تزكية

السيرة النبوية منطلق لتربية الفرد وإصلاح المجتمع

تتميز السيرة النبوية بشموليتها واستيعابها لجميع تفاصيل الحياة، وحاجة المسلمين اليوم لدراسة تعاليم السيرة النبوية وقواعدها وأخلاقها كبيرة؛ لما تتعرَّض له الأمة من محاولاتٍ لطمس هويتها وحضارتها وقيمها، ولذلك كان لا بد من العودة إلى دراسة السيرة النبوية والاعتناء بها باعتبارها تطبيقًا منهجيًا لتعاليم القرآن الكريم؛ ولأنَّها تمثل النموذج النبوي الفريد للتغيير والإصلاح المنشودَين.

المقدمة:

السيرة النبوية تجسيدٌ وترجمةٌ عمليةٌ وواقعيةٌ مأثورة لحياة النبي صلى الله عليه وسلم، وتطبيقٌ واقعيٌ لكل ما جاء في القرآن الكريم، فقد وصف الله تعالى نبيه الكريم بقوله: ﴿‌وَإِنَّكَ ‌لَعَلَى ‌خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، وسُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: “فإن خُلُق نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن([1]).

وسيرته صلى الله عليه وسلم تشمل كل تفاصيل حياته صلى الله عليه وسلم بما في ذلك صفاته الخَلقية والخُلُقية، وغزواته وسراياه، ومعجزاته، وكل ما عاشه ووقع أثناء وجوده صلى الله عليه وسلم في هذه الحياة، فهي شاملة لكل جوانب الحياة الإنسانية، لذا اعتبرت سيرته منهجًا متكاملاً ونموذجًا فريدًا يحتذى به في كل مجالات الحياة، لذلك دعانا الله تعالى إلى الاقتداء بهذه السيرة النبوية، والسير على خطاها ونهجها القويم كما في صريح قوله تعالى: ﴿‌قُلْ ‌إِنْ ‌كُنْتُمْ ‌تُحِبُّونَ ‌اللَّهَ ‌فَاتَّبِعُونِي ‌يُحْبِبْكُمُ ‌اللَّهُ ‌وَيَغْفِرْ ‌لَكُمْ ‌ذُنُوبَكُمْ ‌وَاللَّهُ ‌غَفُورٌ ‌رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]، وقوله تعالى: ﴿‌لَقَدْ ‌كَانَ ‌لَكُمْ ‌فِي ‌رَسُولِ ‌اللَّهِ ‌أُسْوَةٌ ‌حَسَنَةٌ ‌لِمَنْ ‌كَانَ ‌يَرْجُو ‌اللَّهَ ‌وَالْيَوْمَ ‌الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

ازدياد الحاجة للسيرة النبوية اليوم:

حاجة الأمة الإسلامية اليوم إلى دراسة السيرة النبوية واستحضار مقتضياتها وتوجيهاتها حاجة ماسة؛ بقصد السير على هداها، والاقتداء بآثارها الحميدة، فالسيرة النبوية تعتبر منبعًا ورافدًا للأخلاق والقيم الإسلامية النبيلة، ومعيارًا ومقياسًا لها. وإن العمل بتعاليم سيرته صلى الله عليه وسلم على حقيقتها يحقق للأمة مقام الخيرية التي وصفها بها الله تعالى: ﴿‌كُنْتُمْ ‌خَيْرَ ‌أُمَّةٍ ‌أُخْرِجَتْ ‌لِلنَّاسِ ‌تَأْمُرُونَ ‌بِالْمَعْرُوفِ ‌وَتَنْهَوْنَ ‌عَنِ ‌الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110].

وإذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مطالَبين بالاقتداء والتأسي به، فالحاجة في زماننا هذا أعظم وأكبر؛ لثلاثة أسباب مهمة:

  1. الخواء الروحي الذي يعيشه معظم الناس:

وهي نتيجة طبيعية للغفلة، وبُعد الناس عن معين الوحي، وانشغالهم باللهاث خلف الدنيا، ومتابعات الماجريات من أخبار السياسة والرياضة فضلاً عن الفن والتوافه، “ونحن اليوم نلاحظ أن كثرة ما يحيط بنا من أشياء قد صرف أذهان كثيرين منا عن الاهتمام بتزكية سرائرهم وإثراء أرواحهم، مع أن الفقر الحقيقي هو فقر الروح، وقحط المعنى، وقد صدق الذي قال: إن رجلاً لا مال له هو رجل فقير، وأفقر منه رجل لا يملك سوى المال!”([2]).

  1. تلوث القيم التي يعتنقها الناس بالقيم الغربية المادية:

وهذا عائد إلى السيطرة الغربية على العالم الإسلامي منذ عهد الاستعمار، وانبهار كثير من أبناء المسلمين بهم وبمدنيتهم التي نشأت في العصر الحديث في انقلاب صارخ على القيم الدينية الكنسية المحرَّفة، وبنائها على نظريات وأفكار تحارب الإيمان مثل نظرية دارون الذي “قرر حيوانية الإنسان، فنفى عنه تلك النفحة الإلهية التي رفعته عن مستوى الحيوان، وهبط به إلى الأرض، لا يحلق ولا يسمو إلى الملكوت الأعلى… إنها فلسفة ترفض كل ما لا تستطيع الحواس أن تدركه، ولا تؤمن إلا بهذا الواقع الصغير الذي يبصره العقل ويصل إلى ميدانه العلم. ومن هذه الفلسفة المادية نشأت كل النظريات الغربية الحديثة، وكل الفلسفات المسيطرة عليها. منها نشأت شيوعية كارل ماركس في الشرق، وفلسفة فرويد في أوروبا، والبراجماتيزم في أمريكا، وكلها تمثل أصلاً واحدًا وإن اختلفت المظاهر والفروع”([3]).

  1. اضطراب الإيمان بصلاحية هدي النبي صلى الله عليه وسلم لزماننا:

وهو نتيجة طبيعية للسببين السابقين، فمن ابتعد عن نور الوحي وانبهر بعدوه وتشرب بأفكاره ونظرياته الفلسفية؛ فهو بلا شك سينظر للشريعة وللهدي النبوي على أنه شيء تاريخي عفا عليه الزمن، خصوصًا مع كثرة طَرق الغربيين وخصوصًا المستشرقين لهذه الشبهة، ورواجها على كثير ممن تصدوا للتعليم والتأليف والظهور على الشاشات، ونشرهم لها في منابرهم، وإذا تجاوزنا الدوافع المغرضة فلا نشك للحظة أن الجهل بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم سبب من أسباب ذيوع هذه الشبهة.

كل واحد من هذه الأسباب كافٍ لوحده في النهوض للعناية بالسيرة النبوية المطهرة، واعتبارها منطلقًا لتربية الفرد وإصلاح المجتمع.

 

إذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مطالَبين بالاقتداء والتأسي به، فالحاجة في زماننا هذا أعظم وأكبر؛ لثلاثة أسباب: الخواء الروحي الذي يعيشه معظم الناس، وتلوث القيم بالقيم الغربية المادية، واضطراب الإيمان بصلاحية هدي النبي صلى الله عليه وسلم لزماننا

 

مزايا السيرة النبوية العطرة:

تَرجَمَ الرسولُ محمد صلى الله عليه وسلم القرآنَ الكريم من خلال سيرته، كما وصفته عائشة رضي الله عنها، يقول ابن رجب: “تعني أنه تأدب بآدابه وتخلق بأخلاقه، فما مدحه القرآن كان فيه رضاه، وما ذمه القرآن كان فيه سخطه”([4]). ولذلك فالعلم بها ودراستها والوقوف على تفاصيلها وتعليمها للناس في غاية الأهمية، ونجمل فيما يلي أهم مزايا السيرة النبوية:

  1. الدقة والتفصيل:

السيرة النبوية فيها من الدقة والتفصيل ما يمكِّن المرء من معرفة سلوك النبي صلى الله عليه وسلم في أدق التفاصيل، فنحن نعرف مثلاً ماذا أكل، وأين ومتى أكل، وكيف أكل، وكم إصبعًا استخدم في أكله، وماذا قال قبل وبعد أكله، وما هي الأطعمة التي يحبها والتي لا يحبها، وقل مثل ذلك التفصيل في أي شأن من شؤونه، سواء كان شأنًا من شؤون العبادة أم حياته العامة، كالصلاة والجهاد، والسفر والنوم، بله في أخص الخصوصيات كقضاء الحاجة والحياة الزوجية الخاصة.

  1. التنوع والشمول:

النبي صلى الله عليه وسلم هو النبي الوحيد الذي نعرف جميع مراحل وأحوال حياته، فظروف ولادته مدونة، وكذلك رضاعته ونشأته وشبابه وزواجه، والأعمال التي عملها قبل النبوة، وظروف نبوته ومراحل حياته ودعوته ووفاته، بما في ذلك من أحداث ووقائع، وسفر وإقامة، وجوانب تربوية واجتماعية واقتصادية وعسكرية، وأحوال خاصة ومواقف عامة، “وقصارى القول: إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع النواحي الإنسانية في المجتمع، مما يجعله القدوة الصالحة لكل داعية، وكل قائد، وكل أب، وكل زوج، وكل صديق، وكل مُربٍّ، وكل سياسي، وكل رئيس دولة، وهكذا… ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا قريبًا منه فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين، ومؤسسي الديانات والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين…”([5]).

  1. الواقعية والمعقولية:

لقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم حياة قابلة للتأسي بها من جميع الناس، وسيرته متنوعة بين الغنى والفقر، والشدة والرخاء، والمرض والصحة، والخوف والأمن، والنصر والهزيمة، ولذلك يجد فيها الفقير والمريض والمحزون والخائف ما يتأسى به، فضلاً عن الغني والصحيح والمطمئن والآمن، وباعتبار أن سيرة أصحابه مِن حوله لا تنفصل عن سيرته، فالواقعية آكد وأقرب. والنبي صلى الله عليه وسلم في هذه السيرة يرضى ويغضب، ويتزوج ويطلق، ويشتري ويبيع، ويسافر ويقيم، كأي بشر آخر ﴿‌قُلْ ‌سُبْحَانَ ‌رَبِّي ‌هَلْ ‌كُنْتُ ‌إِلَّا ‌بَشَرًا ‌رَسُولًا﴾ [الإسراء: 93].

ولا يخرج عن هذا إلا معجزاتُه وخصوصياته صلى الله عليه وسلم، وهي ليست بدعًا في حق الأنبياء والمرسلين في مسيرة البشر منذ أن خلق الله آدم عليه السلام.

  1. الكمال البشري:

بالرغم من التفصيل الدقيق لما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والتنوع الكبير فيه لجميع مراحل حياته، فإنك لا تجد في هذه السيرة ما يُعاب أو يُذم، أو يعتبر نقيصة في حال من الأحوال، وهذا يشمل سيرته قبل النبوة وبعدها، وما ظهر منه أمام الناس، وما نقل عنه في بيوت نسائه، ومع خواص أصحابه، وفي ذلك كله لم ينقل عنه فحش في القول أو بذاءة في اللسان أو غدر في العهد أو غضب للنفس، بل كان يقابل الإساءة بالإحسان والأذى بالعفو والإحسانَ بخير منه، حتى اضطر أعداؤه للثناء عليه قديمًا وحديثًا لما رأوا من كرم أخلاقه وسمو شيمه، فالنبي صلى الله عليه وسلم يمثل نموذج الكمال البشري الذي يجب على المسلمين الاقتداء والتأسي به.

  1. الموثوقية والمصداقية:

ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم يملأ مجلدات كبارًا، وما صح من سيرته كبير جدًا، رواه المحدثون بالأسانيد المتصلة التي يرويها الثقات، وما عدا ذلك مما رواه مصنفو التاريخ والمغازي فالقسم الأكبر منه نال قَبول جماهير العلماء، فعكفوا على تدريسه وروايته والاستشهاد بوقائعه، وتربية النشء عليه.

وهذه الموثوقية مما لم يتوفر مثله ولا نصفه ولا ربعه ولا عشره لأي شخصية أخرى على مدار التاريخ، بل إن ما يروى عن كثير من أعيان وعظماء الأمم الأخرى لا تكاد تجد فيها نقلاً واحدًا ينتهج النهج العلمي في تدوين الأخبار ونقلها، وهذا إذا جمع مع بقية الصفات فهو يؤكد صحة وأهمية الانطلاق من هذه السيرة لتربية الفرد وإصلاح المجتمع.

 

“إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع النواحي الإنسانية في المجتمع، مما يجعله القدوة الصالحة لكل داعية، وكل قائد، وكل أب، وكل زوج، وكل صديق، وكل مُربٍّ، وكل سياسي، وكل رئيس دولة، وهكذا…”.
مصطفى السباعي

 

كيف تكون السيرة النبوية منطلقًا لإصلاح الفرد والمجتمع؟

من خلال الحديث عن مزايا السيرة النبوية ودواعي الحاجة لها اليوم يتبين لنا أن دراسة السيرة النبوية والوقوف على حقائقها تعد منطلقًا لأجل إصلاح الفرد والمجتمع؛ فهي: “تجمع عدة مزايا تجعل دراستها متعة روحية وعقلية وتاريخية، كما تجعل هذه الدراسة ضرورية لعلماء الشريعة والدعاة إلى الله والمهتمين بالإصلاح الاجتماعي، ليضمنوا إبلاغ الشريعة إلى الناس بأسلوب يجعلهم يرون فيها المعتصَم الذي يلوذون به عند اضطراب السبل واشتداد العواصف، ولتتفتح أمام الدعاة قلوب الناس وأفئدتهم، ويكون الإصلاح الذي يدعو إليه المصلحون، أقرب نجاحًا وأكثر سدادًا”([6]).

والسيرة النبوية تعد المفتاح الأساس والملجأ المهم للمربين والمعلمين والدعاة إلى الله تعالى وحاملي لواء الإصلاح، كما تعد رافدًا ومصدرًا مهمًا لإعانة هؤلاء على حفظ المجتمع وحمايته ضد كل ما يسعى إلى التحريف العقدي والأخلاقي لأفراد الأمة، وكذا صد كل مظاهر الغلو والتطرف والعنف والإقصاء وغير ذلك من العلل التي تخرم المجتمع وتؤدي به إلى ما لا تحمد عقباه، وفي هذا الشأن يقول الدكتور علي محمد الصَّلَابي: “إن دراسة الهدي النبوي في تربية الأمة وإقامة الدولة، يساعد العلماء والقادة، والفقهاء والحكام، على معرفة الطريق إلى عز الإسلام والمسلمين، من خلال معرفة عوامل النهوض، وأسباب السقوط، ويتعرفون على فقه النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الأفراد، وبناء الجماعة المسلمة، وإحياء المجتمع…”([7]).

وقد تفطن السلف الصالح إلى هذه الأهمية البالغة للسيرة النبوية، ولدورها المهم في بناء النشء وتربيته تربية حسنة، ولهذا يقول الشيخ محمد أبو شُهبة: “لقد كان السلف الصالح من هذه الأمة الإسلامية يدركون ما لسيرة خاتم الأنبياء، وسير الصحابة النبلاء، من آثار حسنة في تربية النشء، وتنشئة جيل صالح لحمل رسالة الإسلام، والتضحية في سبيلها بالنفس والمال، فمن ثَمّ كانوا يتدارسون السيرة، ويحفظونها، ويلقنونها للغلمان كما يلقنونهم السور من القرآن، روي عن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما قال: “كنا نعلَّم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلَّم السورة من القرآن”([8]).

فما أحوجنا اليوم أن نتعلم من دروس السيرة ما ينفعنا في كل جوانب حياتنا، وأن نلتزم بالقيم والأخلاق التي طبقها النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته، فنجسدها في حياتنا ومعاملاتنا، وعن شدة حاجتنا إلى السيرة النبوية في عصرنا الحالي يحدثنا الدكتور مهدي رزق الله أحمد بقوله: “وتزداد الحاجة اليوم إلى إبراز جانب القيم الأخلاقية في السيرة النبوية بالنظر إلى طغيان الحياة المادية بما تحمله من فتن الشهوات والشبهات في حياة الشباب والفتيات على وجه الخصوص، وسائر أفراد المجتمعات بشكل عام، مما يجعل المربين والمربيات أمام تحديات غير مسبوقة في محاولاتهم لبناء التحصين الذاتي، وتعزيز الجانب القيمي والأخلاقي أثناء تربيتهم للأجيال”([9]).

وحتى تقوم السيرة النبوية بوظيفتها المنوطة بها وتحقق غاياتها ومقاصدها التي أشرنا إلى بعض منها آنفًا -خاصة فيما يتعلق بمجال إصلاح الفرد والمجتمع- لابد من الالتزام والتقيد بجملة من الإرشادات المنهجية، نذكر بعضًا منها:

  • أولاً: الاهتمام بتعليم ونشر مضامين السيرة النبوية، وقراءتها قراءة منتظمة ومستمرة، وألا نكتفي بقراءتها وتداولها في المناسبات والأحداث الدينية فقط، بل تخصص كل أسرة مجلسًا أسبوعيًا لذلك، وتخصص وزارات التعليم مناهج وبرامج في مادة السيرة النبوية لجميع المستويات الدراسية، حتى لا يبقى مسلم غير عارف بتفاصيل حياة قدوته وأسوته صلى الله عليه وسلم.
  • ثانيًا: التعامل مع السيرة النبوية باعتبارها سجلاً عمليًا تفاعليًا، بهدف التأسي والاقتداء، والاتعاظ والاعتبار، لا باعتباها نصًا تاريخيًا يوثق الأحداث والوقائع ويسردها سردًا صرفًا لا غاية من ورائه. وقد انبرى كثير من الباحثين المسلمين لأجل هذه الغاية، فألفوا كتبًا غرضها ربط أحداث السيرة بالعبر والدروس، وجلهم أكدوا على أن المقصد الأسنى من دراسة السيرة النبوية ليس الوقوف على الأحداث والوقائع التاريخية وسردها، بل الغرض من ذلك معرفة الجوانب التي تفيدنا في حياتنا، وتجلي لنا التصور الصحيح لحقائق الإسلام ومبادئه وقيمه الحضارية العظيمة.
  • ثالثًا: تقريب السيرة النبوية لجميع الناس، وذلك بتصنيف دراسات تخصصية أو موضوعية بديعة تنهل من معين سيرة نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم الذي هو المثل الأعلى، من خلال تناول مختلف مجالات الحياة الدينية، والروحية، والأخلاقية، والاجتماعية، والسياسية، وغيرها من المجالات، وكذلك إعداد موارد إعلامية ورقمية في مواضيع السيرة النبوية مناسبة لمختلف منصات الإعلام والشبكات الاجتماعية، وكذا العمل على ترجمة تعاليم السيرة النبوية إلى مختلف اللغات العالمية، بحيث تكون هذه المنتجات والمؤلفات مواد متخصصة في الجوانب الإنسانية والاجتماعية من هديه وحياته صلى الله عليه وسلم، ومناسبة للمشاهد العابر ومتاحة للجميع بمختلف الصور والأشكال الحديثة.
  • رابعًا: إقامة الفعاليات والأنشطة المجتمعية التي تعرِّف بسيرته صلى الله عليه وسلم، مثل الاتحادات والروابط والجمعيات، وكذا تنظيم المهرجانات والمسابقات والبرامج الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة، وتخصيص مؤتمرات وملتقيات للتعريف بسيرته وتفاصيل هديه صلى الله عليه وسلم.
  • خامسًا: الوعي بضوابط الاتباع والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يتطلب من أهل العلم عدم بناء الأحكام على ما جاء في السيرة دون التأكد من صحة الرواية من خلال مدونات السنة الصحيحة، والتنبه لخصوصياته التي اختص بها صلى الله عليه وسلم، فقد وردت أمور خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم حددها العلماء كزواجه صلى الله عليه وسلم بأكثر من أربع، ووصاله في الصيام.

 

تعدُّ السيرة النبوية المفتاح الأساس والملجأ المهم للمربين والمعلمين والدعاة وحاملي لواء الإصلاح، كما تعد رافدًا ومصدرًا مهمًا لإعانة هؤلاء على حفظ المجتمع وحمايته ضد كل ما يسعى إلى التحريف العقدي والأخلاقي لأفراد الأمة

 

وفي الختام:

نخلص إلى أن السيرة النبوية تعد مصدرًا ومنبعًا لا ينضب للقيم الإسلامية، وهذه القيم ليست مثالية كما عند من نَظّر للمدينة الفاضلة الخيالية، وإنما هي قيم واقعية مجسدة ومطبَّقة كان أول من طبقها المعلم الأول المؤيد بالوحي النبي صلى الله عليه وسلم، وصحابته رضي الله عنهم، ومن هنا فإن للسيرة النبوية أهمية بالغة في إصلاح الأمة، وتعتبر وجهة وقبلة كل المصلحين؛ لأنها تجسد حياة المصلح الأول وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجب أن نتعلم منه كيف يكون الإصلاح؟ ومن أين يبدأ؟ وإلى أين ينتهي؟

وهذا الأمر بلا شك يتطلب فقهًا ومنهجًا عمليًا لدارسة السيرة النبوية وتدريسها للمتعلمين وطلبة العلم بمراعاة كل فئة على حدة وحاجياتها العمرية إلى دروس السيرة، كما ينبغي على علماء الأمة أن يرشدوا الناس إلى حسن التعامل مع السيرة النبوية الشريفة، وذلك على غرار ما كتب في السنة النبوية، فقد كتب الشيخ يوسف القرضاوي كتابًا سماه: “كيف نتعامل مع السنة النبوية؟” وما أحوجنا اليوم إلى كتاب شامل يجسد لنا منهجية التعامل مع السيرة، وبالرغم من غزارة وكثرة جهود علماء الأمة في هذا الشأن، غير أن إرشاداتهم ظلت متفرقة تحتاج إلى جمع ورصد وتصنيف.

للسيرة النبوية أهمية بالغة في إصلاح الأمة، وتعتبر وجهة وقبلة كل المصلحين؛ لأنها تجسِّد حياة المصلح الأول صلى الله عليه وسلم، فيجب أن نتعلَّم منه كيف يكون الإصلاح؟ ومن أين يبدأ؟ وإلى أين ينتهي؟

وعلى كل حال فكلامنا عن دور السيرة النبوية في الإصلاح في هذا المقال غيض من فيض، ونقطة من بحر، وإنما كانت كتابتنا في هذا الموضوع محاولة لتجلية هذه الآثار لعلنا ننتبه إليها، وندرك أثر تعلم السيرة النبوية ونشرها وتدريسها في نشأة مجتمع صالح ومصلح، فإن وفقنا فمن الله تعالى، وإن أخطأنا وجانبنا الصواب فمن أنفسنا، والله الموفق إلى سواء السبيل.



د. عبد الفتاح محفوظ

أستاذ باحث وأكاديمي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية – ابن طفيل – القنيطرة – المملكة المغربية.


([1]) أخرجه مسلم (746).

([2]) مقالة الأرواح الخاوية، د. عبدالكريم بكار، موقع إسلام ويب islamweb.com.

([3]) الإنسان بين المادية والإسلام، لمحمد قطب، ص (16).

([4]) جامع العلوم والحكم (1/370).

([5]) السيرة النبوية – دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، ص (19).

([6]) السيرة النبوية – دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي، ص (15).

([7]) السيرة النبوية – عرض وقائع وتحليل أحداث، للدكتور علي الصلابي، ص (7).

([8]) السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة، لمحمد أبو شُهبة (1/8). والأثر رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ص (195).

([9]) القيم التربوية في السيرة النبوية، للدكتور مهدي رزق الله أحمد، ص (5).

دكتوراه في الفقه وأصوله بالمملكة المغربية.
X