أسس وملامح مشروع أهل السنة والجماعة

ذو الحجة 1441هـ – آب / أغسطس 2020م

لكل أمةٍ مشروعها الذي يبين نظرتها للحياة، ويضع الأسس والقواعد التي تقوم الدولة على أساسها، وتضبط مختلف العلاقات بين أطرافها، وعلاقاتها مع الأمم الأخرى، وللأمة الإسلامية متمثلة بأهل السنة والجماعة مشروع يمتاز بشموله لكافة مناحي الحياة، وكافة احتياجات الإنسان، ولكافة البشرية، بمصدره الرباني، وتشريعاته الفريدة، وفي هذا المقال حديث عن أسس وملامح هذا المشروع.

مدخل:

عاش المسلمون قرونًا طويلة ينعمون بشرع الله تعالى، بلادهم مصونة، حياتهم آمنة رغيدة، سيرة غالب حكامهم حسنة، علماؤهم قائمون بشرع الله يعلمون الناس دينهم ويحتسبون على الظلم والطغيان، فازدهرت حياتهم، وتقدّمت علومهم، وأصبحوا قادة الدنيا وسادتها.

وفي العصر الحديث يعيش العالم الإسلامي ضعفًا وتراجعًا على مختلف المستويات، بدأً من استلاب سيادته وقراره، إلى تنحية شرع الله عن غالب دوله ومجالات تطبيقه، وتراجع مكانته العلمية، بالإضافة للفقر والتخلف الذي تعيش فيه شعوبه ودوله، مما دفع الكثير من العاملين في الساحة الإسلامية للبحث عن مخرج من هذا الحال، فكثرت المطالبة بمشروعٍ يُعيد للأمة الإسلامية مكانتها اللائقة بها، ولـمَّا تتبلور ملامح ذلك المشروع بعد، وهذا المقال محاولة لترسُّم الأسس العامة التي ينبغي أن يتضمنها أي مشروع للأمة؛ إسهامًا في هذا الحراك وإثراء له، أما التفصيلات العملية التنفيذية التي تختلف تفاصيلها وتطبيقاتها العملية وخياراتها من زمن لآخر، وبين مكان وآخر فلها فرسانُها وميادينُها([1]).

مشروع أهل السنة والجماعة هو المشروع الإسلامي:

أهل السنة والجماعة هم أتباع الإسلام، والمتمثلون عقيدته، والعاملون بشرائعه وأحكامه، المتبعون لما جاء به الوحي: (ما أنا عليه وأصحابي)([2])؛ فهم سواد الأمة منذ القرون المفضّلة باتباعهم للوحيين وتعظيمهم لهما، وتوقير السلف الصالح، وترك الخصومة والابتداع في الدين، والحرص على الجماعة والألفة، وبمجمل معتقداتهم وعباداتهم، وتاريخهم العلمي والفكري والسياسي. وأي مشروع لا يترسم معالم منهج أهل السنة فإنه لا يكون مشروعًا صالحًا للمسلمين، فـ «لَا يُصْلِح آخِر هَذِه الْأُمَّة إلَّا مَا أصْلَح أوَّلَهَا»([3]).

أهل السنة والجماعة هم أتباع الإسلام، والمتمثلون عقيدته، والعاملون بشرائعه وأحكامه، هم سواد الأمة منذ القرون المفضّلة، وأي مشروع لا يترسم معالم منهج أهل السنة فإنه لا يكون مشروعًا صالحًا للمسلمين

أسس مشروع أهل السنة:

هناك منطلقان لهذا المشروع:

أحدهما: يتعلّق بالإسلام باعتباره الدين الشامل الذي يحكم حياة الإنسان وينظم شؤونه في جميع المجالات، من أمور العقيدة والفقه، والاقتصاد، والاجتماع، والإعلام، والسياسة، وغيرها.

والآخر يتعلّق بحملته وهم أهل السنة والجماعة، وهم بهذا التعريف يجمعهم أمران، أحدهما ديني والآخر سياسي([4]):

  • فالديني (أهل السنة): والمقصود به ما كان عليه ﷺ مِن الهَدْي والاعتقاد والعلم والعمل، أخذًا بمثل قوله ﷺ: (فعَلَيكُم بِسُنّتي وسنَّة الخُلفاء المَهديين الراشدين)([5]).
  • والسياسي (الجماعة): والمقصود بها جماعة المسلمين، فقد سُئل ﷺ عن الناجين من الافتراق والابتداع فقال: (هم الجماعة)([6])، وقال ﷺ: (وعليكُم بالجماعةِ، والعامَّة، والمسجد)([7]).

وعليه: يمكن لنا أن نتلمس من خلال هذين الجانبين معالم مشروع أهل السنة والجماعة، وهما جانبان متداخلان ومكملان لبعضهما البعض لا يمكن الفصل بينهما، كما يأتي:

ففي الجانب الديني:

  1. تعظيم الوحي واتباعه والخضوع والانقياد له، وتربية المجتمع على ذلك عبادةً وسلوكًا.
  2. تحقيق العبودية لله تعالى في جميع مناحي الحياة ومنطلقاتها، وتحرير العقول والقلوب من الخضوع لغيره تعالى.
  3. اتّباع سلف الأمة من الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين، والأخذ بالإجماع، وما كانوا عليه من هدي في العلم والعمل والسلوك، ومعرفة حقهم ومكانتهم، وعدم تسفيه آرائهم واجتهاداتهم أو الخروج عن طريقتهم.
  4. العناية بهوية الأمة: الدينية، واللغوية، والتاريخية، والدفاع عنها في مواجهة كل ما يُضعفها أو يؤثر فيها.
  5. التمسك بالأخلاق الفاضلة والدعوة إليها، وإصلاح أخلاق المجتمعات واستكمالها.
  6. محبة المسلمين وموالاتهم لأخوّتهم في الإسلام، وتحقيق ذلك عمليًا في شتى الميادين، ونصرتهم وإعانتهم، والتربية على فقه الخلاف والحوار والعمل المشترك معهم.
  7. التعاون مع عموم أهل القبلة فيما فيه خير المسلمين من أمور الدين التي يؤدونها على الوجه الصحيح، أو أمور الدنيا التي تحقق مصلحة للمسلمين.
  8. نشر العلم والمعرفة، والعناية بتربية النشء تربية سليمة تحقق الأهداف العظمى لاستخلاف الإنسان في الأرض.
  9. الدعوة إلى الله ونشر الإسلام، والتبشير به، سواء بين المسلمين أنفسهم أو بين غير المسلمين؛ فرسالة الإسلام: إخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام.

وفي الجانب السياسي:

  1. جمع كلمة الأمة تحت مظلة الأخوَّة الإيمانية، والحفاظ على وحدتها وجماعتها، والولاء لها، والحذر من الفرقة والفتنة بين المسلمين.
  2. العمل على تحقيق المبادئ الأساسية لتكريم الإنسان وحفظ حقوقه، وحمايته من الظلم والتعدي على إنسانيته وكرامته، ومحاربة الاستبداد بكافة صوره.
  3. إقامة الدولة التي تُقيم الدين، وتحفظ للناس حقوقهم وحياتهم، وتلبي حاجاتهم.
  4. العناية ببيان المسائل التي تتعلق بالحكم، وكيفية تولي الحاكم، وحقوقه وواجباته، والاحتساب السياسي على الحكام وكيفية التعامل مع أخطائهم وعزلهم، وتوحيد مواقف العلماء في أَطرِهم على الحق ومنع الظلم، بما يحقق الأمن الداخلي للمجتمع المسلم.
  5. الدفاع عن بلاد المسلمين والحفاظ عليها من الضياع والاعتداء، ببناء القوة الرادعة التي تحفظ للمسلمين هيبتهم وتحمي أوطانهم من أطماع الأعداء، وتحرير ما وقع من أراضيهم تحت الاحتلال الغاصب، وبناء وحدة وطنية للتحصين من اختراق الأعداء.
  6. الاستقلال عن التبعية الأجنبية، فكريًا، وسياسيًا، واقتصاديًا، وصناعيًا.
  7. تحقيق التنمية والازدهار في النواحي العلمية والاقتصادية والصناعية ونحوها، والعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي للمسلمين ودولهم.
  8. التعاون مع دول العالم وشعوبه في كل ما فيه سعادة البشرية وتقدمها، وعلى رأس ذلك إحقاق الحق ومنع الظلم، والتنمية.

ومن المشاريع العملية القائمة التي يمكن أن تنبثق من هذه الأسس:

  • المؤسسات التعليمية التي يتربى فيها الطلاب ويتعلمون أمور دينهم ودنياهم، سواء التي تسير على الطريقة الحديثة في التعليم المدرسي، أو التي تعتمد التعليم المسجدي، وغيرها.
  • المؤسسات العلمائية والإفتائية التي تهتم بتمثيل المرجعية، وبتوجيه وقيادة الشأن العام للمسلمين.
  • مؤسسات وبرامج التعريف بالإسلام ودعوة غير المسلمين إليه، وترسيخ ثوابته والرد على الطاعنين فيه.
  • مشاريع التخلص من الاستعمار وتحرير بلاد المسلمين من الهيمنة الخارجية، وما يستلزم ذلك من تأسيس تجمعات وكيانات، أو التعاون مع شخصيات وطنية وإسلامية تحقق تلك المقاصد والأهداف.
  • مشاريع النهضة العلمية والفكرية والحضارية للنهوض بالأمة وإيصال رسالتها، واستكمال التخلص من الاستعمار والنهضة بالعالم الإسلامي من حال التخلف التي سقط فيها، كمؤسسات البحث العلمي، والمؤسسات الإعلامية، والجمعيات والكيانات الاجتماعية، والسياسية، ونحوها.

«المشاريع » التي قد يخوضها أهل السنة كثيرة ومتعددة، وقد لا تكون متشابهة ولا متقاربة، وقد تتعدد وجهات نظرهم واجتهاداتهم في اعتبار الأهم، ولا ضير في ذلك، ما دامت تنطلق من أسس المشروع العام لأهل السنة وتصبُّ في أهدافه

مشاريع أهل السنة تكامُلٌ لا تعارُض:

من المؤكد أن أحوال البلدان تختلف من بلد لآخر، ومن زمن لآخر، فبينما يكون المشروع الأهم في بلد ما أو زمن ما حمل السلاح والجهاد لتحريره من الاحتلال أو التصدي للغزاة، قد يكون المشروع ذو الأولوية في بلدٍ آخر نشر العلم والتعليم بين المسلمين، وفي بلدٍ ثالث التصدي لأفكار المنحرفين من المنتسبين للإسلام أو من غيرهم، وهكذا.

ومن المؤكد أن الناس مختلفون في قدراتهم ومجالات إبداعهم وتميزهم، فبينما يبرز بعضهم في التعليم، يبرز بعضهم في الدعوة، وآخر في السياسة، ورابع في الاقتصاد، ونحو ذلك، وكل على خير.

ومن ثَمَّ فإنَّ «المشاريع» التي قد يخوضها أهل السنة كثيرة ومتعددة، وقد لا تكون متشابهة ولا متقاربة، وقد تتعدد وجهات نظرهم واجتهاداتهم في اعتبار الأهم، ولا ضير في ذلك، ما دامت كلها تنطلق من أسس المشروع العام لأهل السنة وتصب في أهدافه، وينبغي في ذلك مراعاة التالي:

  1. تكوين مرجعية علمية شرعية يرجع إليها الناس في مختلف شؤونهم ونوازلهم، تقوم بالتوجيه والقيادة حال انعدام الحاكم المقسط، وبخاصة في أوقات الشدة والمحن([8])، وقد شهد العالم الإسلامي في العصر الحديث العديد من الأمثلة لدور العلماء في هذا المجال إبان فترة الاستعمار، وما تلاها من فترات حكم غير رشيدة، ومن أهم خصائص هذه المرجعية التي يمكن أن تُذكر في هذا المقام: ألا تكون فردية، وأن تكون جامعة لأهل السنة بمعناهم الواسع العام، وأن تبقى في الشأن العام الكلي المتفق عليه دون النزول إلى الفرعيات والتفاصيل التي هي محل الاجتهاد والاختلاف.
    قد لا يكون الوصول إلى هذه القيادة أو المرجعية لعموم أهل السنة يسيرًا أو مباشرًا في ظل الأوضاع الحالية، لكن وضوح الرؤية، وتجزئة العمل إلى مراحل أو مشاريع صغيرة متكاملة، مع التنسيق والتكامل يسهم في تأدية الغرض المنشود، وبخاصة في توزع الأعمال، وتوجيه العاملين مؤسسات وأفرادًا نحو الواجبات الكفائية المضيَّعة والمستجدة، ومنع الهدر الناشئ من التكرار، فضلًا عن التضارب والتعارض.
  2. أن ينصب الاهتمام والعمل على المشاريع الأكثر أهمية وتأثيرًا في الأمة، ويعرف ذلك من حال الناس، وما نزل بهم، وما يحتاجون إليه، من شؤونهم الملحة، حسب المعروف عند أهل العلم من فقه الأولويات، قال العز بن عبد السلام: «واعلمْ أنّ تقديمَ الأصلحِ فالأصلحِ، ودرءَ الأفْسدِ فالأفسدِ مَرْكُوزٌ في طبائعِ العباد نظرًا لهم مِن رَبِّ الأربابِ…، لا يُقَدِّمُ الصالحَ على الأصلحِ إلا جاهلٌ بفضل الأصلحِ، أو شقيٌّ مُتَجاهلٌ لا يَنظُرُ إلى ما بين المرتبتين مِن التفاوت»([9]).

من أهم واجبات الوقت التي لا يجوز التأخُّر فيها ولا التغافل عنها: تكامل المشاريع والجهود بين العاملين؛ وبمجموع تلك الجهود يتحقق المشروع العام لأهل السنة، والغفلة عنه تؤدي للصراع، وتبديد الجهود، وضياع المنجزات

  1. أن تكون الثقة بين العاملين سيدة الموقف، وألا يطعن بعضهم في مشروع بعض، أو يعمل على إضعافه حتى لو كان مشروعه في مرتبة أدنى، فمن لم يحمل السلاح للدفاع عن المسلمين وحرماتهم لا يجوز له أن يرمي المجاهدين بالغلو والتطرف وعدم الحكمة، ومن حمل السلاح لا يجوز له أن يرمي المشتغلين بالتعليم أو غيرها بالركون إلى الظالمين، ونحو ذلك ما دام الجميع يعمل في ساحة الاجتهاد وفق الضوابط الشرعية، مع التزام الجميع عدم الإضرار بالآخرين بأي طريقة من الطرق المباشرة وغير المباشرة.
  2. التخصص في العمل، فكون الإسلام شاملًا في نظرته وتناوله لجميع جوانب الحياة لا يعني أن يعمل كل من يسعى للعمل الإسلامي في كل الجوانب الشرعية، والدعوية، والسياسية وغيرها، خاصة مع توسع الحياة وتعقدها، فبالتخصص يستطيع الشخص أن يخدم في المجال الذي يبدع فيه، ويفسح المجال لأخيه ليبدع في مجاله فيثريه، وهكذا، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
    كما أن في توزيع العمل فوائد أخرى لا تقل أهمية عما سبق: من حماية العمل من الزوال أو التراجع في حال التعرض لمخاطر وجودية، أو صعوبات مالية، أو بشرية([10]).
  3. أن يتكامل مع إخوانه في الجوانب التي لا يعمل فيها، بحيث تتعاضد هذه المشاريع وتؤتي ثمارها لصالح المسلمين. والابتعاد عن المنافسة والمزاحمة والمضايقة، فميادين العمل كثيرة ووافرة، فالواجب أن ينفر كلٌّ إلى ما يجيده ويحسن فيه، قال السعدي عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]: «وفي هذه الآية أيضًا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور»([11]).
    ومن أهم واجبات الوقت التي لا يجوز التأخُّر فيها ولا التغافل عنها: تكامل المشاريع والجهود بين العاملين؛ وبمجموع تلك الجهود يتحقق المشروع العام لأهل السنة، والغفلة عنه تؤدي للصراع، وتبديد الجهود، وضياع المنجزات.

دعوى غياب مشروع أهل السنة في العصر الحالي:

يُطلق العديد ممن يتحدث عن مشروع أهل السنة مقولة «إن مشروع أهل السنة غائب أو غير موجود»، وهذا غير دقيق، وبيانه من وجوه:

الوجه الأول: أن مطلِق هذا الكلام غالبًا ما يقصد المشروع السياسي في الوصول للحكم في بلاد معينة وإدارتها، وهذا تقزيم لمشروع أهل السنة، وإهدار لما بُني من مشاريع أخرى ضخمة، بذلت فيها الجهود حتى آتت ثمارها، وقد لا يتيسر إقامة تلك البرامج السياسية المنشودة في بلد ما أو وقت ما لتقدير القائمين على الأمر بغياب المصلحة الراجحة للمسلمين، فهل تهدر مشاريعهم الأخرى لأجل ذلك؟

والواقع والتاريخ يقول: إنه قد قامت في بلاد المسلمين عشرات مشاريع تحرير البلاد والعباد من الاستعمار والتبعية للمحتل، والمشاريع العلمية، والتعليمية، والاجتماعية، والصناعية، وغيرها وهي مستمرة بحمد الله منذ عقود طويلة، وقد حققت نتائج ملموسة لا تنكر، ونفع الله بها خلقًا عظميًا، وأسهمت في تنشئة أجيال كثيرة شاركت في استكمال تحرير البلاد، ومقاومة أمواج الفساد والإفساد، وبذلت في ذلك المهج والأرواح، والثروات الضخمة.

قامت في بلاد المسلمين عشرات مشاريع التحرير من التبعية للمحتل، والمشاريع العلمية، والتعليمية، والاجتماعية، والصناعية، وغيرها، وقد حققت نتائج ملموسة، ونفع الله بها، وأسهمت في تنشئة أجيال شاركت في استكمال تحرير البلاد، ومقاومة الفساد والإفساد، وبذلت في ذلك المهج والأرواح، والثروات

الوجه الثاني: أن البلاد الإسلامية وإن كانت غير خاضعة للمحتل الأجنبي مباشرة إلا أن غالبها يخضع لأنظمة حكم متسلطة لا تستمد قوتها من الشعوب، وتحاول فرض مشاريع غريبة عن هوية الأمة وثقافتها وهمومها، وهي مشاريع علمانية (بشقيها الليبرالي والاشتراكي)، لا تهدف لتحقيق الخير للبلاد والعباد، وتستمد القوة من المحتل لفرضها في بلاد المسلمين بالقوة والإكراه، وعملت على تغييب وقمع جميع مشاريع أهل السنة، ومحاربة القائمين عليها ومطاردتهم واجتثاثهم، مما أدى إلى ضعف تلك المشاريع أو غيابها عن بعض الساحات بسبب تلك الحرب، على الرغم مما أنجزته الشعوب من قدرة كبيرة على مواجهة مشاريع الاستعمار والاختطاف تلكَ، والتي تُوجت بموجات الربيع العربي التحررية.

فغياب مشاريع أهل السنة أو تراجعها أو ضعفها في عدد من البلدان، لم يكن بسبب ضعف في المشروع، أو غيابه، أو تهاون القائمين عليه، بل بسبب الحرب الشاملة التي تُقام ضدها وضد القائمين عليه، والتي بُذلت في صدها التضحيات الكبيرة، ولم تكن «المنافسة» بين مشاريع أهل السنة والمشاريع التغريبية عادلة أو متاحة كما يصوره المدعون.

والنتيجة: أن جهود أهل السنة كانت سببًا مباشرًا في تعثر أكثر تلك المشاريع التغريبية التخريبية، وفشل الكثير منها، أو ضعف تأثيرها، وبيان حقيقتها، على الرغم من الدعم الهائل الذي يقف خلفها.

فعلى سبيل المثال: بعد الغزو العسكري الاستعماري لإفريقيا في القرنين التاسع عشر والعشرين اتجه الغربيون للغزو الفكري والثقافي والإعلامي، وأصبح الفاتيكان يعتمد على الغزو العسكري والفكري ليمهد له الطريق أولًا، ثم تدخل الكنائس لتجد الجوَّ مُهيئًا لها للعمل وسط الفقراء؛ ولذا نظم «بابا الفاتيكان جون بول الثاني» زيارة لإفريقيا في مايو ١٩٨٠م من زائير (الكونغو الديمقراطية حاليًا) والكونغو ثم كينيا وغانا وبوركينا فاسو وساحل العاج قائلًا: «إنني أرجو أن يكون بحلول عام ٢٠٠٠م قد تنصّرت إفريقيا جميعها»([12])، لكن ذلك لم ينجح بسبب الجهود الدعوية المباركة التي جابت أقطار القارة السمراء، وثبَّتت المسلمين على دينهم، بل أدخلت الملايين من غيرهم في الإسلام.

غياب مشاريع أهل السنة أو تراجعها أو ضعفها لم يكن بسبب ضعف في المشروع، أو غيابه، أو تهاون القائمين عليه، بل بسبب الحرب الشاملة التي تُقام ضده وضد القائمين عليه، والتي بُذلت في صدها التضحيات الكبيرة

الوجه الثالث: وقع عددٌ من العاملين في المشروع الإسلامي في بعض الأخطاء، وحصلت بينهم فرقة؛ لأسباب عديدة، من أهمها: الظروف الصعبة الضاغطة التي يعيشها العالم الإسلامي، وقد أدى هذا إلى تأخير القيام ببعض الواجبات كتوعية الشعوب والشراكة مع المجتمع، أو ضعفها.

ومع امتلاك الشعوب لزمام المبادرة في ظل الثورات الحالية وتقدمها الصفوف، وشيوع أجواء جديدة من الحرية وتجدد الأمل، وتغير الظروف، وتيسر بلاد ومنابر جديدة للعمل، تحتاج النخب لمراجعات حقيقية، ووقفات صادقة تميط اللثام عن هذه الأخطاء، وتضع الحلول المناسبة لها، بتجرد وموضوعية.

المشروع الحضاري لأهل السنة:

المسلمون أصحاب مشروع حضاري عالمي، قام على أسس راسخة ثابتة مستقرة لا يعتريها تغير ولا تبدل أو تحول، تشمل حاجات الحياة كلها من مختلف جوانبها الفكرية والروحية والنفسية والجسدية والمادية الفردية والاجتماعية، وفي جميع المجالات العلمية والعملية، وتعترف بحضارات الشعوب ومنجزاتها، وتصطفي أفضل ما فيها، وترفض العصبية والإقصاء، لذا فإنها قدمت للعالم عبر قرون من الزمن حضارة عظيمة أسهمت في النهضة الفكرية، وتقدم العلوم، مما أدى إلى ثورة معرفية في جميع المجالات الدينية والفكرية والعلمية والصناعية.

واليوم على الرغم مما تمر به الأمة من ضعف في بعض الجوانب لأسباب عديدة من أهمها اغتراب الواقع السياسي عن حياة الشعوب ونبضها([13])، إلا أنها ما زالت أمة حيَّة ولاَّدة، تستطيع أن تقدم للعالم -الذي يعيش في تخبط حضاري وفكري كبير مع ما يعيشه من تقدم مادي كبير- ما ينتشله من الأوحال التي هو فيها، تقدم للبشرية دلالتها على طريق سعادتها وانتشالها من ظلمات التخبط في متاهات الشرك، والظلم والاستغلال والعبودية، وما هي فيه من بؤس وشقاء وواقع مزرٍ ومستقبل مظلم، بتقديم المشروع الذي يقوم على أسس الإيمان بالله وتوحيده، والتقوى، والعدالة، والأمانة، والرحمة، والوسطية والاعتدال، وسمو الأخلاق، واحترام إنسانية الإنسان، وتقدير العلم والعقل.

تستطيع الأمة أن تقدم للبشرية ما ينتشلها من الأوحال التي غرقت فيها، بدلالتها على طريق سعادتها وانتشالها من التخبط في متاهات الشرك والظلم والاستغلال والعبودية، وما هي فيه من بؤس وشقاء وواقع مزرٍ ومستقبل مظلم، بتقديم المشروع الذي يقوم على أسس الإيمان بالله وتوحيده، والعدالة، والأمانة، والرحمة، والوسطية والاعتدال، واحترام الإنسان، وتقدير العلم والعقل

والواقع يشهد لذلك؛ فالإسلام أسرع الأديان انتشارًا اليوم، على الرغم من كل الحرب عليه، وفي هذا دليل على تعطش العالم إلى ما ينتشله من التخبط والضلال إلى طريق الحق والسعادة.

إنَّ إدراك أهل السنة والجماعة، حَملة الإسلام لهذا الدور الحضاري المنوط بهم، وهذه الأمانة التي يحملونها على عاتقهم، يحتم عليهم جميعًا بذل جهودهم واستثمارها في سبيل ذلك، والتعاون مع بقية المسلمين في ذلك، وهذا من أعظم الجهاد في سبيل الله تعالى.

وللنجاح في هذا الدور القيادي الريادي لا بد من التعرف على جوانب المشروع الذي يحملونه، والإمكانات التي تتوفر فيه، وتنظيم صفوفهم وترتيب أفكارهم وأولوياتهم لذلك.. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].


[1] لا يلتزم المقال بالمصطلحات العلمية التخصصية الدقيقة في المقصود بالمشروع أو الفرق بينه وبين البرنامج، وإنما على الاستخدام الشائع لكلمة المشروع.

[2] أخرجه الترمذي (٢٦٤١).

[3] من كلام الإمام مالك رحمه الله، ينظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض، (٢/٨٨)، وذكرها ابن تيمية في عدة مواضع منها: مجموع الفتاوى (١/٣٥٣)، وذكرها الشاطبي في الاعتصام بلفظ: «لن يأتيَ آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها» (١/٣٤٩).

[4] سبق بيان ذلك في مقال: «أهل السنة والجماعة.. المصطلح والانتماء»، والمنشور في العدد الثاني للمجلة.

[5] أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وأحمد (١٧١٤٤).

[6] أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٦٣).

[7] أخرجه أحمد (٢٢٠٢٩)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (١٣٢).

[8] فأهل العلم هم من أمر الله تعالى بالرجوع إليهم في المدلهمات والخطوب، كقول تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْم الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: ٥٩]، وهم أولى من يدخل في قوله تعالى عن ولاة الأمر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: ٥٩] في الأحوال الطبيعية، فضلا عن الأحوال الأخرى. وعلى الرغم من قيام المؤسسات الشرعية الرسمية في العديد من الدول بجانب من بيان الأحكام الشرعية، إلا أن مهامها وطبيعة تبعيتها للدول تقف بها وتضعف عن الخوض في الكثير من المهام، هذا إن لم تكن أداة من أدوات الحاكم التي يحارب بها الدين ويشرع الطغيان. وهنا نقطة أخرى تحتاج لبحث مستقل: أن هذه المؤسسات الرسمية ليست سواسية في مواقفها، ونتاجها العلمي، وبالتالي لا ينبغي أن يكون الموقف منها كذلك.

[9] قواعد الأحكام في مصالح الأنام، للعز بن عبد السلام ص (٧) باختصار. ومما يُنقل عن العز قوله رحمه الله: «من نزل بأرض تفشى فيها الزنى فحدث الناس عن حرمة الربا فقد خان». وينظر دراسة الشيخ يوسف القرضاوي عن فقه الأولويات في ضوء الكتاب والسنة.

[10] في هذا التخصص فوائد شرعية وتربوية وسلوكية أخرى غير ما سبق، من أهمها: تقبُّل وجود قيادات أخرى تقاسمها التأثير في الجماهير والقيادة، وعدم احتكار الحق والوصاية على الخلق، والتدرب على التعامل مع مختلف الاجتهادات والآراء، وتحقيق الأخوة الإسلامية عمليًا.

[11] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي (١/٣٥٥).

[12] من مقالة بعنوان: تعرف على خريطة التنصير في إفريقيا، على موقع تبيان www.tipyan.com.

[13] أثبت المسلمون على مر التاريخ أنَّ ما مرَّ به العالم الإسلامي من حالات ضعفٍ و«انحطاط» وتراجع في الجوانب السياسية والعسكرية، لم يكن ذا تأثير كبير على النواحي الفكرية والعلمية؛ نظرًا لاستقلال الفضاء العلمي والفكري برجالاته ومؤسساته وبرامجه، وعدم وجود هيمنة من مؤسسات الحكم والجيش عليه، فبقي العلماء والمفكرون والباحثون عاملين في ميادين البحث والعلم بغض النظر عن الحال السياسية والعسكرية التي مرَّت بها العديد من البلدان.


د. عماد الدين خيتي

باحث ومتخصص في الدراسات الإسلامية، نائب رئيس مجلس الإفتاء في المجلس الإسلامي السوري

شارك المادة عبر :

المناقشة والتعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواد ذات صلة

أثر المستشرقين على الفكر الإسلامي

ذو الحجة 1441هـ – آب / أغسطس 2020م كان ظهور الاستشراق والمستشرقين علامةً فارقةً في تاريخ الحضارتين الإسلامية والأوربية؛ فبينما كان عاملًا مهمًا في نقل خلاصة الحضارة الإسلامية لأوروبا خلال عصور النهضة الإسلامية، فأسهم في ظهور النهضة الأوربية وتطورها، كان من عوامل الطعن في الحضارة الإسلامية حينما ضعفت الأمة الإسلامية وتراجعت في عدد من الميادين.. […]

...
منهجية التفكير التصميمي .. تجارب رائدة في خطبة الجمعة

لكي ننجح في بيع مُنتَجٍ ما، بدلاً من تصميمه بناء على افتراضاتنا حول ما يريده مستخدمو هذا المنتج، نقوم باستطلاع آراء المستخدِمين والخبراء لفهم حاجات المستخدمين» هذه هي الفكرة الأساسية لمنهجية التفكير التصميمي، التي انتقلت من مجال الصناعة إلى مجال تطوير المؤسسات وحل المشكلات الإدارية التي تواجهها ثم انتقلت إلى المجال الاجتماعي لتصميم حلول للمشكلات […]

...
السّلبية .. داءٌ مدمّر للأمّة

لا تصلح أحوال المجتمعات والأمم إلا بالبعد عن السلبية ورسوخ الشعور بالمسؤولية الجماعية وشيوعه بين أفرادها، حتى يدفعهم هذا السلوك إلى الدفاع عن الصالح العام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا غاب هذا الشعور أو ضعُف، وانتشر داء السلبية، كثر فيهم الظلم والفساد وكان مؤذناً بدمارهم وزوالهم، يستوي في ذلك الصالح والطالح، ولهذا كانت المسؤولية […]

...

العدد الخامس

التاريخ: أكتوبر 19, 2020