ما ينهى عنه الشارعُ، فكأَنه مُفْتٍ به؛ على ما تقرّر في الأُصول”([14])، فلا بدّ أن يكون ذلك حاضرًا في الذِّهن عند النظر في حكم الأخذ بالرخصة.

وفي صحيح مسلم عن أبي حازم الأشجعي قال: كنتُ خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمدُّ يدَه حتى تبلغ إبطَه، فقلتُ له: يا أبا هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فَرُّوخ([15]) أنتم هاهنا؟! لو علمتُ أنكم هاهنا ما توضأتُ هذا الوضوء، سمعت خليلي ﷺ يقول: (تبلغ الحِليةُ مِن المؤمن حيث يبلغ الوضوءُ)([16]).

قال القاضي عياض: “وقولُه ما قاله له لأنّه لا ينبغي لمن يُقتدَى به إذا ‌ترخّص في أمرٍ لضرورةٍ، أو تشدّد فيه لوسوسةٍ، أو لاعتقاده في ذلك مذهبًا شذَّ به عن الناس أن يفعلَه بحضرة العامةِ الجهلةِ؛ لئلا يترخّصوا بترخّصِه لغير ضرورة، أو يعتقدوا أنّ ما يشدّد فيه هو الفرض واللازم”([17]).

وربّما ركن بعضُ المترخّصين في مقام العزيمة إلى قول أبي هريرة : “حفظتُ مِن رسول الله ﷺ وعاءين: فأمّا أحدُهما فبثثتُه، وأمّا الآخر فلو بثثتُه قُطع هذا البُلعوم”([18])؛ فيفهمون منه أنّ أبا هريرة كتم بعضَ العلم، ولم يبلّغ بعضَ الشريعة خوفًا على نفسِه، ومِن ثمّ فإنه يجوز للعالم أن يترك البيان متى خشي الأذى أو الفتنة، وهذا فهمٌ غيرُ مستقيم؛ فقد “حمل العلماءُ الوعاءَ الذي لم يبثَّه على الأحاديث التي فيها تبيينُ أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنِهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعضِه ولا يصرّح به خوفًا على نفسِه منهم”([19])، “وكذلك ينبغي لكلِّ مَن أمر بمعروفٍ إذا خاف على نفسِه في التصريح أن يُعَرِّض، ولو كانت الأحاديثُ التي لم يحدِّث بها مِن الحلال والحرام ما وَسِعَهُ تركُها”([20])، فـ”هذا الذي كتمه ليس مِن أمر الشريعة؛ فإنه لا يجوز كتمانُها، وقد كان أبو هريرة يقول: لولا آيةٌ في كتاب الله ما حدثتُكم، وهي قوله: ﴿‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌يَكْتُمُونَ ‌مَا ‌أَنْزَلْنَا ‌مِنَ ‌الْبَيِّنَاتِ ‌وَالْهُدَى﴾ [البقرة: 159]، فكيف يُظنُّ به أنْ يكتم شيئًا مِن الشريعة بعد هذه الآية، وبعد أمرِ رسول الله ﷺ أن يبلّغ عنه”([21]).

 

ترخُّص العالم الشهير المقتدَى به ليس كترخّص غيره؛ لأنّ كثيرًا مِن الناس يتخذه قدوةً يتابعه على فعلِه وقولِه، وهو في الاعتبار قائمٌ مَقامَ الفُتيا بالقول

 

متى يسوغ الترخُّص؟

نعم، يسوغ للعالم إذا كان يُصيبه مِن الأذى ما لا يُطيق أن يترخّص بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كون العزيمة هي الأفضل في حقّه، “ففي هذا مِن الفقه أنه يجوز للعالم أنْ يأخذ في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بالشدّة، والعزيمة مع الناس، ويحتسب ما يصيبه في ذلك على الله تعالى، ومباحٌ له أن يأخذ بالرخصة في ذلك، ويسكت إذا لم يطق على حمل الأذى في الله”([22])، ولكن ينبغي أن يُقَيَّدَ ذلك بأنْ لا يترتّب على ذلك اندثارُ معالم الدين، وتغيير أحكام الشريعة؛ لأنّ هذه المفسدة أعظم مِن المفسدة الواقعة على شخص معيّن حتى لو وصلت إلى قتلِه وإزهاق روحِه ظلمًا، وقد قرر العلماء القاعدة الشرعية (يُتحمّل الضررُ الخاصّ لدفع الضرر العام)([23])، ففي صبر العالِم وثباتِه على الحق مصلحةُ الدّينِ بظهوره وحفظِه وإعزازه، ومصلحةُ العالم باصطفاء الله له وتبليغه منازلَ الشهداء، كما حصل مع غلام الأخدود الذي قدّم نفسَه قربانًا لترسيخ توحيد الله في القلوب رسوخًا يحمل عمومَ الناس والصغار والكبار والرجال والنساء على التمسك بالدين والصبر على الإحراق، وكما وقع للإمام أحمد الذي حفظ الله بثباته وصبره عقيدةَ المسلمين ومنهجَ أهل السنة في القرآن وكلام الله تعالى حتى قال إسحاق بن راهويه: “لولا أحمدُ بن حنبل، وبذلُ نفسِه لِـما بذلها له لذهب الإسلام”([24])، وقال علي بن المديني: “إنَّ الله أعزّ هذا الدين برجلين ليس لهما ثالث، أبو بكر الصديق يوم الرِّدّة، وأحمد بن حنبل يوم المحنة”([25]).

ومما يدلُّ على أنّ الإمامَ أحمد لم يكن يرى له رخصةً في الإجابة في المحنة: أنّ بعضهم حاول أنْ يُقنعَ الإمامَ أحمد بأنْ يجيبَ في المحنة تقيةً، فقال لهم: “كيف تصنعون بحديث خبّابٍ: (إنّ مَن كان قَبلَكم كان يُنشر أحدهم بالمنشار، لا يصدُّه ذلك عن دينه)([26])“؛ فيئسوا منه([27]). وقيل للإمام أحمد: “وما عليك لو قلتَ؟ فقال: لو قلتُ لكفرتُ”([28]). ولم يَعذر الإمام أحمد الذين أجابوا في الفتنة، وهجرهم وترك الرواية عنهم مع أنّ بعضهم من كبار الأئمة كعلي بن المديني([29])، ويحيى بن معين([30]).

فالأصلُ في العلماء هو ترجيح جانب البيان، وحماية جناب الشريعة، وليس الترخّص وترك الإنكار، والإعراض عن بيان أحكام الله تعالى؛ إيثارًا للسلامة، وخوفًا من العاقبة، وقد جاء في حديث أبي سعيد : أن النبي ﷺ قال: (لا يحقرْ أحدُكم نفسَه). قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدُنا نفسه؟ قال: (يرى أمرًا لله عليه فيه مقالٌ ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشيةُ الناس، فيقول: فإيايَ كنتَ أحقَّ أنْ تخشى)([31]). قال الإمام أحمد رحمه الله: “وهذا فيمن يتركه خشيةَ ملامة الناس، وهو قادرٌ على القيامِ به”([32]).

 

الأصلُ في العلماء هو ترجيح جانب البيان وحماية جناب الشريعة، وليس الترخّص وترك الإنكار والإعراض عن بيان أحكام الله تعالى؛ إيثارًا للسلامة وخوفًا من العاقبة

 

الفتنة في البلاغ أو السكوت؟!

وربّما تعلّل بعضُهم في ترك واجب التبليغ، والتقصير في بيان الدّين والذبّ عن الملّة بخوف الفتنة، فيقال ها هنا: هل الفتنة في كلام العلماء أو في سكوتهم؟! ولعلّ هؤلاء الذين يزعمون الفرار مِن الفتنة بسكوتهم قد وقعوا فيما هو أعظمُ ممّا فرّوا منه، وصدق عليهم قولُه تعالى: ﴿‌وَمِنْهُمْ ‌مَنْ ‌يَقُولُ ‌ائْذَنْ ‌لِي ‌وَلَا ‌تَفْتِنِّي ‌أَلَا ‌فِي ‌الْفِتْنَةِ ‌سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49]؛ لأنّها نزلت في قومٍ تخلّفوا عن الجهاد زعمًا منهم أنّهم يخافون فتنة النساء إذا رأوا بنات الروم، فتركوا ما فيه مصلحة الدين والمسلمين بادعاء دفع الفتنة والمفسدة الخاصة، فجعلهم الله ساقطين في عين الفتنة. والجهادُ باللسان والحجة أحدُ الجهادَين وأعظمُهما فائدةً، فيدخل في معنى الآية.

فإذا سكت مَن يعلم لأنّه يخشى الفتنة، وسكت من لا يعلم لجهله، فكيف يعرف الناسُ الحق؟!

وإذا كان هذا الكلام يُقال عن سكوت العالم في موضع يجب فيه البيان، فكيف بنطقه بالباطل موافقةً للظالمين، حتى يكون سببًا في إضلال الناس؟

ومن هنا كان علماء الأمة من الصحابة ومَن بعدهم يراعون مقامَ الاقتداء بهم، ويتحرّزون أن تُحمل تصرُّفاتُهم على غير مرادهم، وأن تؤدّيَ إلى تغيير أحكام الشريعة عند مَن لا فقه عنده، ولو في الأمور اليسيرة.

ومِن الأمثلة على ذلك ما ورد عن عمر بن الخطاب أنّه رأى على طلحةَ بن عبيدالله ثوبًا مصبوغًا قد يلتبس بالمنهيِّ عنه عندَ مَن لا يعلم؛ فأنكر عليه، وقال: “ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ فقال طلحة: يا أمير المؤمنين، إنما هو مَدَرٌ، فقال عمرُ: إنكم أيها الرَّهطُ أئمّةٌ يقتدي بكم الناسُ، فلو أنّ رجلاً جاهلاً رأى هذا الثوبَ لقال: إنّ طلحةَ بنَ عبيدالله كان يلبَس الثيابَ المصبّغة في الإحرام”([33]).

قال ابن المنذر: “إنّما نهى عن المصبّغة في الإحرام تأديبًا، ولئلا يلبَسه مَن يُقتدى به فيغتر به الجاهلُ، ولا يميّز بينه وبين الثوب المزعفر، فيكون ذريعةً للجهال إلى لبس ما نُهي عنه المحرِم مِن الورس والزعفران”([34]).

وعن الزهري: “أنّ عثمان بن عفان أتمّ الصلاة بمنى مِن أجل الأعراب؛ لأنّهم كثروا عامئذٍ، فصلى بالناس أربعًا؛ ليُعلمَهم أنّ الصلاةَ أربعٌ”([35]).

وحينما رأى ابن عباس رضي الله عنهما أخاه صائمًا بعرفة قال له: “إنكم أئمة يُقتدى بكم، قد رأيتُ رسولَ الله ﷺ دعا بحِلابٍ في هذا اليوم، فشرب”([36]).

وقد رأى الفضيل بن عياض قومًا من أصحاب الحديث يمزحون ويضحكون، فناداهم: “مهلاً يا ورثة الأنبياء مهلاً -ثلاثًا- إنكم أئمةٌ يُقتدى بكم!”([37]).

وليس المطلوب في بيان الحق هو تهييج الناس، والتشغيب على النظام العام، والإغراء بالفوضى، بل بيان ما يحصل به قوام الدين، ومعرفة أحكامه مع توخّي الحكمة في الأسلوب، وسلوك طريق التعريض بالأشخاص على المبدأ النبوي: (ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا أو يقولون كذا).

 

مواقف مشهودة:

وقد كان لأهل العلم منذ زمن الصحابة الكرام، ثم التابعين ومَن بعدهم إلى عصرنا هذا المواقفُ المشهودة، والمقاماتُ المحمودة، في الصدع بالحق، والجهر بالسنة، لا يخافون لومة لائم؛ عملاً بما ثبت في حديث عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسولَ الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمرَ أهله، وأن نقوم أو نقول بالحقّ حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم)([38]). ومواقف السلف في ذلك شهيرة، وقصصهم كثيرة، فلا يخفى موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما مع الحجاج، وموقف سعيد بن جبير معه، وكان يزيد بن المهلّب بن أبي صُفرة ذا تِيهٍ وكِبرٍ وقد رآه التابعي الجليل مطرِّف بن عبدالله بن الشِّخِّير يسحب حُلَّته فقال له: “إنّ هذه مِشيةٌ يبغضها الله، قال: أو ما تعرفني؟! قال: بلى، أوّلُك نطفةٌ مَذِرة، وآخرُك جيفةٌ قذِرة، وأنت بين ذلك تحمل العَذِرة”([39]).

أين علماؤنا اليوم عن المواقف الجريئة، كالحسن البصري في مواجهة الحجاج، والإمام النووي في مواجهة الظاهر بيبرس في تمويل بيت المال من أموال التجار، والأوزاعي في مواجهة السفاح عندما أراد أن يأخذ منه إقرارًا على أفعاله في بني أمية، وفتوى العز بن عبدالسلام في المماليك، وخطاب ابن تيمية لقازان قائد التتار، والطاهر بن عاشور في مواجهة بورقيبة في الإفطار في رمضان، وغيرهم على مر العصور؟ أين هي في عصرنا هذا؟ هل صلحت المجتمعات واستقامت أمور الناس حتى انتفت الحاجة إلى هذه المواقف؟ أم هو تقصير العلماء وركونهم إلى الترخّص، والرضا بالسكوت عن الباطل، وترك بيان الحق؟!

ولو أنّ بعض العلماء قاموا بما يجب عليهم لقيل: لعلّ للساكتين عذرًا بأنْ عدّوا الأمر من فروض الكفايات، إذا قام به مَن يكفي سقط عن الباقين، لكن الواقعُ أنّ هناك كبائر وموبقات، بل ومكفّرات شاعت في مجتمعاتنا تمرّ دون نكير، أو تنكرها أصواتٌ خافتةٌ لا تكاد تُسمع.

 

ليس المطلوب في بيان الحق تهييج الناس، والتشغيب على النظام العام، والإغراء بالفوضى، بل بيان ما يحصل به قوام الدين، ومعرفة أحكامه مع توخّي الحكمة في الأسلوب، وسلوك طريق التعريض بالأشخاص على المبدأ النبوي: (ما بالُ أقوامٍ يفعلون كذا أو يقولون كذا)

 

رسالة من الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله:

ولقد وجد الشيخ محمد رشيد رضا في عصره حالاً شبيهًا بما نعيشه اليوم، فسادًا وظلمًا في السلاطين، وسكوتًا مِن العلماء عن النصيحة لهم والإنكار عليهم، حتى التبس الأمرُ على الناس، ودخلت عليهم اعتقاداتٌ فاسدة، فكتب رسالةً في مجلّة المنار بعنوان: “حال المسلمين في العالمين ودعوة العلماء إلى نصيحة الأمراء والسلاطين” كأنّه يخاطبنا بها اليوم، يقول فيها([40]):

“صار أكثرُ المسلمين يجهلون حقيقةَ السُّلطةِ في الإسلام، بل صار الكثيرون مِن عامّتهم يعتقدون أنّ للسلطان أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد بتفويضٍ مِن الشرع، كأنّ الشرعَ جعل له سلطانًا على الشرعِ ينسخ منه ما يشاء ويحكم ما يشاء، وينفذ مِن أحكامه ما يشاء ويُلغي منها ما يشاء، فله مِن التّصرف فيه ما لم يكن لمن جاء به؛ إذ قال ﷺ: (لو أنّ فاطمة بنتَ محمّدٍ سرقت لقطعتُ يدَها) رواه البخاري([41])، بل منهم مَن يعتقد أنّه غيرُ مساوٍ لسائر المسلمين في الأحكام الشرعية”.

“أمّا أهلُ العلمِ والفَهم فهم يَدَّعُونَ أنّهم أُخِذُوا بالقهر وغُلبوا على أمرهم، فإذا نطقوا بالحقِّ عَمِل سيفُ الباطل عملَه في رقابهم، فلم يبقَ لهم إلا الرِّضى بأضعف الإيمان وهو الإنكارُ بقلوبهم، هل يُصدَّق بهذه الدعوى -دعوى أضعف الإيمان- مَن يمدح المستبدّين ويُدهِنُ لهم ويدافع عنهم؟ هل يُصدَّق بها مَن يعمل لهم ويقبل وظائفَهم ورتبَهم وشارات الشرف التي ابتدعوها لأعوانهم؟ … فإنّ الله تعالى ما فرض القيام بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أمّة -أي جمعية تكوّن من الأمة- إلّا لتكون بمأمنٍ مِن المستبدّين، مسيطرة عليهم باسم الدين، فماذا فعل هؤلاء العلماء بقوله تعالى: ﴿‌وَلْتَكُنْ ‌مِنْكُمْ ‌أُمَّةٌ ‌يَدْعُونَ ‌إِلَى ‌الْخَيْرِ ‌وَيَأْمُرُونَ ‌بِالْمَعْرُوفِ ‌وَيَنْهَوْنَ ‌عَنِ ‌الْمُنْكَرِ ‌وَأُولَئِكَ ‌هُمُ ‌الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104] وبقوله عليه الصلاة والسلام: (مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)([42])“.

“إذا كتب علماء الأزهر أو علماء الهند بذلك إلى سلطاني الترك والفرس وسلطان المغرب وأعلنوا نصيحتَهم في الجرائد، فهل يخشون أنْ يُقتَلوا أو يصلبوا أو ينفَوا من الأرض؟ أيحسبون أنّ كتابتَهم لا تفيد ولا تنفع؟ كيف وهم يعلمون أنّ بعضَ السلاطين يهتم لكلمةٍ يقولها في ذلك أحدُ أصحاب الطرابيش([43]) الذين لا قيمةَ لأقوالهم عند السَّوادِ الأعظم مِن المسلمين؟

لا شك عندنا أنّ كتابةَ علماء مصر وعلماء الهند إلى السلطان العثماني بطلب الإصلاح تفعل في هذه الدولة -التي يتمنى الجميعُ صلاحَ حالها- ما لا تفعله الثوراتُ التي تجرى فيها أنهارُ الدماء طلبًا للإصلاح وإزالة الاستبداد في سائر الممالك”.

“وكان الذي مكّن لحكامِ المسلمين سلطانَ الاستبداد هو اعتقادُ رعاياهم أنّ الدِّينَ يوجب طاعتَهم على الإطلاق، وكان الحقُّ المجمع عليه أنه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق، فالواجبُ على العلماء الأحرار في مثل الهند ومصر أن يبيّنوا لملوك المسلمين وعامّتِهم الحقَّ في ذلك ما دام في القوس مَنزَع، أن يطالبوا الملوك بالعدل والإصلاح في الأرض بحكم الشورى”.

“إذا سلّمنا ما يقوله بعضُ أصحاب الجرائد وما يعتقده بعضُ المخلِصين مِن مسلمي مصر وغيرهم أنّ انتقادَ جرائد المسلمين لإدارة الدّولة ومطالبتها بالإصلاح تشهيرٌ ضار؛ فهل يمكن أنْ يسلّم عاقلٌ لجاهلٍ يقول بلا فهم: إنّ نصيحةً يكتب بها علماءُ المسلمين للسلطان قيامًا بما أوجبه الله تعالى تُعَدُّ تشهيرًا ضارًّا”.

 

صار أكثرُ المسلمين يجهلون حقيقةَ السُّلطةِ في الإسلام، بل صار الكثيرون مِن عامّتهم يعتقدون أنّ للسلطان أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد بتفويضٍ مِن الشرع، كأنّ الشرعَ جعل له سلطانًا على الشرعِ ينسخ منه ما يشاء ويحكم ما يشاء، وينفذ مِن أحكامه ما يشاء ويُلغي منها ما يشاء

 

رحم الله علماءَنا الكبار الذين أخذوا العلم بحقِّه، وقاموا بما أوجب الله عليهم، وتحمّلوا في سبيل ذلك الأذى بكلِّ أنواعه، فخلّد التاريخُ ذكرَهم، أما جزاؤهم الحقُّ فذِكرُ الله لهم وما أعدّه لأوليائه الصالحين المصلحين مِن الكرامة والدرجة العالية.


أسرة التحرير



([1]) أخرجه أبو داوود (3641)، والترمذي (2682)، وابن ماجه (223).

([2]) زاد المعاد، لابن القيم (3/5-6).

([3]) مجموع الفتاوى، لابن تيمية (20/393).

([4]) مجموع الفتاوى (18/158).

([5]) إعلام الموقعين، لابن القيم (1/8).

([6]) السيف القاطع. النهاية في غريب الحديث والأثر (3/52).

([7]) علّقه البخاري في صحيحه (1/25) مجزومًا به، ووصله الدارمي في مسنده (562)، وأبو نُعيم في حلية الأولياء (1/160)، وفي إسنادهما لين.

([8]) شرح صحيح البخاري، لابن بطّال (1/152).

([9]) أخرجه أبو داود (4344)، والترمذي (2174)، والنسائي (4209)، وابن ماجه (4011)، وصححه جمعٌ بشواهده.

([10]) أخرجه الحاكم في المستدرك (4884)، وصحّح إسناده، وتعقّبه الذهبي بجهالة أحد رواته، لكن رواه الخطيب البغدادي بإسناد آخر حسن في تاريخ بغداد (7/406).

([11]) الكوكب المنير شرح مختصر التحرير (1/476، 478).

([12]) المبسوط (24/50).

([13]) المرجع السابق (24/151).

([14]) الاعتصام، للشاطبي (3/481).

([15]) أراد بهم الموالي.

([16]) أخرجه مسلم (250).

([17]) إكمال المعلم (2/53-54).

([18]) أحرجه البخاري (120).

([19]) فتح الباري، لابن حجر (1/216).

([20]) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (1/195).

([21]) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (3/534).

([22]) قاله ابن بطال في شرح صحيح البخاري (1/152) تعليقًا على قول أبي ذر t: “لو وضعتم الصمصامة على هذه”.

([23]) شرح القواعد الفقهية، لأحمد الزرقا (ص197).

([24]) حلية الأولياء (9/171).

([25]) تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي (5/184).

([26]) أخرج حديث خبّاب t البخاري بلفظ مقارب (3852).

([27]) ينظر: سير أعلام النبلاء (11/239).

([28]) المرجع السابق (11/259).

([29]) المرجع السابق (11/182).

([30]) في تاريخ بغداد (6/268) عن أبي زرعة قال: “كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابةَ عن… ولا يحيى بن معين، ولا أحد ممن امتحن فأجاب”. والذي يظهر أنّ الإمام أحمد كان يعذر مَن لم يجب حتى ضُرب، ولا يعذر من أجاب قبل أن يعذّب كما ذكر حنبل في كتاب المحنة (ص35-37). وذهب بعضُ علماء عصره إلى تحقق الإكراه بخوف الضرب والسَّجن، وإن لم يقع فعلاً.

([31]) أخرجه ابن ماجه (4008)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: “هذا إسناد صحيح”.

([32]) شعب الإيمان، للبيهقي (10/62).

([33]) موطأ مالك برواية يحيى الليثي (1/326). وفي مطالع الأنوار لابن قرقول (4/23): “المدرُ: الطينُ اليابس، ويعني به هاهنا الأحمر منه؛ وهو الـمَغْرَة”.

([34]) شرح صحيح البخاري، لابن بطال (4/217).

([35]) أخرجه أبو داوود (1964).

([36]) أخرجه أحمد (3239).

([37]) حلية الأولياء، لأبي نعيم (8/100).

([38]) أخرجه البخاري (7199)، ومسلم (1709).

([39]) وفيات الأعيان (6/284)، سير أعلام النبلاء (4/505). وحكاها الذهبي في سير أعلام النبلاء (5/362-363) وفي تاريخ الإسلام (3/491) عن مالك بن دينار مع المهلّب بن أبي صُفرة.

([40]) مجلة المنار المجلد التاسع، غرة جمادى الأولى – ١٣٢٤هـ، ٢٣ يونيو – ١٩٠٦م، ص (357).

([41]) أخرجه البخاري (3475) ومسلم (1688).

([42]) أخرجه مسلم (49).

([43]) جمعُ طَربوش، وهو غطاءٌ للرأس كان يلبسه الرجال، أسطوانيّ الشكل، يُصنع مِن الصوف أو نحوه، ويكون عادة أحمر اللون. ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة (2/1392).

X