ضوابط تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان

استغل بعض المعاصرين قاعدة «تغير الأحكام» بهدف تغيير أحكام الدين، فأنكرها آخرون سدًا للذريعة، بينما هي قاعدة قد أقرّها أهل العلم منذ القدم، فكيف يكون الجمع بين ثبات الشريعة وقاعدة «تغيّر الأحكام»؟ وما أثر الأخذ بهذه القاعدة؟ وما أثر ترك العمل بها؟ وهل من طريق لإغلاق توظيفها بطريقة غير صحيحة؟ هذا هو موضوع المقال.

مقدمة:

كثر في عصرنا الحديث عن قاعدة من القواعد الفقهية المشهورة، وهي: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان»، والتي أقرَّها أهل العلم من غير إنكار أو استشكال؛ لوضوح القاعدة في أذهانهم، وظهور مواطن استعمالها في كلامهم، لكن لمّا حاول بعض المعاصرين توظيفها بالباطل لتغيير أحكام الدين وتحريف الشرع القويم، ظهر من ينكر هذه القاعدة ويرى أنها مخالفة لإجماع المسلمين.

وهذا المقال في ضبط فهم هذه المقولة، وضبط مناط استعمالها.

القول بعدم ثبات الشريعة يُفضي إلى إزالتها والتملّص من أحكامها، كما أشار إلى ذلك الجويني رحمه الله بقوله: «لو كانت قضايا الشرع تختلف باختلاف الناس، وتناسخ العصور، لانحلَّ رباطُ الشرع»

ثبات الشريعة الإسلامية وشمولها:

اتفق أهل العلم على ثبوت أحكام الشريعة الإسلامية وشمولها، وهذا من كمالها الذي أنعم الله به علينا، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].

قال الزركشي رحمه الله: «كلّ حكم ثبت لنا بقول الله أو بقول رسوله أو بإجماع أو قياس فهو دائم إلى يوم القيامة»[1].

«فعموم الشريعة سائرَ البشر في سائر العصور مما أجمع عليه المسلمون، وقد أجمعوا على أنها مع عمومها صالحة للناس في كل زمان ومكان»[2].

والقول بعدم ثبات الشريعة يُفضي إلى إزالتها والتملّص من أحكامها، كما أشار إلى ذلك الجويني رحمه الله بقوله: «لو كانت قضايا الشرع تختلف باختلاف الناس، وتناسخ العصور، لانحلَّ رباطُ الشرع»[3].

موقف بعض المعاصرين من قاعدة «تغير الأحكام»:

أشكل على بعض المعاصرين التوفيق والجمع بين ما تقرر من ثبات الشريعة باختلاف العصور، وقاعدة «تغير الأحكام».

فطار بعضهم بقاعدة «تغير الأحكام»، وضرب بها مبدأ ثبات الشريعة المجمع عليه، وزعم أن كل تغير للزمان أو المكان يوجب تغيرًا في الأحكام، وأن حكم الله ليس واحدًا وأن شرعه متغير، دون مراعاة لشرط أو قيد[4]، وأرادوا من ذلك تطويع الأحكام الشرعية للثقافة الغربية الغالبة، بتغيير الأحكام المتعلقة بتحريم الربا، وقيام الرجل على المرأة، وزواج المسلمة من الكافر، ونحو ذلك.

وعلى الطرف المقابل هناك من يرى أن القاعدة ليست نصًا من الكتاب أو السنة ولم ترد عن سلف الأمة، وهي بذلك متعارضة مع مبدأ ثبات الشريعة المجمع عليه، فذهبوا إلى إنكارها وجعلها من محدثات الدين أو جعلها قاعدة فرعية صورية لا حقيقية؛ سدًّا لذريعة استغلال أولئك المعاصرين لها في التشكيك بالشريعة أو تحريفها. بينما اقتصر بعضهم على إنكار الإطلاق الموجود في القاعدة[5].

لعل من أوائل من نبّه إلى ثبوت قاعدة «تغير الأحكام» أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قولها: «لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساءُ لمنعهن كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل»

ثبوت القاعدة عند علماء المسلمين:

هذه القاعدة «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان» ثابتة من كلام أهل العلم وتطبيقاتهم العملية.

ولعل من أوائل من نبّه إلى معناها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قولها: «لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساءُ لمنعهن كما مُنعت نساءُ بني إسرائيل»[6]؛ ففي هذا إشارة صريحة إلى تغير الحكم بتغير الزمان.

وقد جرى العلماء السابقون من أصحاب المذاهب الأربعة على العمل بهذه القاعدة كما أشار إلى ذلك ابن عابدين الحنفي والقرافي المالكي والزركشي الشافعي وابن القيم الحنبلي[7].

وهي وإن لم ترد بهذا اللفظ فقد ورد التعبير عنها بألفاظ مختلفة، ومما وقفتُ عليه:

  1. «الأحكام المرتبة على العوائد تتبع العوائد وتتغير عند تغيرها»[8].
  2. «الأحكام قد تختلف باختلاف الزمان»[9].
  3. «تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد»[10].
  4. «الحوادث تتجدد والمصالح تتغير بتغير الزمان والمكان»[11].
  5. «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان»[12].
  6. «لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان»[13].

ولا فرق بين كل هذه الألفاظ، فسواء ذكرنا «الفتوى» أو «الحكم» فالمؤدى واحد كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

المعنى الصحيح للقاعدة:

أهم ما ينبغي معرفته لفهم هذه القاعدة هو تحرير موضع النزاع، وذلك بمعرفة أمرين:

  • الأول: أنواع الأحكام الشرعية، وتحديد المقصود من «الأحكام» في القاعدة.
  • الثاني: معنى «التغير» الوارد في القاعدة.

الأمر الأول: أنواع الأحكام الشرعية:

من الأسباب التي أدت إلى الانحراف بهذه القاعدة عن مسارها الصحيح: عدم تحديد نوع «الأحكام» التي تتناولها.

فالقاعدة ليست مطلقة تتناول جميع المسائل والأحكام، وإنما تتناول نوعًا منها لا تتجاوزها[14].

فالأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين:

  • الأول: جَعَلَ الشارع فيها الحكم ثابتًا مبنيًا على علةٍ لا تتغير بتغير الزمان والمكان.
  • الثاني: جَعَلَ الشارع فيها الحكم مبنيًا على علة قد تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص.

ونقل ابن قيم الجوزية هذا التقسيم فقال رحمه الله:

«الأحكام نوعان:

  1. نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير، ولا اجتهاد يخالف ما وضع له.
  2. والنوع الثاني: ما يتغير حسب المصلحة له، زمانًا ومكانًا وحالاً، كمقادير التعزيرات، وأجناسها، وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة»[15].

ليس كل تغيّر في صورة المسألة مؤثرٌ في تغيّر حكمها. والعلماء إنما أناطوا تغيّر الأحكام بتغيّر الزمان والمكان لأنهما مظنّة لتغيّر صورة المسألة المؤثر في حكمها

فالقسم الأول لا يتغير حكمه أبدًا؛ لأنه لا مجال فيه للاجتهاد، وإنما تغيره إن حصل إنما يحصل بالنسخ، والنسخ قد انتهى بوفاة المصطفى ﷺ.

وأما القسم الثاني فحكمه يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فيتغير بتغير العلة أو ما عُلِّق عليه الحكم.

والخلط بين القسمين هو الذي أدى إلى صرف القاعدة عن مسارها الصحيح؛ ولذلك قال ابن القيم رحمه الله:

«وهذا باب واسع، اشتبه فيه على كثيرٍ من الناس الأحكامُ الثابتة اللازمة التي لا تتغير، بالتعزيرات التابعة للمصالح وجودًا وعدمًا»[16].

الأمر الثاني: معنى «التغير» الوارد في القاعدة:

ومن أسباب عدم تصور القاعدة تصوّرًا صحيحًا عدم تحرير المراد من «التغيّر» المذكور في القاعدة.

فالتغير نوعان:

  1. تغيّر الحكم في عين المسألة الواحدة، أي: أن يختلف الحكم في الواقعة ذاتها، وليس هذا هو المقصود بالقاعدة؛ فالخطاب الشرعي لا يتغير في عين المسألة الواحدة إلا بالنسخ، ولا يمكن أن يختلف الحكم الشرعي في واقعتين متماثلتين في الحقيقة والعلة والسبب والمتعلقات؛ لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات ولا تسوي بين المختلفات. ولا فرق بين الحكم الشرعي والفتوى في ذلك، بل كلاهما ثابت بحسب المسألة الواحدة، وما الفتوى إلا بيان للحكم الشرعي الذي هو أثر خطاب الله.
  2. تغير الحكم بين مسألتين لوجود اختلافٍ بينهما، أو تغير الحكم في المسألة لاختلاف حيثياتها ومتعلقاتها، وهذا هو المقصود بالقاعدة، فالعلماء عبروا عن الاختلاف في الحكم بين المسائل بالتغير، وهذا على وجه المسامحة والتجوز[17]، ولذلك من التدقيق في العبارة قول الزركشي رحمه الله: «فلا نقول: إنَّ الأحكام تتغير بتغير الزمان بل باختلاف الصُّورة الحادِثَةِ»[18].

فلا يجوز تغيير الأحكام والفتاوى لمجرد تغير الزمان أو المكان، بل لابد أن يكون للزمان أو المكان أثر في تغير صورة المسألة وحيثياتها مما يؤثر في حكمها، فليس كل تغير في صورة المسألة مؤثرًا في تغير حكمها.

والعلماء إنما أناطوا تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان لأنهما مظنة لتغير صورة المسألة المؤثر في حكمها.

وبناءً على ما سبق: فيُمكن أن يقال إن الضابط العام الذي يشمل جميع المسائل المنطوية تحت القاعدة هو:

«كل مسألة علق الشارع فيها الحكم على مناط يقبل التغير، فالحكم الشرعي يتغير بتغيره».

فهذا هو الضابط العام لهذه القاعدة، وبه يُعرف أن القاعدة من باب تحقيق المناط[19].

مثل: إناطة الشارع الحكم بالزمان أو المكان أو الأعراف أو الأشخاص أو المصلحة أو وجود العلة أو السبب، أو غير ذلك. وسيأتي التمثيل.

وقد يستعمل العلماء هذه القاعدة -من باب التوسع- في الأحوال الاستثنائية كالأعذار الاضطرارية، مثل: إباحة أكل الميتة للمضطر ونحو ذلك، وإن كان الحكم هنا حقيقة لم يتغير من حيث الأصل، وإنما تغير لعذر طارئ في حالة خاصة.

تغيّر الأحكام لا يتناول جميع الشريعة، وليس متروكًا للهوى والتشهي، بل هو مضبوطٌ بضوابط الشرع، وعليه فلا تعارض بين ثبات الشريعة في المسألة الواحدة المبنية على علة ثابتة، وبين القاعدة المبنية على الأحكام المعلّقة بعلّة متغيرة أو في مسائل مختلفة في صورها.

الحالات التي تُعمل فيها القاعدة:

تُعمل القاعدة في أنواع متعددة من المسائل، منها:

1. المسائل التي أناط الشارع فيها الحكم بالعادات والأعراف التي قد تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، ولم يأت فيها الشارع بأمور محددة بل تركها لأعراف الناس، قال القرافي رحمه الله: «الأحكام المرتبة على العوائد تتبع العوائد وتتغير عند تغيرها»[20].

وقد حصر بعض العلماء هذه القاعدة في المسائل المشار لها؛ لذلك جعلوها فرعًا عن القاعدة الكبرى: «العادة مُحَكَّمة»[21]، والحقيقة أن القاعدة أوسع من ذلك وأشمل، كما سيتضح إن شاء الله.

ومن الأمثلة على هذه المسائل المناطة بالعرف: المسائل المتعلقة بصلة الأرحام وبر الوالدين والإحسان للزوجة والعشرة بالمعروف والإنفاق عليها وعلى الذرية، فكل ذلك قد يتغير مع اختلاف الزمان والمكان بحسب العرف[22].

2. المسائل التي أناط الشارع فيها الحكم بالمصلحة، فهذه المسائل يتغير حكمها بتغير المصلحة، يقول الزركشي رحمه الله: «الحوادث تتجدد والمصالح تتغير بتغير الزمان والمكان»[23]، وكذلك المسائل التي بناها العلماء على المصلحة المعتبرة أو المرسلة، ومن ذلك:

أ. جمع القرآن الكريم في مصحف واحد.

ب. تدوين السنة بعد أن كان منهيًا عن كتابتها.

ج. تضمين الأجير المشترك كالخياط، لئلا تضيع حقوق الناس.

3. مسائل تغير فيها الحكم لاختلاف الزمان بفساد أحوال الناس، ومن ذلك:

أ. جواز إغلاق أبواب المساجد في غير أوقات الصلاة صيانة للمسجد من السرقة[24].

ب. «منع عمر بن عبد العزيز عماله عن القتل إلا بعد إعلامه وإذنه به بعد أن كان مُطلقًا لهم، لما رأى من تغير حالهم»[25].

4. مسائل تغير فيها الحكم لاختلاف المكان، مثل: جعل التشبه بالكفار في بلاد الإسلام أشد من التشبه بالكفار في بلاد الكفار، لأن مخالفتهم هناك قد لا تكون متيسرة، يقول ابن تيمية رحمه الله: «لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب؛ لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين، والاطلاع على باطن أمرهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة»[26].

«والأحكام المبنية على العرف تتغير بتغيره زمانًا ومكانًا، لأن الفرع يتغير بتغير أصله، ولهذا يقول الفقهاء في مثل هذا الاختلاف: إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان»

عبد الوهاب خلاف رحمه الله

5. مسائل تغير فيها الحكم لاختلاف الأحوال، ومن أمثلة ذلك:

أ. التفريق بين حال الاستضعاف وحال التمكين، فالجهاد كان ممنوعًا وقت الاستضعاف وصار فرضًا بعد التمكين.

ب. التفريق بين حال وجود الأعذار كالاضطرار وتعذر الإتيان بالواجب والأحوال الطبيعية، مثل: قَبول شهادة وقضاء غير العدل، قال الشيخ أحمد الزرقا رحمه الله: «لما ندرت العدالة وعزت في هذه الأزمان قالوا بِقَبول شهادة الأمثل فالأمثل والأقل فجورًا فالأقل…. وقالوا نظير ذلك في القضاة وغيرهم، إِذا لم يُوجد إلا غير العدول أقمنا أصلحهم وأقلهم فجورًا، لئلا تضيع المصالح وتتعطل الحقوق والأحكام. فقد حَسُنَ ما كان قبيحًا واتسع ما كان ضيقًا، واختلفت الأحكام باختلاف الأزمان»[27].

ج. التفريق بين حال الضيق وحال السعة، كنهي النبي ﷺ عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام ثم أذن بذلك وقال: «إنما نهيتكم من أجل الدَّافَّةِ التي دَفَّت، فَكُلوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا»[28].

الحالات التي لا تُعمل القاعدة فيها:

بناء على ما سبق فلا يجوز إعمال القاعدة في المناط الثابت غير المتغير[29]، ومن ذلك:

  1. المسائل الاعتقادية، مثل: توحيد رب العالمين والبراءة من الشرك وأهله.
  2. المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، مثل: أصول العبادات والمحرمات كوجوب الصلوات الخمس، وتحريم الظلم والزنى.
  3. المسائل المجمع على عدم تغيرها، مثل: مضي الجهاد إلى يوم القيامة، وتحريم الجمع بين الأختين في النكاح.
  4. المسائل التي لا تتغير فيها المصلحة بل هي ثابتة على مر الأزمان، مثل: أصول الفضائل والقيم والأخلاق.
  5. المسائل التعبدية التي لا مجال للرأي والاجتهاد فيها، مثل: الكفارات والمقدرات.

وجود أحكام خاصة لكل زمان لا يعني الإتيان بالبدع والمحدثات، بل الشريعة جعلت لكل زمان أحكامًا تتناسب مع ذلك الزمان، قال عز الدين بن عبد السلام: «يَحدُثُ للناس في كل زمان من الأحكام ما يُنَاسِبُهُم»

الجمع بين ثبات الشريعة وقاعدة «تغير الأحكام»:

تبيّن أن التغير للأحكام لا يتناول جميع الشريعة، وليس أمرًا متروكًا للهوى والتشهي، بل مضبوطٌ بضوابط الشرع، وعليه فلا تعارض بين ثبات الشريعة في المسألة الواحدة المبنية على علة ثابتة، وبين القاعدة المبنية على الأحكام المعلقة بعلة متغيرة أو في مسائل مختلفة في صورها.

وإطلاق القاعدة لا يجعلنا نردها مع تقرير العلماء لها، بل نحملها على التجوز في الاستعمال السائغ في اللغة والوارد في الكتاب والسنة.

وقول «إن الحكم يختلف باختلاف المصلحة»: لا يدل على عدم ثبات الشريعة بل إن الشريعة ثابتة في اتباع المصلحة، وهذا طريق من طرق صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، فالقول بالمصالح لا ينافي صلاحية الشريعة ولا ينافي عمومها، وليس هو اختلاف في أصل الخطاب وإنما اختلاف في تطبيق أصل عام من أصول الشرع.

ومثل ذلك في «اختلاف الحكم باختلاف الأعراف والعوائد»: فهذا لا يدل على اضطراب الشريعة بل هو من دوران الحكم مع علته وسببه، قال الشاطبي رحمه الله: «اعلم أن ما جرى ذكره هنا من اختلاف الأحكام عند اختلاف العوائد فليس في الحقيقة باختلاف في أصل الخطاب، لأن الشرع موضوع على أنه دائم أبدي لو فرض بقاء الدنيا من غير نهاية، والتكليف، كذلك لم يحتج في الشرع إلى مزيد، وإنما معنى الاختلاف في أن العوائد إذا اختلفت رجعت كل عادة إلى أصل شرعي يحكم به عليها»[30].

وقال الشيخ عبد الوهاب خلاف رحمه الله: «والأحكام المبنية على العرف تتغير بتغيره زمانًا ومكانًا، لأن الفرع يتغير بتغير أصله، ولهذا يقول الفقهاء في مثل هذا الاختلاف: إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان»[31].

ووجود أحكام خاصة لكل زمان لا يعني الإتيان بالبدع والمحدثات، بل الشريعة جعلت لكل زمان أحكامًا تتناسب مع ذلك الزمان، قال عز الدين بن عبد السلام: «يَحدُثُ للناس في كل زمان من الأحكام ما يُنَاسِبُهُم»[32].

وقال الزركشي: «وقول عمر بن عبد العزيز: «يحدث للناس أقضيةٌ على قدر ما أحدثوا من الفجور» أي يُجَدِّدُونَ أسبابًا يقضِي الشرع فيها أمورًا لم تكن قبل ذلك؛ لأجل عَدَمِهِ منها قبل ذلك، لا لأنها شَرعٌ مُجدَّد. فلا نقول: إنَّ الأحكام تتغيَّرُ بتغيُّر الزَّمان بل باختلاف الصورة الحادثة»[33].

وهذا هو معنى صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «فتعيَّن أن يكون معنى صلوحية شريعة الإسلام لكل زمان أن تكون أحكامها كليات ومعاني مشتملةً على حِكَم ومصالح، صالحةً لأن تتفرع منها أحكام مختلفةُ الصور متحدةُ المقاصد. ولذلك كانت أصول التشريع الإسلامي تتجنب التفريع والتحديد»[34].

فالشريعة بعد وفاة النبي ﷺ ثابتة في الكليات والجزئيات، ولا يقال بالتفريق بينهما بعد وفاته ﷺ.

«من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل»

ابن قيم الجوزية رحمه الله

عدم الأخذ بهذه القاعدة جمود وإعنات:

إنَّ عدم مراعاة تغير الزمان والمكان في الفتوى جمود على حرفية النصوص دون مراعاة معانيها، ودون مراعاة اختلاف الزمان والمكان والعرف هو من الجهل والضلال، يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: «ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عُرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طَبَّبَ الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضَرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم واللَّه المستعان»[35].

بل جعله الإمام القرافي مخالفًا للإجماع وإغلاقًا لما هو دون باب الاجتهاد، فقال رحمه الله: «إجراء الأحكام التي مُدرَكُها العوائدُ مع تغيُّرِ تلك العوائد: خلافُ الإِجماع وجهالةٌ في الدّين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد: يَتغيَّرُ الحكمُ فيه عند تغيُّرِ العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة، وليس هذا تجديدًا للاجتهاد من المقلِّدين حتى يُشترَطَ فيه أهليةُ الاجتهاد، بل هذه قاعدةٌ اجتهدَ فيها العلماء وأجمعوا عليها، فنحن نَتْبَعُهم فيها من غيرِ استئنافِ اجتهاد»[36].

ومن يسر الشريعة تغير أحكامها بتغير الأحوال، وأما الإفتاء على وتيرة واحدة دون مراعاة لاختلاف الوقائع ففيه تكليف للناس بالعسر والمشقة.

العمل بقاعدة تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان مجمع عليه بين أهل العلم، لكن لا يحسنه إلا المتمكنون من أهل العلم والفقه بالواقع، من المتأهّلين الذين لديهم الإحاطة بالأدلة الشرعية ومقاصدها الكلية ومعانيها المَرعية

خاتمة:

في الشريعة أحكامٌ ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان والعادات والأحوال وهي الأصل فيها، وفيها أحكام مستندها الاجتهاد في النصوص وفي تحقق العلة التي يدور عليها الحكم، وبالتالي فإنّ هذه الأحكام قد تتغير بتغير الزمان والمكان والعادات والأحوال.

والعمل بقاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان مجمع عليه بين أهل العلم، لكن لا يحسنه إلا المتمكنون من أهل العلم والفقه بالواقع، من المتأهلين الذين لديهم الإحاطة بالأدلة الشرعية ومقاصدها الكلية ومعانيها المَرعية، كي تستعمل في موطنها الصحيح بلا إفراط ولا تفريط، ولا يقع فيها توسع غير مرضي، يؤدي إلى إحداث فتاوى شاذة، كإباحة بعض صور الربا، والمناداة بإيقاف تنفيذ الحدود وغير ذلك[37].

وإعمالها فيه قيام بأمر الدين، ومراعاة التيسير ورفع المشقة التي جاءت به الشريعة، قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: «الفتوى تتغيَّر بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال وذلك كله من دين اللَّه»[38].


[1] البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (١/٢١٧).

[2] مقاصد الشريعة الإسلامية، للطاهر ابن عاشور (٣/٢٧٤).

[3] نهاية المطلب، للجويني (١٧/٣٦٤).

[4] يُنظر في بيان القول ومناقشته كتاب: الاجتهاد المقاصدي ضوابطه ومجالاته، لنور الدين خادمي، ص (٩١).

[5] يُنظر: المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد، لبكر أبو زيد (١/٨٤)، الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية، لعابد السفياني، ص (٤٤٨).

[6] أخرجه البخاري (٨٦٩).

[7] يُنظر: حاشية ابن عابدين (١/٧٨)، الفروق، للقرافي (١/٤٥)، البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (١/٢١٩)، إعلام الموقعين، لابن القيم (٣/٣٨).

[8] الفروق، للقرافي (٣/٢٩).

[9] نقلها فخر الدين الزيلعي (ت: ٧٤٣ه) عمن سبقه من علماء الحنفية في تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (٥/١٢٥).

[10] عنون بها ابن قيم الجوزية (ت: ٧٥١ه) في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين (٤/٣٣٧).

[11] تشنيف المسامع بجمع الجوامع، للزركشي (٣/٤٤).

[12] شرح القواعد الفقهية، لأحمد الزرقا، ص (٢٢٧).

[13] الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، للبورنو، ص (٣١١).

[14] المرجع السابق، ص (٣١١)، والقواعد الفقهية وتطبيقاتها من المذاهب الأربعة، لمحمد الزحيلي (١/٣٥٥).

[15] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم (١/٣٣٠).

[16] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم (١/٥٧٣).

[17] يُنظر: أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله، للسلمي، ص (٤٧٠-٤٧٣).

[18] البحر المحيط، للزركشي (١/٢٢٠).

[19] يُنظر: الاجتهاد المقاصدي ضوابطه ومجالاته، لنور الدين خادمي، ص (١٠٤)، الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية، لعابد السفياني، ص (٤٤٨).

[20] الفروق، للقرافي (٣/٢٩).

[21] يُنظر: الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، للبورنو، ص (٢٧)، شرح القواعد الفقهية، لأحمد الزرقا، ص (٢٢٧).

[22] يُنظر: الفروق، للقرافي (١/٤٥).

[23] تشنيف المسامع بجمع الجوامع، للزركشي (٣/٤٤).

[24] الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، للبورنو، ص (٣١١).

[25] شرح القواعد الفقهية، لأحمد الزرقا، ص (٢٢٩).

[26] اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لابن تيمية (١/٤٧١).

[27] شرح القواعد الفقهية، لأحمد الزرقا، ص (٢٢٩).

[28] أخرجه مسلم (١٩٧١).

[29] يُنظر: الاجتهاد المقاصدي ضوابطه ومجالاته، لنور الدين خادمي، ص (١٥٤)، القواعد الفقهية وتطبيقاتها من المذاهب الأربعة، لمحمد الزحيلي (١/٣٥٥).

[30] تشنيف المسامع بجمع الجوامع، للزركشي (٣/٥٣).

[31] علم أصول الفقه، لعبد الوهاب خلاف، ص (٩١).

[32] يُنظر: البحر المحيط للزركشي (١/١١٩).

[33] البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (١/٢٢٠).

[34] مقاصد الشريعة الإسلامية، لابن عاشور (٣/٢٧٤).

[35] إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (٤/٤٧٠).

[36] الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، للقرافي، ص (٢١٨).

[37] يُنظر بحث الشذوذ في الفتوى المعاصرة الناتج عن التطبيق الخاطئ لقاعدة «تغير الفتوى لتغير الزمان» للدكتور عارف الجناحي.

[38] إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (٦/١١٤).


د. محمد بلال غنام

أكاديمي ومحاضر جامعي، باحث في الدراسات الإسلامية.

شارك المادة عبر :

المناقشة والتعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواد ذات صلة

ما سرُّ رواية بعض الصحابة للكثير من الأحاديث؟
ما سرُّ رواية بعض الصحابة للكثير من الأحاديث؟

بين الحين والحين تطالعنا أصوات نشاز تتطاول على قامات ملأت الأرض عدلاً ورحمة، بالتنقص من ديانتهم وأمانتهم تارة، وبالتشكيك في عدالتهم وصدقهم تارة أخرى، بادَّعاء الحرص على الدين، وتنقيته وتصفيته من الدخيل عليه، وحقيقة فعلهم تشكيك الناس في أسس الدين وأصوله، مما يؤدي لهدمه وتضييعه، لكن الدين محفوظ بحفظ الله له، ومن وسائل ذلك أن […]

...
المُحْكمَاتُ الشرعية وأثرُها في توجيه الفكر
المُحْكمَاتُ الشرعية وأثرُها في توجيه الفكر

مما ينبغي على الأمة -لا سيَّما في هذه العصور المتأخّرة- الاعتناء بدراسة المحكمات، والقيام ببيانها للناس على كافة المستويات؛ فبها يُحصَّن المجتمع ضدّ دعاوى المنافقين وشبهات الملاحدة والفاسدين، ولها التأثير البيّن في تحقيق ثبات الفكر واستقراره.. وفي المقال بيان لمفهوم المحكمات، ومعاييرِ معرفتها، وعميقِ أثرها في ضبط الفكر وتوجيهه. تشتدُّ الحربُ ضراوةً على الإسلام في […]

...
تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد: بدايته.. وأثره

دَرَجَ جمهور الصحابة والتابعين على قبول ما صحّ من الحديث دون النظر إلى تقسيمات أو تسميات معينة، حتى ظهرت المخالفة لهم بعد ذلك باستحداث هذه التقسيمات والتسميات، ومع الوقت تغيرت معاني بعضها، وجعلت حكمًا على قبول الأحاديث أو ردِّها. وفي هذا المقال بيان لهذه المسألة. مدخل: السنة النبوية مصدر تشريعي متفق عليه بين المسلمين، وقد […]

...
العدد العاشر

العدد العاشر

التاريخ: أغسطس 18, 2021