تلمُّس الأمل في تدافع الأمم

مدخل:

سنَّ الله تعالى للكون سننًا لا تتغيّر ولا تتبدّل، لا يتجاوزها مؤمنٌ ولا كافر، ومن تلك السنن التدافعُ بين الإيمان والكفر، وجعْلُ الأيام دُولاً بين الحقّ تارة والباطل تارة أخرى؛ لحِكَم كثيرة، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠)وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠- ١٤٢].

ومع هذا اليقين فإنَّنا نلحظ منذ مدّةٍ طويلة صعودًا وتمكينًا لأهل الباطل، وتراجعًا مستمرًّا لأهل الحقّ، فكيف حدث ذلك؟ وهل هناك أملٌ في تغيُّر الحال؟

بداية الصعود الأوروبي:

لم يكن صعود القوى الاستعمارية في القارة الأوروبية حدثًا خارجًا عن السنن الكونية والشرعية، فهو لم يحصل إلا بعد غفلة المسلمين في الأندلس وما جاورها عن دورهم الحضاري والدعوي في العالم، وانغماسهم في الترف واللهو، وتنافسهم على الدنيا؛ الذي أدّى إلى نزاعات فيما بينهم، وكان عدوّهم المتربّص بهم يقضم من بلادهم القطعة تلو القطعة، حتى فُجِع المسلمون بسقوط غرناطة آخر معاقل المسلمين في غرب القارّة الأوروبية.

قامت مملكة إسبانيا -أقوى الممالك الأوروبية في وقتها- وإلى جانبها مملكة البرتغال ببناء أساطيل بحرية قويّة على أنقاض أساطيل الأندلس باحثين عن الثروات والنفوذ، وبينما كان الإسبان يستكشفون القارتين الأمريكيتين غربًا، سعيًا للوصول إلى الهند ومواطن الثروات والتوابل، كان البرتغاليون يلتفّون حول القارة الأفريقية ساعين شرقًا للوصول إلى ذات الهدف، وكانت الحملتان تحت تأييد ومباركة قيادة الكاثوليكية البابوية في إيطاليا.

رافق هذا الحِراك التوسّعي ظهورُ البروتستانتية في أوروبا، وانتشارها في بلدان الشمال الأوروبي ووصولها إلى إنجلترا التي كانت تبني قوّتها البحرية الخاصّة المنافسة للإسبان والبرتغالييين، وشيئًا فشيئًا برزت إنجلترا ومِن بعدها هولندا إلى جانب قوىً استعمارية أخرى وبدأت حروب المستعمرات تستعر بينهم في العالم الجديد.

لم يكن صعود القوى الاستعمارية في العالم حدثًا خارجًا عن السنن الكونية والشرعية، فهو لم يحصل إلا بعد غفلة المسلمين عن دورهم الحضاري، وانكفائهم الثقافي والعلمي، وانغماسهم في الترف واللهو، وتنافسهم على الدنيا؛ الذي أدّى في النهاية إلى نزاعات فيما بينهم

حال المسلمين:

أمّا في المشرق الإسلامي فقد كانت دول المسلمين -على قوّة بعضها- متفرّقة متباعدة، مع تراجع المنحنى الحضاري للمسلمين، ولعلّ أبرز مظاهِره: الانكفاء والجمود الثقافي الذي تمثّل في إغلاق باب الاجتهاد الفقهي، وتباطؤ الحركة العلمية التي كانت في أوجها أيام العباسيين في المشرق والأمويين في الأندلس، وكان الأخذ بالأسباب المادّية والاكتشافات العلمية قد توقَّف إلى حدٍّ كبير في مقابل التقدُّم السريع في السيطرة وامتلاك مقاليد القوّة لدى الأوروبيين.

وبعد أن كان المسلمون القوّة العظمى والأكثر تقدّمًا، صاروا شيئًا فشيئًا دولةً قويّة تعاني من الشيخوخة، يزاحمها عددٌ كبير من الدول الفتية الباحثة عن النفوذ والثروة والسيطرة.

النظام العالمي وأثره على المسلمين:

فيما بعد تصارعت القوى الاستعمارية الناشئة على النفوذ في حربين عالميتين في النصف الأول من القرن العشرين بكلّ ما أوتيت من قوة وبأس، وخلَّفت دمارًا عظيمًا لم تعرفه البشرية قطّ، وكان من نتائجها: تمزُّق العالم الإسلامي إلى دويلاتٍ محتلّة مِن قِبَل هذه القوى، وفرضت القوى المنتصرة على العالم نظامًا قائمًا على مراعاة الأقوياء واستنزاف الضعفاء، غابت معه شمس العدالة عن وجه الأرض بعد أن نعمت به لقرون.

كان للهزيمة التي لحقت بالمسلمين أثرٌ كبيرٌ في نفوس الناس؛ ففضلاً عن التأثير النفسي للهزيمة.. حصل ما يُعرف بتأثير الغالب على المغلوب، ففُتن كثير من المسلمين، وظنّوا أنّ طريق الخلاص والنهوض من جديد يكمن في متابعة الغرب المستعمر والتعلّق بما جاء به من أفكار ومبادئ بديلة عن الإسلام كالقومية والاشتراكية والعَلمانية والرأسمالية وغيرها، وحتى عندما جلا المستعمر عن بلاد المسلمين ابتُلي المسلمون بقيادات شكلية ظنَّ الناس فيهم الصدق، وتأمَّلوا منهم العمل على النهوض وإعادة الأمّة إلى سابق وحدتها وعزّتها، فإذا بهم دمىً وعرائس تأتمر بأمر أسيادها المستعمرين، وتُعطيهم خيرات البلاد ومقدَّراتها، ولا تستجلب منهم إلا أسوأ ما لديهم؛ فتبيَّن أنّ حال الدول الإسلامية بعد جلاء المستعمر لا يعدو كونه صورةً من صور الاستعمار الخفيّ لكن بستار محلّي، واستمرَّ العبث بالأقطار الإسلامية احتلالاً وتقسيمًا ونهبًا للثروات، واستقطابًا لتحالفاتهم، وتدخّلاً في كلّ شاردةٍ وواردة من شؤونهم.

أدرك المصلحون مبكِّرًا أنَّ الحال الذي وصلت إليه الأمّة هو نتيجة حتمية للمقدِّمات التي سبقتها بمدّة ليست قليلة، وعلموا أنّ عودة الأمّة إلى سابق عزّها ومجدها لا يكون إلّا بالعودة إلى المنبع الصافي الذي صلح عليه أمر الأمّة أوّلاً، فتداعوا في كلّ بلد للإصلاح على قدر استطاعتهم

جهود الإصلاح:

أدرك المصلحون مبكِّرًا أنَّ الحال الذي وصلت إليه الأمّة هو نتيجة حتمية للمقدِّمات التي سبقتها بمدّة ليست قليلة، وعلموا أنّ عودة الأمّة إلى سابق عزّها ومجدها لا يكون إلّا بالعودة إلى المنبع الصافي الذي صلح عليه أمر الأمّة أوّلاً، فتداعوا في كلّ بلد للإصلاح، تارةً بالعمل السياسي وتارةً بالعمل الخَدَمي، وقامت حركةٌ علميةٌ دعوية شاملة، تتَّسع كلّما أتيح لها المجال وسنحت الفرص.

قابل وكلاءُ الاستعمار هذه الحركاتِ بالتضييق، وقمعوها بالترهيب؛ فانتهى الحال بأغلب قادتها ورموزها في المعتقلات والزنازين وأقبية التعذيب. واستخدموا معها في بعض الأحيان أسلوب الترغيب والاحتواء، فمنحوها مشاركة سياسية رمزية، من خلال مناصبَ ومواقعَ شكليةٍ محدودة التأثير لتُفقدها رصيدها الجماهيري.

المزيد من حُلكة الليل:

عامًا بعد عام ازدادت الأنظمة الحاكمة للبلاد الإسلامية ارتماءً في أحضان القوى الاستعمارية، وبُعدًا عن تحرير الأوطان السليبة، وزادت بينها العداوات بعد أن كانت تنادي -ولو شكلاً- بالاتحاد والوحدة والتعاون، ومن جانب آخر كان لدعم المستعمرين لطوائف الأقلّيات على حساب الأكثرية السنّية آثارٌ مدمّرة في العديد من المحاور الحيوية في البلدان الإسلامية.

وبعد تفريط الأنظمة الحاكمة للبلاد الإسلامية بفلسطين، في سلسلة من الخيانات في الحروب التي خاضوها مع الكيان المحتلّ، ثم الرضوخ للاتفاقيّات الدولية ومعاهدات السلام التي اعترفوا فيها بحقّ العدوّ في الأرض؛ انتهوا إلى التطبيع الكامل معه، والذي تُجرّم فيه مقاومة المحتل! وتفتح له الأبواب ليحصل على الثمين من الامتيازات والعقود في بلاد المسلمين.

وعلى الصعيد الثقافي: دأبت هذه الأنظمة على تغييب الشعوب عن هويتها وانتمائها، وكرّست في المقابل هويّة مشوَّهةً خاصّة بكلِّ قُطرٍ على حدَة، وبتاريخ مجتزأ لكلِّ منها.

أما الاقتصاد فحدّث ولا حرج عن التدهور الذي مُنيت به الدول الإسلامية، في نِسَبِ التضخّم، ومعدّلات البطالة، والديون التي غرقت فيها، واحتكار الثروات لدى الطُغَم الحاكمة، وارتهان اقتصاداتها للدول الكبرى، وهلمّ جَرًّا.

بصيص أمل موؤود:

هذه التبعية المقيتة، بآثارها الوخيمة في السياسة والاقتصاد والدين والحياة الاجتماعية؛ أورثت إحباطًا وغَضَبًا غير مسبوق لدى الشعوب المسلمة، فقامت ثورات عارمة في عدد من الدول العربية، وبالرغم من بعض النتائج المهمّة التي جُنِيَت سريعًا، فقد مارست الأنظمة الحاكمة وحلفاؤها بطشًا غير مسبوق في مواجهتها، وكأنّها وجُيوشَها قد أُعدَّت لهذا اليوم، وتواطأ بعضها في دعم بعض حتى ظهر ما يُعرف بالثورات المضادّة التي جاءت بحكومات أشدَّ ظلمًا، وأكثرَ انبطاحًا وتطبيعًا مع المحتلّ.

وكان لسوريا النصيب الأكبر من هذا البطش على يد النظام الطائفي المجرم، الذي لم يتوانَ عن استخدام أعتى الأسلحة وآلات الدمار في مواجهة الشعب الثائر المطالب بالحرّية والكرامة، وكان الملفت والصادم لكثير من المراقبين: تدخّل عدّة دول بجنودها وعتادها لقمع ثورة الشعب الأعزل، من بينها قوىً عظمى، ضمن تفاهمات مع بقية الدول الكبرى، الأمر الذي عرّى حقيقة النظام العالمي وأظهر تواطؤ المجتمع الدولي على وأدِ أحلام الحرّية للشعوب المسلمة، مما زاد الصورة قتامة والليل حلكة.

حالة اليأس:

الظلم المتواصل والبطش المستمرّ والتردّي الاقتصادي والتعليمي والصحّي تسبّب في موجة كبيرة من اليأس والإحباط، خصوصًا بعد انسداد الأفق، وانتهاء الثورات إلى سبلٍ مسدودةٍ بين حلول سياسية مُجحفة، وواقع إنساني مأساوي.

وكانت الهجرة إلى الغرب سبيلاً فكّرت به شرائح واسعة من الناس، لكن تبيّن مع الوقت أنّ الطريق ليس مُزيّنًا بالورود، بل دون ذلك مفاوز ومهالك، قد تنتهي بالغَرق أو القتل بأيدي خفر السواحل، أو الاحتجاز داخل معسكرات مُهينة، ومَن يصل منهم لا يأمن على أولاده وأسرته من التفريق أو الإفساد، ومؤخّرًا صارت بعض هذه الدول تتّجه نحو ترحيل اللاجئين بدعاوى مختلفة.

في المحصّلة تواجه الشعوب المسلمة مزيجًا معقَّدًا من عدّة عوامل تجعل الأفق مسدودًا في وجهها، تتمثل في التوافق الدولي على حماية نفوذ الدول الكبرى وتصدير مشكلاتها إلى الدول الأضعف، ومنع انبعاث المسلمين من جديد بأدواتهم السياسية والعسكريّة والاقتصاديّة والثقافيّة، وطوابيرهم وجنودهم الذين يملؤون بلادنا، إلى جانب فساد وظلم الأنظمة، وسوء إدارتها للبلاد، وإغراقها في أوحال التخلّف والفوضى، بالإضافة إلى عجز الشعوب بإمكاناتها الذاتيّة عن تفكيك هذه القيود المتضافرة والمتراكبة.

في الأحوال التي ينسدُّ فيها الأفق، ولا يبقى لدى البشر ما يبذلونه بتدبيرهم، يأتي التدخُّل الإلهي بسُننه التي لا تتخلَّف، وقدرته التي لا يُعجزها شيء، ومنها الفرج بعد الشدَّة

الفرج بعد الشدة:

في مثل هذه الأحوال التي ينسدُّ فيها الأفق، ولا يبقى لدى البشر ما يبذلونه بتدبيرهم، يأتي التدخُّل الإلهي بسُننه التي لا تتخلَّف، وقدرته التي لا يُعجزها شيء، ومنها الفرج بعد الشدَّة، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، قال ابن كثير: «يستفتحون على أعدائهم، ويدعون بقُرب الفَرَج والمخرج عند ضيق الحال والشدّة، قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥-٦]، وكما تكون الشدَّة ينزل من النصر مثلها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وفي حديث أبي رَزين: (عَجِبَ ربك من قُنوط عباده وقُرب غيثه، فينظر إليهم قنطين، فيظلّ يضحك، يعلم أنّ فرجهم قريب) الحديث»[1].

وقال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ١١٠] قال السعدي في تفسيرها: «حتى إنَّ الرسلَ -على كمال يقينهم، وشدَّة تصديقهم بوعد الله ووعيده- ربّما أنّه يخطر بقلوبهم نوعٌ من الإياس، ونوعٌ من ضعف العلم والتصديق، فإذا بلغ الأمر هذه الحال ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ وهم الرسل وأتباعهم»[2].

وقال سيد قطب: «في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل، ولا تبقى ذرّةٌ من الطاقة المدَّخرة.. في هذه اللحظة يجيء النصر كاملاً حاسمًا فاصلاً: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾»[3].

من سنن الله تعالى سنّة المداولة، فالدنيا لا تدوم على حال، ومن كان يتصوَّر أنَّ النظام العالمي المنعقد اليوم لا يتزعزع ولا ينحلّ فقد خالف السنن الكونية والقدرية

سنّة المداولة:

ومن سنن الله تعالى سنّة المداولة، فالدنيا لا تدوم على حال، والعُسر يعقبه اليُسر، والشدّة يعقبها الفَرَج ولو بعد حين، والله لا يُعجزه شيء، وله حِكم بالغةٌ في رفع أقوام ووضع آخرين؛ قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، ومن كان يتصوَّر أنَّ النظام العالمي المنعقد اليوم لا يتزعزع ولا ينحلّ فقد خالف السنن الكونية والقدرية، فقد جاء في الحديث قوله ﷺ: (حَقٌّ على اللهِ أن لا يَرْتَفِعَ شيءٌ مِن الدُّنيا إلّا وضَعَهُ)[4].

وقد تجبَّر في السابق أقوام فَمَحَقَهم الله ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]، كما مكّن قومًا كانوا مستضعفين فآتاهم الملك في الأرض المباركة ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، وهكذا يحوِّل الله السيادة والزعامة في الأرض من قومٍ إلى قوم، لإظهار قُدرته النافذة وحكمته البالغة وتدبيره المحكم.

وهذه السنّة صرَّح بها الله في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] قال السعدي: «فيُداول الله الأيام بين الناس، يومٌ لهذه الطائفة ويومٌ للطائفة الأخرى؛ لأنَّ هذه الدار الدنيا منقضيةٌ فانية، وهذا بخلاف الدار الآخرة، فإنّها خالصةٌ للذين آمنوا»[5]، وهذا مما يبعث على الأمل والتفاؤل، ويدفع نحو العمل والتضحية.

سنّة المدافعة:

وسنّة المدافعة قريبة من سنّة المداولة، وفيها يتجلّى لنا كيف أنَّ الله يدفع بعض الأمم ببعض، فتكون المداولة بينها بالتدافع والمغالبة، فتنتصر أمّة ثم تدافعها أمّة أخرى، حتى تُزيحها عن سدَّة السيطرة والغلبة فتحلَّ محلَّها، وهذا مُشاهد معلوم يُدركه كلّ أحد.

ومدافعة الكفّار تحصل بأيدي المؤمنين كما نصرَ ربّنا تبارك وتعالى طالوتَ وجنوده على جالوت، ونصرَ النبيَّ ﷺ وأصحابَه يوم بدر ويوم الفتح، ونصرَ أهل الإسلام في القادسية واليرموك وسائر الفتوحات التي سجّلها التاريخ.

وقد يُضعِف الله بعض الكفار بضرب بعضهم ببعض، وهذا أمثلته كثيرةٌ في التاريخ، ومنها ما وقع في زماننا هذا، كحروب المستعمرات والحربين العالميتين والحرب الباردة وغيرها، قال ابن زيد رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩] معناه: «نسلِّط بعض الظلمة على بعض، فيهلكه ويُذلُّه»[6]. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] قال ابن كثير: «لولا أنَّه يدفع عن قومٍ بقوم، ويكشف شرَّ أناسٍ عن غيرهم بما يخلقه ويقدّره من الأسباب؛ لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف»[7]. فلو تَركَ الله القويَّ من البشر يأكل الضعيف ولم يكن للضعيف عودة؛ لاستمرَّ الأقوى، وهلك الأضعف إلى الأبد[8].

من حِكَم السنن الكونية تبدُّل موازين القوى، وانفراج الأمر على الضعفاء، فلو تَركَ الله القويَّ من البشر يأكل الضعيف ولم يكن للضعيف عودة؛ لاستمرَّ الأقوى، وهلك الأضعف إلى الأبد

حِكَمٌ خَفِيَّةٌ في المداولة والتدافع:

ولهذه السُّنن حِكَمٌ كثيرة؛ منها تعلُّق العباد بالله القويِّ القادر على كلِّ شيء، الذي لا يغلبه أحد، ومنها عدم انبهارِ الناس بقوة أمَّةٍ من الأمم أو سلطانها وسطوتها ومن ثمَّ تقليدِها واتباعِها؛ فكلُّها إلى زوال، وفيها من عوامل الفناء ما فيها، ومنها بقاءُ الأمل حيًّا في النفوس وعدمُ استسلام الناس لليأس تحت ظُلم الظالمين وبطش الطغاة، واندفاعُهم للعمل فيما يُصلح دنياهم وآخرتَهم، إلى غيرها من الحِكم الكثيرة والعِبَر الغزيرة.

إضاءة على الواقع اليوم:

بالرغم من التوافقات الدولية المبرمة بين الدول الكبرى تحت مظلّة المنظّمات الأممية إلا أنَّ نارًا مستعرة تحت رمادها تومض كُلَّما برزت أزمة أو مشكلة، فهذه الدول تبقى دولاً استعمارية يدفعها الجشع ويحرّكها حبُّ النفوذ، ومَن كانت هذه حالهم فأنت ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤]، هذا فضلاً عن سنن المداولة والتدافع التي تقتضي تغيّر الحال وتقلّب الأمم في مواقع الصدارة والتبعية.

فالولايات المتحدة ليست في أحسن أحوالها الاقتصادية والسياسية، وتراجعها العسكري ظاهر منذ ما يقرب من عقدين، والاتحاد الأوروبّي انكشف ضعفه العسكري مؤخّرًا وأنَّ أعضاءه دأبوا على التخفيف من ميزانيات الإنفاق العسكري معتمدين على حماية الولايات المتحدة، والأمور ليست على وفاق تام داخل حلف الناتو، فثمّة تفاهمات أمريكية بريطانية لا تدخل فيها فرنسا، بل تتضارب مصالحهم بشكل جليّ بين الفينة والأخرى. أما الدور الفرنسي فهو يشهد أزمة وتراجعًا عالميًا، خصوصًا في أفريقيا التي باتت تزاحمها فيها قوىً أخرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين وغيرها. والتصدُّرُ التكنولوجي والصناعي الصيني على حساب الهيمنة الأمريكية والأوروبية بات يشكل قلقًا لساسة هذه الدول وقادتها، والتوتّر في بحر الصين الجنوبي بلغ مداه في الأعوام الأخيرة، والعالم بات يترقّب غزوًا عسكريًّا صينيًّا لتايوان التي تقع تحت الحماية الأمريكية.

وروسيا تُعيد تقديم نفسها منذ مدّة قوةً ذات نفوذ ومصالح في القوقاز ووسط آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، ومؤخّرًا ظهر التدافع بأجلى صوره مع الحرب الروسية الأوكرانية التي تمثّل أول حالة حرب أوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، وتداعياتُها بدأت تؤثّر على العالم كلّه بارتفاع أسعار النفط والغذاء وغيرها، خصوصًا مع توقّعات توسُّع هذه الحرب خارج حدود أوكرانيا، ويزيد من خطورة هذه التوقّعات التلويح المتكرّر باستخدام أسلحة الدمار الشامل من قِبَل الروس وخصومهم.

من حكم السنن الكونية بقاءُ الأمل حيًّا في النفوس، وعدمُ استسلام الناس لليأس تحت ظُلم الظالمين وبطش الطغاة، واندفاعُهم للعمل فيما يُصلح دنياهم وآخرتَهم

الخلاصة:

بعد أحد عشر عامًا من انطلاق الربيع العربي نجد أنَّ العالم قد تغّير عمّا كان عليه قبل هذه الأحداث، وروسيا التي أحرقت الأخضر واليابس في سوريا متورّطة اليوم في حربٍ شرسةٍ لا تملك حسمها، ولا تقبل الانسحاب منها، وقد طالتها العقوبات الاقتصادية. وبقيّة الدول الكبرى لديها من المشكلات مع بعضها وفي داخلها ما يُضعفها، وأذنابهم من حكومات بلاد المسلمين في أضعف حالاتهم أيضًا، كلّ هذا يفيد بأنّنا على وشك أن نشهد ميلادَ نظامٍ عالميٍّ جديد، كما صرّح بذلك عدد من قادة وساسة العالم[9].

وما دام الله قد تكفّل لهذا الدين بالنصر والتمكين، فلا بدّ لهذا النصر أن يتحقّق، ولا بدّ للأمّة أن تظهر من جديد، شاء من شاء وأبى من أبى ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨]، لكن دون ذلك بذل الأسباب؛ فقد وعد الله المؤمنينَ بالنصر والتمكين بشرط القيام بأمر الله كما قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥]، فمن أراد النصر والتمكين فعليه أن يسلك مسالكهما وشروطهما.


[1] تفسير ابن كثير (١/٥٧٢).

[2] تفسير السعدي، ص (٤٠٧).

[3] في ظلال القرآن (٤/٢٠٣٦).

[4] أخرجه البخاري (٢٨٧٢).

[5] تفسير السعدي، ص (١٤٩).

[6] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي: (٧/٨٥).

[7] تفسير ابن كثير (٥/٤٣٥).

[8] دورة سنة التدافع والتمكين للشيخ المنجد على موقعه.

[9] تقرير (عالم جديد يولَد تحت النيران في أوكرانيا) على موقع عربي بوست.

المناقشة والتعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مواد ذات صلة

الرجل والمرأة .. تكاملٌ لا صراع
الرجل والمرأة .. تكاملٌ لا صراع

إحكام خلق الكون آية عظيمة: خلق الله تعالى الكون وما فيه على أكمل وجه وأحسن نظام بما يحقق الغاية من خلقه، ويدلّ على عظمة صانعه، ومن أظهر وجوه ذلك: الانتظام بين جنباته، والتوازن بين مخلوقاته، ووجود قوانين حاكمة أينما اتّجه النظر وتبحّر الفِكر. وهذا الجانب من حسن الانتظام وكمال الإحكام، لمسه الأوّلون على قلّة التفاصيل […]

...
ما ينتظره المجتمع من أهل العلم - مجلة رواء
ما ينتظره المجتمع من أهل العلم

مدخل: كان العلمُ أول مزايا الإنسان ذِكرًا بعد الخلق وسجود الملائكة في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، وكان ردُّ الملائكة يوم أن وضعهم الله في اختبارٍ اجتازه آدم عليه السلام ولم يجتازوه ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] إيذانًا بشرف العلم وأهله، وإشارةً إلى أنَّ صاحب العلم يفضُلُ على […]

...
العاملون للإسلام ووسائل الثبات على الحق

مدخل: من سنن الله تعالى أن جعل الدنيا دار ابتلاء واختبار، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ٢ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين﴾ [العنكبوت: ٢-٣]؛ وذلك لتمييز العابدين من المعاندين، «فالله سبحانه لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان»[1]، […]

...
مجلة رواء العدد14

العدد الرابع عشر

التاريخ: أبريل 17, 2022