تزكية

التحفيز بالسؤال.. نماذج من القرآن الكريم والسنة النبوية

هل يمكن لسؤالٍ واحد أن يغيّر سلوكًا راسخًا، أو يوقظ قلبًا غافلاً، أو يشعل دافعية للتعلم؟ في هذه المقالة سنرى كيف صنع السؤالُ تحوّلاتٍ عميقة من خلال استعراض نماذج من القرآن والسنة، وأنّ التربية الحديثة تؤكّد أنّه مفتاح التفكير النقدي والتعلم العميق والإبداع. رحلةٌ ملهمة تكشف لنا قوة السؤال حين يُحسَن طرحُه، وتفتح أمامنا آفاقًا جديدة في التربية والبناء.

لا يكاد درسٌ أو محاضرةٌ أو حديثٌ يمضي دون أن تُطرَح فيه الأسئلةُ وتُستحضَر الإجابات؛ فالسؤال شرارةٌ تذكي جذوةَ الفكر، وتفتح منافذ المعرفة، وتُطلِع العقل على آفاقٍ لم يكن ليبلغها لولا هذا الاستدعاء المحفِّز، وليس عجيبًا أن يقول الخليل بن أحمد (ت 175هـ): “العُلومُ أقفالٌ، والسؤالاتُ مفاتيحُها[1]“؛ فالسؤال مفتاحٌ لكل بابٍ مغلق، ومنطلقٌ لكل رحلةٍ فكرية.

مفهوم التحفيز بواسطة السؤال:

ثمّةَ تعريفات عدّة لكلمة (التحفيز) تختلف باختلاف ميادين البحث، إلا أنّ معاني هذه الكلمة تنطلق من الجذر(حفّز) بالتشديد، أو من دون تشديد (حفَزَ) للمصدر (حَفْز) وكلاهما يدور حول معاني “الحث والحض والدفع”[2] ومن هذا الجذر اللغوي تتولد التعاريف الاصطلاحية للتحفيز، ويمكن جمعها في معنى واحد، هو: “كلُّ قولٍ أو فعل أو إشارة تدفعُ الإنسانَ إلى سلوكٍ أفضل، أو تعمل على استمراره فيه”[3].

أمّا السؤال فتعريفه في الاصطلاح: “استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إلى المعرفة”[4].

وقد غدا التحفيز بالسؤال الرصين الذي يفيد التصوّر فنًّا من فنون العلم والحياة، تُستعمل آلياتُه في التعليم، وفي العلاقات الاجتماعية، وفي ميادين الإدارة والعمل.

فوائد الأسئلة:

للسؤال فوائد عدَّة، من أهمها:

» تجديد نشاط المتعلمين الذين يملّون من التلقي والاستماع طويلاً.

» يقود السؤال إلى الطريق الصحيحة للتفكير، والربط والاستنتاج[5].

» يحمل السؤال في ذاته إثارة للمتعلم سواء كان مطروحًا منه أو مطروحًا عليه، فيتحفّز للمشاركة[6].

» يقوي السؤال علاقة السائل بالمادة المدروسة، كذلك بالمعلم نفسه[7].

» يعزز السؤال الثقة بالنفس لدى المتعلم، مما يشعره بقيمته لذاته، فيندفع نحو المزيد[8].

مواضع يُكره فيها السؤال:

ومع ما للسؤال من أثر عظيم، فإنه ليس محمودًا على إطلاقه، بل قد يُكره في مواضع معيّنة، من ذلك ما ذكره الإمام الشاطبي في كتابه القيّم (الموافقات)، ومن أهم هذه المواضع:

» السؤال عما لا ينفع في الدين، مثل: سؤال رجل: (مَن أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك حذافة، فقام آخر فقال: مَن أبي يا رسول الله؟ قال: أبوك سالم مولى شيبة فلما رأى عمر ما في وجهه، قال: يا رسول الله، إنّا نتوب إلى الله عز وجل)[9].

» السؤال عن شيء بيّنه القرآن الكريم، كما سأل رجل عن الحج: (أكلَّ عامٍ يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتُكم، فإنما هَلَك من كان قبلَكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)[10].

» السؤال من غير حاجة له، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101].

» السؤال عن صِعاب المسائل وشِرارها، كما جاء في النهي عن الغُلوطات[11].

» السؤال عما شجَر بين السلف الصالح، وقد سُئل عمر بن عبد العزيز عن قتال صفين، قال “تلكَ دماء كفَّ الله عنها يدي، فلا أحبّ أن ألطخ بها لساني”[12].

ويقاس على هذه المواضع كل موضع يرى السائل أنه لا نفع منه، أو أنه يثير غضبًا، أو قصده إفحام الخصم، أو نحوه.

وخارج هذا، فإن الأسئلة مفاتيح ما أغلق من أبواب المعرفة، لا بد منها.

السؤال في القرآن ليس مجرد استفهام، بل أداة تحفيز تغيّر السلوك وتهذّب الوجدان؛ فبسؤالِه تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} تحوّلت عادةٌ راسخة إلى امتثالٍ فوري، وبسؤالِه: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ} اندفعت النفوس إلى البذل، وبسؤالِه: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} ارتقت القلوب إلى مقام العفو.

أثر التحفيز بالسؤال في القرآن الكريم:

نذكر هنا نماذجَ ثلاثة عن الأثر الذي تركه التحفيز بالسؤال في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم:

1- القضاء على عادة راسخة:

ويتجلّى أثر السؤال القرآني في قدرته على إحداث تحوّلٍ سلوكيٍّ عميق، كما في تحريم الخمر؛ فعن عمر رضي الله عنه، أنه قال: “اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانَ شفاءٍ”، فنزلت التي في البقرة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة: 219]، فدُعي عمر فقُرئت عليه، فقال: “اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانَ شفاءٍ”، فنزلت التي في النساء: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، فدُعي عمر فقُرئت عليه، ثم قال: “اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانَ شفاءٍ”، فنزلت التي في المائدة: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91]، فدُعي عمر فقُرئت عليه، فقال: “انتهينا، انتهينا”[13].

وعن أنس رضي الله عنه قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله ﷺ مناديًا ينادي: “ألا إن الخمر قد حُرِّمت”، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهْرِقها، فخرجت فهَرَقْتها، ‌فجَرتْ ‌في ‌سِكك ‌المدينة[14].

وإذا نظرت إلى السياق، فإن أكثر ما يستوقفك في أثر التحفيز الذي جعل الصحابة رضوان الله عليهم يندفعون لإهراق الخمر وسكب قدورها هو السؤال الربّاني العميق: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}. قال الزمخشري: “مِن أبلغ ما ينهى به؛ كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون، أم أنتم على ما كنتم عليه؟”[15].

2- إيثار أمر الله على عَرَض الدنيا:

ومن أبلغ صور التحفيز بالسؤال ما جاء في قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245]، وهو استفهام يوقظ همم المؤمنين، ويستثير روح المبادرة لديهم، جاء عن عبد الله بن مسعود في سبب نزول هذه الآية، قال أبو الدحداح الأنصاري: (يا رسول الله، ‌وإن ‌الله عز وجل ‌يريد ‌منا ‌القرض؟ قال: نعم، يا أبا الدحداح، قال: أرني يدَك يا رسول الله، قال: فتناول يدَه، قال: قد أقرضتُ ربّي عز وجل حائطي، قال: وحائطٌ له فيه ستمئة نخلة، قال: وأم الدحداح فيه، وعيالها فيه، قال: فجاء أبو الدحداح، فناداها: يا أمَّ الدحداح فقالت: لبيك، قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي عز وجل)[16].

3- التسامي فوق الجراح:

ويأتي السؤال هنا ليخاطب القلب مباشرةً، لا الحكم فقط، كما في قوله تعالى: {أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22]؟ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حديث الإفك: قال أبو بكر رضي الله عنه، وكان ينفق على ‌مِسطح ‌بن ‌أُثاثة ‌لقرابته منه وفَقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال؛ فأنزل الله: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]. قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحبُّ أن يغفرَ الله لي، فرجع إلى مِسطح النفقة التي ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا[17].

التحفيز بواسطة السؤال من الأساليب النبوية الفاعلة في مختلف المواقف التي مر بها الصحابة، فقد كان عليه الصلاة والسلام يستخدمه للإقناع والتسليم، وإثارة التنافس في الخير، وإيقاظ المشاعر الكامنة في القلوب، وغير ذلك من المواقف.

أثر التحفيز بالسؤال في السنة النبوية:

استعمل النبي صلى الله عليه وسلم السؤال وسيلةً فاعلةً في مواقف مرّ بها صحابته رضوان الله عليهم، فكان له تأثير فعليّ على حياتهم، فمن ذلك:

1- القناعة والتسليم:

بالسؤال أقنع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شابًّا تجّرأ واستأذنه في الزنا، فأقبل القوم يزجرونه، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: (ادنُه)، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس، قال: (أتحبه لأمك؟)، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: (ولا الناس يحبونه لأمهاتهم)…[18].

2- إثارة التنافس:

وبالسؤال حرّك النبي صلى الله عليه وسلم همم أصحابه، فأثار فيهم التنافس إلى فعل الخير على الرغم من عسر الحال؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني مجهود (أي أصابني الفقر والجوع)، فأرسَل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعَثَك بالحق ما عندي إلا ماءٌ، ثم أرسَل إلى أخرى، فقالت مثلَ ذلك، حتى قلن كلُّهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماءٌ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن يُضيّف هذا الليلة؟ فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلَق به إلى رَحْلِهِ، فقال لامرأته: أكرِمي ضيفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم).

وفي رواية قال لامرأته: (هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوتُ صبياني، قال: علِّليهم بشيءٍ، وإذا أرادوا العَشاء فنوِّميهم، وإذا دخل ضيفُنا فأطفِئي السراج، وأَريهِ أنَّا نأكُل، فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويينِ، فلما أصبح، غدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد عَجِبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة)[19].

ويَظهر في سؤالِ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يضيف هذا الليلة؟) تحفيزٌ يثير التنافس بين الصحابة، لمبادرة فعل الخير على الرغم من عسر الحال.

3- استدرار دموع المحبة:

ومن أبلغ ما يُظهر أثر السؤال في معالجة النفوس ما وقع مع الأنصار يوم حنين، إذ لم يعالج النبي صلى الله عليه وسلم اعتراضهم بتقريعٍ أو توبيخ، بل بسلسلة أسئلةٍ أيقظت فيهم معاني الامتنان والرضا. ومثال ذلك: حين فُتحت حُنين، وقسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم؛ فأعطى المؤلفّة قلوبُهم، فبلغه أن الأنصار يحبُّون أن يصيبوا ما أصاب الناس، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلَّالاً فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، ومتفرقين فجمعكم الله بي. ويقولون: الله ورسوله أمَنُّ، فقال: ألا تجيبوني؟، فقالوا: “لله ورسوله المنّ والفضل”. فقال: أما إنكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا وكان من الأمر كذا وكذا… فقال: ألا ترضَون أن يذهبَ الناسُ بالشَّاء والإبل وتذهبون برسول الله إلى رِحالكم؟ الأنصار شِعار والناس دِثار، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس واديًا وشِعبًا لسلكت وادي الأنصار)[20].

بهذه الأسئلة المؤثّرة (ألم أجدكم) (ألا تجيبوني) (ألا ترضون) خاطب النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار المعترضين؛ فجاشت عواطفُهم، وذَرَفت أعينُهم، وامتلأت قلوبهم رضًا، وكان من وصفهم: فبكى القوم حتى أخْضَلوا لِحاهُم وقالوا: رضينا برسول الله قَسْمًا وحَظًّا[21].

في ظل تحديات التعليم المعاصرة، تتأكد أهمية السؤال أداةً تحفيزية تُنشّط الدافعية الداخلية وتجعل المتعلم فاعلاً لا متلقيًا. ولم يعد السؤال مجرد استدعاء للمعلومات، بل غدا محورًا في التعليم الحديث، ومحركًا للتعلم النشط، والاستقصاء، وتنمية المهارات والتفكير

التحفيز بالسؤال في التربية الحديثة:

في ظل التحديات المعاصرة في ميدان التعليم، تبرز الحاجةُ إلى إعادة الاعتبار للسؤال بوصفه أداة تحفيزية فعالة تُنشّط الدافعية الداخلية للمخاطب، وتجعله مشاركًا فاعلاً لا مستقبِلاً سلبيًا.

يُوكد علماء التربية المعاصرة على أن السؤال لم يَعُد مجرد وسيلة لاستدعاء المعلومات، بل أصبح أداة مركزية في فلسفات التعليم الحديثة، ومحفّزًا رئيسًا لعمليات التعلم النشط، والتعلم القائم على الاستقصاء، وتنمية المهارات.

وإنَّ السؤال يؤدي إلى إيقاظ التفكير لدى التلاميذ، وإثارة الانتباه إلى الحقائق التي يراد الوصول إليها، فهو تمرين القوى العقلية كالربط والاستنباط والتنبؤ[22]. 

ويقوم بإثارة نشاط التلاميذ ويجعلهم فاعلين، ويحملهم على الاشتراك العملي في الدرس، فالأسئلة التي يطرحها المعلم تحمل التلاميذ على المشاركة والاستماع والفهم، وتبدد مخاوفهم[23].

أما علماء التربية في الغرب والشرق فلهم في ذلك دراسات وأبحاث عديدة، خلصوا منها إلى نتائج جميلة ومثمرة، منها ما يأتي:

أبرز آثار السؤال في نظر علماء التربية اليوم:

1. تنمية التفكير النقدي (Critical Thinking):

يرى عدد من التربويين، مثل Brookfield وPaul & Elder، أن السؤال يمثل النقطة المركزية في صقل مهارات التفكير النقدي[24].

2. تفعيل التعلم النشط (Active Learning):

يقوم السؤال بإثارة نشاط التلاميذ ويجعلهم فاعلين، ويحملهم على الاشتراك العملي في الدرس، فالأسئلة التي يطرحها المعلم تحمل التلاميذ على المشاركة والاستماع والفهم والسؤال عما لا يدركونه من الحقائق[25].

3. تعزيز الدافعية الداخلية (Intrinsic Motivation):

يرى علماء مثل Deci & Ryan في نظرية الدافعية الذاتية أن السؤال يحفّز المتعلم عبر:

إثارة الفضول، إعطائه شعورًا بالقدرة على الاكتشاف، وتمكينه من إنجاز مهمة معرفية بنفسه. فالسؤال يشعل الرغبة العميقة للطلاب في التعلم، لأنها تنبع من متعة الاكتشاف لا من الخوف من الامتحان[26].

4. بناء مهارات حلّ المشكلات (Problem-Solving Skills):

يرى التربويون اليوم أن القدرة على حل المشكلات تبدأ من السؤال الجيد؛ إذ يُعدّ السؤال هو الخطوة الأولى في منهج التفكير التصميمي (Design Thinking) والاستقصاء العلمي[27].

5. ترسيخ التعلم العميق (Deep Learning):

التعلم العميق هو قدرة الطالب على: فهم المعنى، الربط بين المفاهيم، تطبيق المعرفة في سياقات جديدة.

6. صياغة عقلية استقصائية (Inquiry Mindset):

ترى الاتجاهات التربوية الحديثة أن السؤال ينمّي لدى المتعلم عقلية الاستقصاء، وهي عقلية قائمة على: التساؤل المستمر، الرغبة في الفهم، البحث عن الأسباب، وعدم الاكتفاء بالمعلومات الجاهزة[28].

7. تقييم حقيقي للمعرفة، لا مجرد امتحان:

يرى خبراء التقويم –مثل Black & Wiliam– أن السؤال يمثل جزءًا من التقييم البنائي (Formative Assessment) حيث يكشف الفهم، يوجه المعلم، يقوّم مسار الدرس، ويساعد الطالب على تصحيح مساره[29].

8. تبديد الخوف واستلهام الإبداع:

طريقة الكايزن “Kaizen” هي إستراتيجيَّة يابانية قديمة للتحسين المستمر، وتُعنى بالتحسين المستمرِّ للعجز التجاري، وخطوط الإنتاج، والعلاقات الشخصية. وأول مرحلة في هذه الطريقة: طرح أسئلة صغيرة لتبديد الخوف واستِلْهام الإبداع[30].

السؤال يحفّز المتعلم عبر إثارة الفضول، وإعطائه شعورًا بالقدرة على الاكتشاف، وتمكينه من إنجاز مهمة معرفية بنفسه. فالسؤال يشعل الرغبة العميقة للطلاب في التعلم، لأنها تنبع من متعة الاكتشاف لا من الخوف من الامتحان

خاتمة:

يتبيّن مما سبق أن السؤال في حقيقته ليس مجرد أداةٍ للتعرّف، بل هو طاقة تحفيزيّة محركة، ومفتاحٌ لتحريك العقل والوجدان، ومنطلقٌ لبناء الدافعية الداخلية وتطوير مهارات التفكير. وقد دلّ القرآن الكريم والسنة النبوية على أثر السؤال في تغيير السلوك، ورأينا في سير الصحابة نماذج عملية لهذا الأثر العظيم. كما أثبتت النظريات التربوية الحديثة أن السؤال هو المحرك الأول للتعلم النشط، والتفكير النقدي، والإبداع، وحلّ المشكلات.

وعليه، فإنّه ينبغي ألا يغيب عن ذهن المعلمين والمربّين والدعاة أهمية السؤال المخطط له من حيث صياغته ووقته ووجهته. فقد يتحقق بالسؤال ما لا يتحقق بغيره من الأمر والنهي والتعجب ونحوه.


د. طه ياسين

كاتب وأديب سوري


[1] جامع بيان العلم وفضله (537).

[2] ينظر: لسان العرب، لابن منظور (5/337).

[3] الدافعية النظرية والتطبيق، لثائر غباري، ص (22).

[4] المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، ص (473).

[5] ينظر: الموجه الفني لمدرسي اللغة العربية، لإبراهيم عبد العليم، ص (439).

[6] طرق تدريس اللغة العربية، لجودت الركابي، ص (60).

[7] ينظر: الموجه الفني لمدرسي اللغة العربية، ص (428).

[8] أفكار تربوية، لإبراهيم عباس، ص (158).

[9] متفق عليه: أخرجه البخاري (92) ومسلم (2360).

[10] أخرجه مسلم (1337).

[11] أخرجه أحمد (23687) من حديث معاوية رضي الله عنه قال:” نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغُلوطات”. والغلوطات هي: “المسائل التي يُغالَط بها العلماء ليَزلُّوا فيها، فيهيج بذلك شرٌّ وفتنة”. لسان العرب (7/364).

[12] جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر (1778).

[13] أخرجه الترمذي (3301)، وأحمد (378).

[14] أخرجه البخاري (2464).

[15] الكشاف (1/675).

[16] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3452).

[17] أخرجه البخاري (4141).

[18] أخرجه أحمد (22211).

[19] متفق عليه: أخرجه البخاري (3798) ومسلم (2254).

[20] متفق عليه: أخرجه البخاري (4330) ومسلم (1061).

[21] أخرجه أحمد (11730).

[22] ينظر: الموجه الفني لمدرسي اللغة العربية، ص (429).

[23] طرق تدريس اللغة العربية، ص (59).

[24] كتاب التفكير النقدي: أدوات لتولّي زمام تعلّمك وحياتك، (Critical Thinking: Tools for Taking Charge of Your Learning and Your Life 2006)، لمؤلفيه: Paul, Richard & Elder, Linda.

[25] طرق تدريس اللغة العربية، ص (59).

[26] كتاب الدافعية الداخلية وتقرير المصير في السلوك الإنساني (Intrinsic Motivation and Self-Determination in Human Behavior) 1985م، لمؤلفيه: Deci, Edward L., & Ryan, Richard M.  وهما من أبرز منظّري نظرية التحديد الذاتي (Self-Determination Theory).

[27] كتاب كيف نحلّ المسألة (How to Solve It) 1945م، وهو كتاب شهير في منهجية حلّ المشكلات الرياضية من تأليف: Polya, George.

[28] الاستقصاء ومعايير التربية العلمية الوطنية (Inquiry and the National Science Education Standards) 2000م، من إصدار المجلس القومي للبحوث في الولايات المتحدة National Research Council.

[29] كتاب التدريس من أجل تعلّم ذي جودة في الجامعة (Teaching for Quality Learning at University) 1999م، لمؤلفه: Biggs, John .

[30] كتاب كايزن وإدارة العمل، أعمال مؤتمر غيربيزا (شبكة البحث الفرنسية المتخصصة في صناعة السيارات)، Kaizen et gestion de travail Actes du GERPISA n°13 ;p17، لمؤلفه: Koïchi SHIMIZU.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *